|
(الفصل
الثالث)
في التيـــمم
وهي الطهارة الإضطرارية ، وهي ثابتة بالكتاب والسنّة والضرورة
من الدين، ومباحثه أربعه:
البحث الأوّل: في مسوّغه وهو عدم وجدان الماء ويحصل بأمور:
أحدها فقده من المكلّف، فيجب عليه تحصيله وطلبه من مظانه ولو
بثمن مقدور للمكلّف غير مضرّ به في الحال ، ولو زاد عن ثمن المثل
أضعافاً مضاعفةً.
ولو وُهب له الماء لزمه القبول ، وكذلك الثمن ليشتري به، وكذا
البحث في الآلة فيجب استئجارها أو شراؤها أو قبول اعارتها أو قبول
هبتها.
ويجب الاحتفار لو توقف تحصيله عليه مع سعة الوقت والقدرة، ومع
ضيق الوقت يكون فاقداً له، ولو أمكن الشراء بثمن في الذمّة يقدر
عليه عند المطالبة وجب وإن كان عاجزاً عنه في الحال، ولو امتنع
البائع من قبض الثمن المبذول المقدور له وجب أيضاً إلا مع علمه
بالعجز عنه وقت المطالبة، ولو وُجد الماء بغير باذل تيمم ولم
يكابره عليه.
ويجب الطلب ــ مع إرتفاع الموانع وعدم الخوف على النفس والمال
والبضع ما دام في الوقت المقدر للفضيلة بحيث يصلي في آخره ــ
بالضرب في الأرض بنفسه أو بمن يأتمنه عليه في الغلوات الأربع من
الجهات الأربع في حزن الأرض وضعفها في سهلها، والأول تقدير للزمان
والثاني للمكان، وعند اختلاف الأمرين تتوزع تلك المقادير بالنسبة
بأن يطلب في الحزنة غلوة سهم وفي السهلة غلوتين ، وعند كون نصف
الجهة سهلاً ونصفها صعباً يطلبه في النصف السهل غلوة سهم وفي
الصعبة نصف غلوة، ويسقط مع العلم بالعدم، ولو ظنّه في الزيادة على
النصاب سقط التقدير ووجب الطلب.
ويجدد ذلك الطلب للفرض الثاني إن لم يحصل العلم بالعدم بالأول
، ويجب أن يكون الطلب بعد دخول الوقت والسابق عليه غير كافٍ وإن
أفاد العلم بالعدم.
ولو أخل بالطلب حتى ضاق الوقت أثم بعصيانه وصحت صلاته بالتيمم،
فإن وجده بعدها مع أصحابه الباذلين أو في رحله أو في الغلوات وجبت
عليه إعادتها في الجميع.
ويجب تقديم ازالة النجاسة على الطهارة ، ولا يجزي لو خالف
عمداً، وخوف العطش على نفسه أو رفيقه المحترم أو حيوانه المضطر
إليه مسوّغ له، ولا يجوز له شرب النجس لو كان معه الطاهر، ويكفي في
خوف العطش في الآجل قول العارف ولو كان كافراً أو فاسقاً أو صبيّاً
مميزاً حيث يثمره ظناً، وكذا من معه ماء لا يجزيه لطهارته وضوءاً
كان أو غسلاً ولا تبعيض هنا شرعاً نعم لو كان مكلفاً بالوضوء
والغسل فوجد ماءاً لأحدهما وجب وتيمم للآخر بعد صرفه للماء فيه.
ولو كان الماء بحضرته وهو في قيد أو حبس أو في مرض لا حراك له
فيه وليس هناك ناقل ففرضه التيمم ، ولو وجد متبرعاً أو بأجرة
مقدورة له وجب عليه، ولو كان ذا نوبة في الماء فظنّ فوت الوقت قبل
نوبته ساغ له التيمم ، فإن كذب ظنّه فكالواجد للماء بعد التيمم.
ولو أراق الماء عمداً مع علمه باستمرار العدم عصى وقضى، ولو
أراقه بظن أن غيره موجود فلا معصية ولا قضاء، ولو وهبه لغيره بعد
الوقت ولا ماء سواه فالهبة باطلة، وكذا لو باعه بثمن لا يفيد تحصيل
بدله، ولو فعل ذلك قبل الوقت وكان عالماً باستمرار العدم ألحق
بالوقت ، ويحتمل بعيداً العدم إذ لا تكليف حينئذ ، ولا يعلم حياته
إلى الوقت، ويجب عليه ارتجاعه من المشتري أو المتهب، ولو تعذّر
ارتجاعه والحال هذه يتيمم ويأثم ويقضي لتفريطه.
وثانيهما: الخوف من استعماله وإن كان موجوداً على النفس من موت
أو مرض لا يحتمل عادة أو يخشى من بطئه أو اتيانه على النفس ولو
بحسب ظنّه، ولو توقف على تسخينه وجب ولو بأجرة زائدة عن أجرة المثل
، ولو كان مضرّاً مع الإسخان سقط، ويكفي في ذلك قول العارف ولو كان
فاسقاً أو كافراً إذا أثمرت معرفته الظن الراجح، ومع احتمال الألم
وعدم خوف العاقبة لا يسوغ التيمم.
وثالثها: الخوف من تحصيله أو طلبه على النفس أو البضع أو المال
المضر بالحال من لص أو سبع أو عدو أو عطب، أو على العقل فيمن يعرض
له ذلك ، أما مجرّد الوهم فلا، وكذاك لو كان هناك مريض أو ضعيف أو
طفل أو مجنون يخاف عليه بالمفارقة في زمن تحصيله ولا يمكن استصحابه
معه.
البحث الثاني: في ما يتيمم به
:
وهو الصعيد الطاهر، وهو التراب خاصّة بجميع أنواعه وأقسامه إلا
ما أخرجه الإستيلاء عن الاسم وكذلك الخلط بغيره، ويدخل فيه السبخ
والرمل وإن كرهاً ولا يجزي الحجر إلا إذا كان عليه تراب، ومنه تراب
القبر وأرض النورة والجص أما النورة نفسها والجص فلا يجوزان إلا
لضرورة جمعاً بين الدليلين المجوز والمانع.
ويُستحب من ربى الأرض والعالي، ومع فقد الصعيد فغبار الثوب
ولبد السرج وعرف الدابة ثم الوحل، ولا يحتاج إلى تجفيف وإن أمكن.
وليس الثلج عند تعذّر الإذابة مما يتيمم به بل ينتقل إلى
التراب ولا يقدم على التيمم فيكون متوسطاً بين الماء والتراب بل إن
تحلل منه شيء بحيث يمسح به مسحاً قريباً من الغسل تعيّنت الطهارة
به وإلا فلا.
ولا يجوز بالمعادن ولا بالرماد ولو كان من الأرض ولا بالمنسحقة
كالأشنان والدقيق.
ومن شروطه الإباحة بالملك أو ما في حكمه وهو المراد بالطيب في
الآية لكونه أحد وجوهها، فيبطل بالمغصوب، ومع جهل الغصب لا حرج
بخلاف ما لو تبيّنت النجاسة فإنّه يعيد كما قلناه في الماء، وفاقد
الطهورين لا يجب عليه الأداء ولا القضاء إلا إذا صلّى بغير طهور،
فلو مات قبله سقط عن الولي.
البحث الثالث: في الاستعمال وفي بيان وقته
:
حيث أن الوقت موضع الخلاف، والمحقق من الدليل والفتوى أن وقته
آخر الوقت، والمراد به وقت الفضيلة، ولا تظهر ثمرته إلا في المؤقتة
فلا يتيمم لفائتة على القول بالتوسعة، وأمّا الصلاة من ذوات السبب
كالكسوفين والإستسقاء فيكفي حضور أسبابها، ولو دخل عليه الوقت
متيمماً جازت الصلاة في الحال ، والأحوط تأخيرها إلى آخر الوقت ،
ولا يشترط الخلو عن النجاسة في غير محاله كالوضوء، ولو تعذّرت
الإزالة عن محاله فالأقرب الجواز مع عدم التعدّي إلى المستعمل.
وكيفيته أن ينوي به الإستباحة ، ويراعى البدلية إن وضوءاً
فوضوءاً وإن غسلاً فغسلاً، لا رفع الحدث مطلقاً فيبطل إلا أن يراد
به رفع ما مضى، ولا بد من القربة مستديماً حكمها إلى الفراغ آخره،
مقارناً بها وضع اليدين معاً ومراعاة الضرب أحوط، ثم يمسح بها
جبينه وجبهته وحد الجبينين من القصاص إلى الحاجبين، والجبهة من
القصاص إلى طرف الأنف الأعلى، ويُدخل الحاجبين في الجبينين، ثم
يمسح ظهر كفّه اليمنى ببطن اليسرى، من الزند إلى آخر الأصابع، ثم
ظهر اليسرى ببطن اليمنى كذلك، ويجزي المسح من مواضع القطع ومن
المرفقين في حال التقية، ويجب الاستيعاب للممسوح والموالاة فيه وإن
كان بدلاً عن غسل، والترتيب كما ذكرناه معتبر ولو عكس استأنف ، ولو
قلنا لا يخل هذا بالموالاة إذ هي المتابعة بنى على ما يحصل معه
الترتيب.
ولو قطع بعض الأعضاء اكتفى بالباقي حتى لو لم يبقَ سوى الجبهة.
ويجب في بدل الوضوء والغسل ضربة واحدة، ولو اجتمعا تكرر كغسل
الحيض.
ويجب نزع كل حائل كالخاتم والسير، وتجب المباشرة إلا مع
التعذّر، ووضع اليد على المتيمم به ، فلو استقبل له لحمل الريح له
أو بآلة: خرقة أو خشبة أو غيره لم يجزه، ولو ضرب على تراب ببعض
أعضائه أجزأ، ولا يجزي ايصال التراب إلى الأعضاء بغير ضرب ولابدّ
من العلوق وإن استحب له النفض بعد الضرب، ولا يجب تخليل الشعر على
الوجه واليدين، وإذا نوى به استباحة صلاة معينة استباح به غيرها
فرضاً كان أو نفلاً.
البحث الرّابع: في الأحكام والفروع:
يشرع التيمم حضراً وسفراً، طال السفر أم قصر، طاعة كان أم
معصية، ولا يُعيد مستعمله شرعاً ما صلاه به مسافراً أو غيره إلا
استحباباً إذا ظهر سعة الوقت، ومتعمدًا لجنابة كذلك، والممنوع من
زحام الجمعة ومن على بدنه نجاسة لا يمكن إزالتها، وهذه الصور كلها
غير موجبة للإعادة وإن قيل بها معها.
وكلما يستباح بالبدل يستباح به حتى الطواف، ويجوز أن يصلي ما
شاء من الصلوات ما لم ينتقض بناقض شرعي ، ومنه وجود الماء مع
التمكن من استعماله، ولو وجد ماءاً قبل الدخول في الصلاة رجع إلى
الطهارة الإختيارية وبعدها لا يلتفت ، وفي أثنائها خلاف والأقوى
وجوب الرجوع مالم يركع في الركعة الثانية مع سعة الوقت، ومع ضيقه
لا يرجع بمجرّد تكبيرة الإحرام ، ولا يجوز العدول إلى النافلة.
ولو بلغ المتيمم فالأحوط إعادته كما في الطهارة الإختيارية،
ولو أحدث بالأصغر ذو الأكبر أعاد عن الأكبر، ولو وجد من هذا شأنه
ما يكفيه من الماء للطهارة الصغرى لم يجب عليه استعماله، ولا تنقضه
الردة.
ولو وجد الماء بعد تيمم الميت قبل أن يُدفن وجب تغسيله وإعادة
الصلاة عليه بعد الغُسل، ولا يبطل التيمم بوجوب طلب الماء لو ظنّ
وجوده مالم يجد، والجريح في أعضائه إن أمكنه غسل ماعدا الجرح وجب
عليه، وموضع الجرح إن أمكنه اللصوق عليه فعله ومسح عليه، ولو
استوعب العذر عضواً تاماً احتاط بتيمم كامل وغسل الصحيح ويقدّم ما
شاء أما التيمم في بعض الأعضاء دون بعض فلا.
ولو أخل القادر على الماء باستعماله حتى ضاق الوقت عنه لم يجز
له أن يُصلي به ، وتعيّن عليه الغسل وإن خرج الوقت فإن تيمم وصلّى
به وجبت عليه الإعادة ، وكذا لو حبس بحق مع قدرته على أدائه حتى
ضاق الوقت بخلاف من حبس ظلماً وبما لا يقدر عليه.
ولا يُحرم الجماع على من فقد الماء لكفاية الصعيد له، نعم يكره
ولا على غير المتمكن من استعماله، ولو قلنا بأن فاقد الطهورين يؤدي
بحاله فوجد أحدهما في أثناء صلاته بطلت الصلاة سواءاً بقي من الوقت
ما يسعه فيه أداؤها أم لا.
ولا يشرع التيمم للنجاسة على البدن أو على الثوب، ولو حرمنا
وطيء الحائض الطاهر قبل الغسل كما هو المختار أجزأ التيمم له مع
تعذّر الغسل، ولا يصح من الكافر وإن نوى به الإسلام.
ولو رأى بعد التيمم إمارات وجود الماء كالخضرة والركب وجب عليه
الطلب مع سعة الوقت لا غير ولا يبطل بذلك.
ولو نسي الأكبر فتيمم بدلاً من الأصغر لم يجزه ولو تساويا في
الكيفية والضرب وكذا العكس.
ولو اجتمعت الأغسال وقصد التداخل أجزأ التيمم الواحد عن الغسل
المجزي.
ويختص الجنب بالماء عند اجتماعه مع ميت ومحدث، وكذا مع حائض
وماس ميت إذا كان لا يكفي إلا أحدهم، ولو كفى المحدث خاصّة
فاختصاصه به قوي، ولا يصرف إلى بعض أعضاء الجنب توقعاً للباقي، أما
لو قصر عنهما على الإنفراد تعيّن الجنب لإشتراط الموالاة في الوضوء
دون الغسل، ولو استعمله وتعذّر الإكمال تيمم، وكذا كل موضع تعذر
فيه اتمام الوضوء أو الغسل فإنه لا يجزيه التبعيض، ولا يجب عليه
الحدث لنفي التبعيض.
وفي جواز الحدث مع توقع الإتمام اختياراً بحث وكلام ، والأقرب
جوازه ، وكذا في جواز الحدث اختياراً في أثناء الطهارتين، وليس
بداخل في ابطال العمل المنهي عنه آية ورواية، نعم يحرم في أثناء
الصلاة كما سيجيء في القواطع، ولا يحرم بعد الطهارة مع سعة الوقت
وإمكانها.
ولو أحدث المتيمم سهواً في أثناء الصلاة فوجد الماء وكانت
طهارته صغرى توضأ وبنى وفي بدل الغسل يستأنف.
ولا تجوز الإقامة في بلد تحوجه للتيمم لعوز الماء، وكذلك
الكلام في السفر الذي يحوج إلى ذلك أو الصلاة على الثلج ما لم يكن
واجباً أو مضطراً إليه.
الطرف الرابع في النجاسات
وفيه مباحث ثلاثة:
البحث الأوّل: في عددها وحصرها :
وهي عشرة: البول، والغائط من ذي النفس السائلة غير محلل اللحم
ولو بالعارض كموطوء الإنسان، والجلال، وشارب لبن الخنزيرة ما عدا
الطير فالأقوى الطهارة فهو مستثنى من القاعدة.
وأبوال الدواب الثلاث كالأبوال النجسة وإن كانت محللة اللحم
على كراهة للدليل بخلاف أرواثها.
ولا تنجس فضلات المأكول حتى الدجاج ، ولا فضلة ما لا نفس له.
والدم والمني من ذي النفس وإن كان لحمه حلالاً، ولا ينجسان من
غير ذي النفس لو إتفق ذلك ،ولا القيح إلا أن يكون قد خالطه الدم
وإن كان غليظاً ،ومثله الصديد ، ولا ينجس مالا يقذفه المذبوح من
الدم ، ومنه العلقة وإن كانت في البيضة.
والميتة من ذي النفس السائلة أيضاً حلّ أكله أو حرم، وكلما أبين
منه في حال الحياة إلا ما لا تحله الحياة منها وهي عشرة، الأنفحة
منها وكذا البيضة مع اكتساء القشر الصلب وكذا اللبن لا الجلد.
والكلب والخنزير البريان وفروعهما، وفروع ما تولّد بينهما وبين
الطاهر العين من الحيوان، حيث يصدق اسم أحدهما عليه، أو بعد
اختباره بالعلامات من الجانبين كما ورد به النص، ولعابهما
وأجزاؤهما وإن لم تحلّها الحياة نجسة كأصلها وإن جاز العمل
والإنتفاع بها كشعر الخنزير للخرز وللإستسقاء به، وليس كلب الماء
وخنزيره تشملهما أخبار النجاسة فسيجيء في لباس المصلّي ما يدل على
طهارة كلب الماء بل صحة الصلاة فيه لأنه الخز.
والخمر، بجميع أقسامه السبعة بل كل مسكر مائع بالأصالة.
واجتناب العصير العنبي إذا غلي قبل ذهاب الثلثين والتطهير منه
فيه للسلامة والإحتياط لدلالة بعض الصحاح عليه، وأنه أحد أنواع
الخمرة.
والفقاع وإن لم يسكر بالفعل سواءاً أتخذ من الزبيب أو الشعير
بعد وجود الخاصة وصدق الاسم.
والكافر بجميع أنواعه سواءاً جحد الإسلام أو انتحله أو جحد بعض
ضرورياته كالخوارج والغلاة والمجسّمة والمشبهة.
والأقوى طهارة المسوخ، والسباع، والفأرة، والوزغة، والثعلب،
والأرنب، والحيّة، والأقوى نجاسة عرق الجنب من الحرام، وعرق جلال
الإبل بل مطلق الجلال.
وليس المذي منها وإن خرج بشهوة ولا القيء.
أما فرق المخالفين ممن ينتسب إلى الاسلام ولا يُقال عليه النصب
فالإحتياط في إزالة أثره مع الرطوبة إلا في التقيّة.
ولا ينجس الماء الذي تموت فيه العقرب ولا طين المطر في الطرقات
بعد ثلاثة أيام إلا بعلم النجاسة وإن استحب ازالته بعد ثلاثة أيام.
البحث الثاني: في المطهرات :
وهي أيضاً بالحصر والإستقراء عشرة:
الماء وهو يطهر سائر المتنجسات بهذه النجاسات العشرة ولا يطهره
إلا نفسه لأنه يطهّر ولا يطهر كما في المستفيضة.
والأرض تطهّر أسفل القدم والنعل والخف وما يلبس في الرجل من
الجورب، وخشبة الأقطع مثلها لقيامها مقام الرجل، بشرط أن تكون
طاهرة مزيلة للعين والأثر بالوطئ أو بالمسح، ولا يقدر بقدر،
واعتبار خمسة عشر ذراعاً ليس بتقدير لازم بل تحصيلاً لليقين
الغالب، ولا فرق في الأرض بين أن تكون جافةً أو رطبةً وإن كانت
الجافة أحوط.
ومنها آلات الإستنجاء الأرضية إذا لم يتعد المخرج، وإناء
الولوغ أول غسلة لكنه جزء مطهر، وفي المستفيضة (أن الأرض تطهر
بعضها بعضاً ) فيكون اشارة إلى أن ما نجسته الأرض ببعض أجزائها
يطهره البعض الآخر عند الغلبة عليه والإستيلاء.
والشمس لما جففته من كل نجاسة لم يبق لها جرم من الأرض
والبواري والحصر وكل ما يشق نقله، وتطهيرها حقيقي وليس بعفوي، نعم
تطهير الريح إذا جففته عفوي، ولو انضمت الريح للشمس كان غير مطهّر،
والمطهر هو الشمس إلا أن تكون الريح جففته أولاً ثم أشرقت عليه
الشمس فإنها غير مطهرة، وعموم تطهيرها لما أشرقت عليه كما في بعض
الأخبار المعتبرة مقيد بالأخبار الأخر ، وكذا ما نفي تطهيرها مقيد
بذلك.
والإسلام لبدن الكافر والمرتد ولما نجسه الكفر إن كان اسلامه
مقبولاً، ظاهراً وباطناً ، فلا يتأتى في الفطري بعد ارتداده فإنه
وإن قبل باطناً لكن لا يقبل ظاهراً، وفضلاته الطاهرة من المسلم ،
وكذا ما لا تحله الحياة تابعة له في النجاسة فيطهرها الإسلام إن لم
تكن منفصلة قبله.
ولا يطهر ما كان باشره برطوبة من إناء أو ثوب أو غيره قبل
الاسلام، وكذا النجاسة الخبثيّة التي على بدنه لا يطهرها الاسلام،
وكذا الحدثية لا يطهرها إلا مطهرها كما تقدّم، والمشتبه بالمسلم
المحصور إن ميّز بالعلامة المتقدّمة كان حكمه معيناً وإلا فالجميع
نجس.
وأدوات الاستنجاء غير الأرضية والمائية كالكرسف والخشب وكل
قالع للنجاسة غير محرّم ولا محترم كما مرّ .
والإستحالة بالنار بحيث تخرجه عن هذه الحقيقة ويصير رماداً أو
دخاناً، أما ما أحالته خزفاً أو آجراً فلا، وفي الجص الموقود عليه
بالعذرة وعظام الموتى تورثه التطهير ويزداد قوة بالماء.
وبصيرورة الخمر والنبيذ والعصير النجس خلاً وإن كان بعلاج إلا
إذا كان فيه نجاسة أخرى.
وبالحيوانية الطاهرة أصولها، ومنه الدود من العذرة، وحب القرع
وغيره من الباطنة وإن كانت ناشئة من العذرات والفضلات النجسة،
وصيرورتها تراباً كصيرورة العذرة والدم تراباً أو ملحاً كما لو صار
الكلب ملحاً.
والإنتقال إلى الحيوان الذي لا نفس له كدم البراغيث والبق.
وبصيرورته نباتاً وكلما نما بالماء النجس وشبهه.
وبصيرورته فضلة حيوان مأكول اللحم.
وبنقص ثلثي العصير بالغليان ولو بالشمس والهواء الحار حيث يكون
غليانه بهما إذ التطهير تابع للتنجيس في تسبيبه.
ونزح البئر إذا تغير بالنجاسة حتى يزول التغيير أو نزح جميعه
فيما ينزح جميعه أو بأحدهما على تقدير التخيير.
وزوال العين من البواطن كالعين والأنف والفم وصماخ الأذن
والإحليل وفرج المرأة ، والحيوان من غير الانسان وإن لم يغب أما مع
الغيبة فلا اشكال حيث لا يوجد الأثر عند الملاقاة، وليس الدبغ
عندنا مطهراً.
البحث
الثالث: في الأحكام والفروع:
وفيه مقامات :
المقام الأول :
تجب وجوباً غيرياً ازالة النجاسة عن الثوب والبدن للعبادات
المشترطة صحتها بذلك كالصلاة مطلقاً والطواف الواجب ودخول المساجد
مع التعدي لا مطلقاً، وعن الأواني لاستعمالها في ما يجب كالطهارة
بمائها، وكالأكل الواجب، وعن المصاحف ، والضرائح المقدسة ،
والمشاهد ، والوجوب فيها نفسي ، ولا يستقر الوجوب إلا مع استقرار
سببه وعدم غير النجس.
والواجب الاتقاء، ثم إن كان بدناً أو إناءًا أو شبهه فالصب
عليه كاف بعد زوال العين، وإن كان ثوباً يمكن عصره وجب لاخراج ماء
الغسالة بعد غسله المقرر، واتباع كل غسلة بعصر هو المطهّر بيقين
سواء كانت شطراً أو شرطاً، وهذا في غير الجاري والكثير.
ويجب في البول مرتان والأحوط اعتبار الثلاث في المني حيث يغسل
في القليل.
ويجب في الإناء من ولوغ الكلب غسله أول مرة بالتراب ثم مرتين
بالماء ثم التجفيف بعدهما أحوط.
وليكن الماء والتراب طاهرين وإلا تنجسا بملاقاة المطهّر، ومع
تعذر التراب يقتصر على الماء، وإن عفره بما يشابه التراب من
الأشنان كان أحوط، ويجب بالتراب ولو أورثه فساداً وإلا بقي على
النجاسة.
ويستحب في الكلب السبع أولاهنّ بالتراب، وفي الفأرة والخنزير
والخمر التثليث سوى الوسط فلا بد من السبع لصحة المستند، والسبع في
الأول والأخير مستحب.
وفي ما سوى هذه من المتنجسات بسائر النجاسات يكفي مطلق الغسل
في الراكد والجاري، ويسقط التعدد إلا على سبيل الاستحباب أو عند
توقف النقاء والإزالة عليه.
ولا يجب مزج التراب في ولوغ الكلب بالماء، ولا يتكرر بتكرر
الولوغ اتحد الكلب أو تعدد، وكذلك الخنزير، ولو ولغ في أثناء
التطهير استؤنف، ولو تنجّس بالولوغين فالسبع بالماء بعد التراب،
بخلاف نجاسة أخرى مع ولوغ الكلب فإنها تتداخل، وكذلك تتداخل
النجاسة الأخرى مع نجاسة الخنزير والفأرة، وبتعدد الخنزير والفأرة
فالسبع كافية، ولو اجتمعتا فالأحوط التداخل.
وأما أواني الخمر فالقرع والخزف غير المغضور والخشب كلها قابلة
للتطهير منه كغيرها بعد الاستظهار، وإن كان اجتناب المزفت والنقير
والدباء والحنتم لمجيء النهي عن استعمالها بعد التطهير، وجعل نهيها
للكراهة كما هو المشهور قوي، وإن كان مثل الفرش والحشايا يصب الماء
على ظاهرها ولا يحتاج إلى النفاد للباطن، إلا أن يعلم بالسراية له،
فيصب عليها حتى يبرز من الجانب الثاني، ولا يجب الدق ولا التغميز
بدل العصر.
وينبغي غسل لبن الجارية عن الثوب والبدن ، وتنضح الأرض من جميع
جهاتها إذا كان الماء في الساقية مستنقعاً قليلاً ويتخوف أن تكون
السباع قد شربت منه ، وأراد الاغتسال منه أو الوضوء للصلاة فينضح
كفاً من خلفه وكفاً عن يمينه وكفاً عن يساره ، ووجه الحكمة في
الأرض خفي وكذلك في البدن إذا كان محلاً لذلك النضح كالأرض.
وترش كل نجاسة موهومة عند ملاقاتها مع يبسها لليابس حتى
الأرواث الطاهرة والأبوال، ولو شُرب نجساً فالأقوى وجوب استفراغه
إن أمكن، وكذا لو احتقن في جلده دم، أو جبر عظمه بعظم نجس العين،
أو خاط جرحه بخيط نجس حيث يمكن، ولو خيف الضرر سقط.
والرائحة واللون العسر الإزالة معفو عنهما كدم الحيض، وإن
استحب صبغه بالمشق، ولو اشتبه النجس بغيره غُسِلا اتحد الثوب أو
تعدد ، ولو كان في غير محصور سقط.
وتطهر الأرض بالغيث إذا جرى ، وبالجاري ، والزائد على الكر
بيقين، وبالراكد القليل إذا غلب على النجاسة وأزالها، وبالشمس كما
تقدم، وبردمها بالطاهر، وبكشط النجاسة عنها حتى في أرض المساجد
لصيرورة النجسة من البواطن عند القاء التراب عليها.
ولا يطهر الصقيل كالسيف والمرآة بالإزالة بغير التطهير، ولو
غسل بعض الثوب طهر ما غسله ولا سراية، ويكفي في بول الرضيع الصب
إذا لم يتغذّ بالطعام.
ولا تطهر المتنجسات بالمضاف، ولا بسائر المائعات غير الماء حيث
يكون التطهير بالغسل، وما لا يمكن نقل الماء عنه إلا إذا ضرب
بالكثير حتى تخلله الماء.
ويشترط في الطهارة الخبثية ورود الماء على النجاسة فلو عكس نجس
الماء القليل ولم تطهر إلا في تطهير الأواني فإنه تكفي الملاقاة ثم
الإفراغ.
ويسقط الغسل الواجب فيما عفي عنه من النجاسات، مثل الدماء غير
الثلاثة وإن خالطه مائع آخر إذا نقص عن الدرهم البغلي سعة في غير
البدن، وفي البدن إذا كان قدر الحمّصة فما دونها من دم الإنسان
نفسه، أو كان دم جرح أو قرح لا يرقى ولا يبرأ ظاهرة أو باطنة،
والأحوط غسل الثوب في اليوم مرة أو مرتين.
والمتفرق من الدم ولم يبلغ قدر الدرهم معفو عنه وإن تفاحش،
ويستحب غسله اذا كان مسفوحاً، ولو نفذ الدم في الرقيق فواحد وفي
الغليظ اثنان، وعن كل دم لا يرقى أو تتعذر إزالته لعدم المطهر.
وعفي أيضاً عن المربية للمولود إذا لم يكن لها إلا ثوب واحد
إذا غسلته في اليوم والليلة مرة، ويستحب جعلها آخر النهار أمام
الظهرين لتتفق لها الصلاة مع الطهارة فيهما ، وفي المغرب والعشاء
لتقاربها، ولا يعفى عن غير بول الصبي من النجاسات.
ولو وجدت المربية ثوباً طاهراً ولو بأجرة مقدورة لها وجب
تحصيله واستعماله وانتفى العفو، ولو وجده صاحب الجروح والقروح لم
يجب لعموم العفو، وكذا لو أمكن التطهير، وإن كان الإبدال أحوط،
ويستحب غسل الثوب مع تفاحش التفرق.
وعفي أيضاً عن نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه وحده كالتكة والجورب
والخف والقلنسوة والنعل والزنار والخاتم وحلي النساء والسيور
والعمامة، وكذا ما صحبه ولا يعتبر كونها ملابس، ولا كونها في
محالها وكذلك القارورة المضمومة والدبة من جلد ميت، وفارة المسك،
ولا بأس بالصلاة فيها إذا كانت ذكية ولو بوجودها في أيدي المسلمين
أو في أسواقها.
وتجوز الصلاة في أثواب الصبيان والمتهم ومن لا يتوقّى النجاسة
على كراهة ، وثياب شارب الخمر ، والقصابين والمجوس وأهل الكتاب بل
المشركين بدون غسل مالم تعلم النجاسة، لكن يستحب غسلها، وظن
النجاسة غير مضر ولو استند إلى شهادة عدل، أما شهادة العدلين
وإخبار المالك فيجب لهما القبول وإن لم يبين السبب ولم يثمر العلم.
المقام
الثاني :
لو صلّى مع النجاسة غير المعفو عنها عالماً عامداً مختاراً
أعاد مطلقاً، ولو نسي فالأقرب استحباب الإعادة وقتاً وخارجاً،
والجاهل لا يعيد مطلقاً، وتستحب الإعادة في الوقت.
وجاهل الحكم لا يعذر، ولو علمها في الأثناء وتبين سبقها بنى
على حكم الجاهل بالنجاسة، والأقرب إزالتها أو الإبدال إن أمكن ولم
يفتقر إلى فعل كثير، وإلا استأنف مع سعة الوقت واستمر مع ضيقه، ومع
عدم العلم بسبقها لا يُعيد مطلقاً بل يزيلها مع الإمكان ولو بالقطع
، وإن نقصت قيمته به مالم يتضرر بذلك فيصلي فيه، ولو لم يجد إلا
ثوباً نجساً ولم يمكن ازالة النجاسة عنه وكانت هناك ضرورة صلّى فيه
وجوباً ولا اعادة، ولو انتفت الضرورة تخيّر بين الصلاة فيه أو
عارياً والأول أفضل .
والمشتبه بالنجس المحصور وتعذّر الطاهر بيقين زاد في عدد
الصلوات على عدد النجس بواحد مع سعة الوقت، ومع الضيق يُصلي فيما
يحتمل الوقت أو عارياً صلاة واحدة، ولو كان بغير محصور حكم
بالطهارة وصلى فيما شاء.
وإذا صلّى في المشتبهين فليصل الواحدة في كل واحد ثم يصلي
الأخرى كذلك، ولو صلاهما في واحد ثم صلّى في الآخر فالأقرب عدم
الإجزاء، ولو صلّى الأولى في ثوب منهما والثانية في الآخر ثم
الأولى فيه ثم الثانية في الأول صحت الصلاة في الأول لا غير لإمكان
طهارة الثاني، وإذا كانت الصلاتان لا ترتيب بينهما صحّتا معاً ولو
لبس الثوبين وصلّى فيهما معاً كانت باطلة، ولو غسل أحدهما وصلّى
فيه وحده صحّت قطعاً.
المقام الثالث: في أحكام الآنية
:
المتخذة من الذهب والفضة وغيرهما ، ويحرم استعمالهما إن اتخذت
منهما على سبيل الإنفراد أو الإجتماع في أكل وشرب ووضوء وغسل وجميع
الاستعمالات بل يحرم اتخاذها بغير الاستعمال لأنها {متاع الذين لا
يوقنون}، ولا فرق بين الرجل والمرأة، أما المذهبة فحرام ، والمفضضة
مكروهة غير أنه يجب اجتناب موضع الفضة.
ولو تطهر من آنية الذهب أو الفضة أو صب بهما أو جعلهما مصبّاً
لماء الطهارة صحّت وإن فعل حراماً لخروجها عن حقيقة الطهارة،
والمتخذ من هذين في غير الآنية والظروف موضع خلاف، والأحوط
الإجتناب، أما المذهب والمفضض من غيرها فيجوز على كراهة إلا في
المرآة والسيف والقضيب واللجام، ولا يُحرم تمكين الصبي من الحلي من
الذهب، ولا بأس بتحلية المصاحف.
ويجوز اتخاذها من الجلود، ويشترط طهارة الحيوان والتذكية، وفي
اشتراط الدبغ في غير المأكول كلام أقربه عدم الإشتراط نعم يستحب.
ولا يشترط طهارة ما يدبغ به ، وإن وجب غسل ما دبّغ بالنجس
بعده، وكذا لا يجب قصد الدبغ فلو وقع في المدبغة طهر مع التأثير.
والمتخذ من حيوان البحر مما لا نفس له سائلة طاهر سواء كان
حيّاً أو ميتاً وكذا من عظام الحيوان الطاهر.
والمتخذ من سائر الأشياء يشترط طهارته ، ويجوز استعماله وإن
كان من الجواهر الغالية النفيسة، وأواني المشركين وأهل الذمّة
الأصل طهارتها كسائر ما بأيديهم حتى تتيقن النجاسة، ومتخذ الإناء
من جلد الميتة يُحرم عليه ما باشره من المائع إلا إذا كان الملاقي
له من الماء مما لم ينجس بالملاقاة كالكثير والجاري وتصح الطهارة
منه حينئذٍ.
الطرف الخامس : في أحكــام المــياه
وهو مشتمل على مباحث ثلاثة:
البحث الأول: في المطلق :
وهو المنساق اليه الفهم عند اطلاق اللفظ المستغني عن القرائن
الممتنع عنه السلب، وهو الطاهر في نفسه المطهّر لغيره من الحدث
والخبث من أصل الخلقة وإن مازجه طاهر لا يخرجه عن اسمه، وإن تغير
وصفه نعم تكره الطهارة به لو كان آجناً، ولو أخرجه عن الإسم فمضاف
ولو لاقته نجاسة فأقسامه ثلاثة:
( الأول ) الجاري
:
وهو النابع عن مادة غير البئر، ولا ينجس مثله إلا بالغلبة على
أحد أوصافه الثلاثة: اللون والطعم والرائحة، ولو عرض التغيير لبعضه
اختص بالتنجيس دون ما فوقه مطلقاً وما تحته كذلك إلا إذا استوعب
التغيير عمود الماء ولم يكن كرّاً فصاعداً.
وماء المطر نازلاً كالجاري، وكذا ماء الحمام المتصل بالمادة
قليلاً كان أو كثيراً، ولو كان الجاري بلا مادة فهو راكد ينجس
بملاقاة النجاسة عند نقصه عن الكر.
وطهر الأول بالتدافع حتى يزول التغيير، وكذلك فيما كان بمنزلته
كماء الحمام، وأما غيره من المياه فليس قابلاً للتطهير، إلا إذا
اتصل به الجاري، أو الكثير المستهلك فيه، وكذلك ماء المطر.
والمعتبر في التغيير المحسوس لا المقدّر، إلا أن يكون مشتملاً
على صفة تمنع من ظهور التغيير فيُعتبر التقدير، والجرية حكمها حكم
النهر وإن نقصت عن الكر ومرت على النجاسة القائمة ما دامت متصلة.
( الثاني ) الواقف :
وما كان منه كراً قدره وزناً ألف ومائتا رطل بالعراقي، والرطل
وزن مائة وثلاثين درهماً، وبالمساحة سبعة وعشرون شبراً ناشئة من
ضرب أبعاده الثلاثة بعضها في بعض، وما زاد على ذلك كما ورد به
الدليل على جهة الإستحباب.
وهذا لا ينجس إلا بالتغيير في أحد أوصافه الثلاثة كالجاري، ولا
فرق بين أن يكون في الآنية والحياض والغدران وغيرها ، ولو تغيّر
بعضه اختص التنجيس بالمتغيّر، ثم إن كان الباقي كرّاً طهر بتموجه
وزوال التغيير وإلا نجس بالملاقاة لكونه دون الكر.
وما ينقص عن الكر ينجس بالملاقاة مع علو النجاسة ومساواتها
وإلا فلا.
وما لايدركه الطرف من الدم إذا تحققت ملاقاته كان كسائر
النجاسات، ولا يغتفر نقص شيء من الوزن أو المساحة وإن قلّ .
ولا يطهر المتنجّس من القليل إلا باستهلاكه في الكثير أو
الجاري وما جرى مجراه لا مجرد الإتصال، ولو وجد نجاسة في الكر وشكّ
في سبقها عليه فالأصل الطهارة، ولو شك في البلوغ فالنجاسة، ولو أخذ
ماءآً من الكثير وفيه نجاسة قائمة غير مغيرة له فنقص بها فالمأخوذ
طاهر وباطن الإناء والباقي نجس، أما لو كانت مستهلكة فالجميع طاهر.
( الثالث ) ماء البئر :
وهو الذي يُقال عليه هذا الإسم في العرف العام، وهو كالجاري لا
ينجسه إلا التغيير إلا أنّ له أحكاماً وخواص فارق الجاري بها حيث
لا يطهره إلا النزح الموجب لزوال التغيير أو بنزح جميعه، وأمّا
بدون التغيير فهو طاهر مطهر، وأخبار نزحه المقدّر وغير المقدّر
محمولة على النزاهة ودفع النفرة ، ويرشد إليها اختلاف الأخبار في
النجاسة الواحدة والأمر به مع ميتة غير ذي النفس وملاقاة بدن الجنب
المنفك عن النجاسة.
وحيث يجب نزحه أجمع بتغييره ببعض النجاسات ويتعذّر يجب التراوح
عليه اثنين اثنين من الغداة إلى الغروب ثم يُستعمل بعد ذلك، وليكن
النازحون له رجالاً اثنين اثنين، ويُعتبر في الدلو المعتادة عليه ،
ويستحب أن تكون تسعة وثلاثين رطلاً.
ويسقط النزح بغور الماء، ولو عاد فهو طاهر، ويعفى عن المتساقط
وعن جوانب البئر وعن حمأة البئر وما أصاب المانح والمائح، ولو زال
تغيّرها من نفسها فهو كالباقي في نزح الجميع أو ما كان يزيل
التغيير لو دام، ولو تغيّرت بالجيفة حكم بالنجاسة من حين التغيير.
ولا يطهر الماء بزوال تغييره من قبل نفسه، ولا بتصفيق الريح،
ولا بإتصال أجسام طاهرة تزيل عنه التغيير، وحيث أن المدار على
التغيير في نجاسة ماء البئر تداخلت النجاسة في النزح سواء تماثلت
أو اختلفت، ولا يكفي اخراج الدلاء بإناء كبير دفعة واحدة، والنية
غير معتبرة ، ويصح من الصبي والساهي والجاهل بالنجاسة في غير
التراوح.
البحث الثاني: في المضاف والأسار
:
والأول عبارة عن الماء الذي لا يقال عليه الماء إلا بقيد، وهو
مقابل المطلق كمياه الأنوار ، وعصارة الأشجار ، وما مزج بالأجسام
حتى سلبه الإطلاق كماء العجين والزعفران، وهو في نفسه طاهر غير
مطهر من الحدث والخبث اختياراً واضطراراً.
ويتنجّس بملاقاة النجاسة وإن كثر، ولا يطهر بعد تنجّسه إلا
بغلبة الماء المطلق عليه بحيث يكون ماءاً مطلقاً فلا يكفي ملاقاته
للكر إذا بقي اسمه، وإذا نجس لم يجز استعماله.
وأما السؤر فهو عبارة عن ماء قليل باشره فم حيوان، وربّما
يُقال على ما باشره جسمه، وهو تابع للحيوان في الطهارة والنجاسة
لاالكراهة ، نعم يكره سؤر مالا يؤكل لحمه كالجلال وسؤر آكل الجيف
مع خلوّه من النجاسة والحائض المتهمة ، وكذلك المرأة الجنب إذا لم
تكن مأمونة، وسؤر الفأرة والحيّة وما مات فيه العقرب والوزغ.
البحث الثالث: في الأحكام والفروع
:
يُحرم استعمال الماء بعد تنجسه ولو بالملاقاة في الطهارة
الحدثيّة وإزالة النجاسة الخبثية، بل في جميع الإستعمالات إلا في
الضرورة الشرعية وإذا أوجبته التقية أو لحصول العفو، فيعيد الصلاة
لو صلّى بطهارة منه عمداً كان أو نسياناً أو جهلاً في الوقت
وخارجه، وأمّا ما أزال به النجاسة فحكمه حكم الصلاة في الثوب
النجس، ويجوز سقي الحيوان منه على كراهة لا الأطفال، وكذا يجوز أن
يُسقى به الشجر والزرع.
وماء الغسالة من أي نجاسة كانت حيث تكون واردة على المحل ولم
تتغيّر بالنجاسة الأظهر طهارتها سواء كان في الأولى أو الثانية أو
ثالثة الولوغ أو سبع الخنزير ، وكذلك ماء الإستنجاء مالم يتلوّث
بالنجاسة أو تلاقيه نجاسة من خارج من غير فرق بين المتعدي وغيره.
والمستعمل في رفع الحدث الأصغر طاهر طهور ، وكذا في الأغسال
المندوبة، وفي الحدث الأكبر وفي الخبثيّة غير الإستنجاء أو مطلقاً
طاهر غير مطهر، أما غسالة الميت فنجسة بالاتفاق والنصوص.
وتكره بالشمس في الآنية وإن كان جوهرها صافياً أو في قطر بارد
قصد تشميسه أم لا، وكذا يكره تغسيل الأموات بالمسخن بالنار إلا أن
يخاف الغاسل على نفسه أو على الميت لو كان حياً فيوقيه ما يوقي
نفسه، وماء البحر كغيره، ولا تكره الطهارة من ماء زمزم من الخبث
ولا بماء الميزاب ولا بالفرات.
ولا ينجس القليل بموت الحيوان غير ذي النفس فيه، ولو شك في
نجاسته لم يلتفت لأصالة الطهارة، أما لو كان بالعكس فالعكس لوجوب
البناء على اليقين السابق وإلغاء الشك اللاحق، ولو شك في نجاسة
الواقع استصحب الطهارة، ولو بلغ المستعمل في الكبرى كراً لم يزل
المنع بخلاف ما لو ارتمس ابتداءاً فيه وفي الجاري.
وغسالة الحمام ممنوعة الإستعمال إلا مع العلم بخلوّها عن
النجاسة فإن فيها غسّالة اليهودي والنصراني وولد الزنا والجنابة من
الحرام.
وحيث تكون البالوعة إلى جنب البئر فهو باق على التطهير حتى
تتصل نجاستها به ويقع التغيير، نعم يستحب تباعده عن البالوعة بخمس
أذرع مع صلابة الأرض أو فوقيّة البئر وإلا فسبع، والأحوط اعتبار
اثني عشر ذراعاً مع رخاوة الأرض وتحتية البئر وإلا فسبع.
ولو تمم المطلق بالمضاف وبقي الإطلاق وجبت الطهارة به وإزالة
النجاسة، ويتخير بينه وبين المطلق المحض، ولا يجب المزج لو فقد
غيره.
ويعتبر في حيوان الماء النفس السائلة كالبري، ولو اشتبه موت
الصيد من ذي النفس في قليل الماء اجتنبه لأصالة عدم الذكاة اللازمة
لنجاسة الماء، إلا أن يكون رأسه خارج الماء، ولا يصح القلب إذ
طهارة الماء لا تستلزم حل الصيد.
ولو أصاب الماء دمُه فلا بحث في نجاسته به، والجامد من الماء
كبقية الجامدات فلا ينجس بالملاقاة سوى ما اتصل بها، ولا تنفع
كثرته انفعال الملاقي، ولا تمنع أيضاً نجاسة قليل الماء المتصل به.
ولو نجس أحد الإنائين أو الأواني المحصورة حكم بنجاسة الجميع ،
ولو انحصر الماء فيها انتقل إلى التيمم، ولو أصاب ماؤها طاهراً
تنجس لحكم الشارع عليها بالنجاسة، ولا يجزي التحرّي فيها إلا
للشرب، ولا تجب الإراقة قبل التيمم لكونه في حكم العدم، والأمر
بالإراقة الواقع في أخبارها كناية عن عدم الاستعمال، ولو استعملهما
مجتمعين أو منفردين لم تصح الطهارة لحكم الشارع بنجاستهما بخلاف
المطلق المشتبه بالمضاف.
ولو تعارضت البينتان في الإنائين على وجه لا يمكن التدفيق لعدم
المرجح كان كالإشتباه ويحتمل التساقط والحكم بطهارة الماء.
ولو امتزج المطلق بمضاف يساويه في الصفات كماء ورد مفقود
الرائحة فإن غلب أحدهما فالحكم له، وإن تساويا فالأحوط الإستعمال
واتباعه بالتيمم.
ولو عجن بالماء النجس لم يطهر بالخبز إلا أن يكون ماء البئر ،
وعليه يحمل ما دل على طهارته.
كتاب الصلاة
وهي لغة الدعاء، وعرّفوها شرعاً بتعريفات أحسنها هي: (الأفعال
المعهودة، والأذكار المحدودة، المفتتحة بالتكبير، والمنتهية
بالتسليم، تقرباً إلى الله تعالى).
وهي تنقسم إلى واجب ومندوب ومحرم ومكروه ولو بإنضمام ضميمة.
فالواجبات سبع: الخمس اليومية ، والجمعة عند استكمال شرائطها
الآتية، فهي إحدى الخمس في يوم الجمعة، والعيدان، والآيات،
والجنازة، والطواف المفروض، والمنذورة وشبهها، أما القضاء وصلاة
الإحتياط فتابعان لأحد الأقسام.
فاليومية الظهر، والعصر، والعشاء وهي أربع ركعات حضراً وركعتان
سفراً وخوفاً، والصبح ركعتان، والمغرب ثلاث حضراً وسفراً وخوفاً،
والوسطى منها هي الظهر في سائر الأيام ، والجمعة في يومها، ولا
يكره تسمية العشاء بالعتمة، ولا الصبح بالفجر لشهادة الأخبار بذلك،
والمحرّم صلاة الضحى.
والمندوب إما راتبة أو غيرها، والراتبة ثمان للظهر قبلها، ومثلها
للعصر كذلك، وأربع للمغرب بعدها، وركعتان من جلوس للعشاء الآخرة
بعدها، وثمان صلاة الليل، وركعتا الشفع ومفردة الوتر، وركعتا الفجر
قبل صلاة الغداة.
وفي السفر تسقط منها نوافل المقصورات حتى الوتيرة على الأحوط.
وكل النوافل مثنى مثنى بتشهد وتسليم إلا مفردة الوتر، وبعض النوافل
المذكورة في الغفيلات، وصلاة الاعرابي، ولا تنعقد الزائدة على
ركعتين ولو نذرها ، ولا الركعة أيضاً، وستأتي بقية الصلوات ، وبيان
مواضع الكراهة إنشاء الله تعالى.
والنظر في مقدماتها ومقاصدها،والأول منها في المقدمات حيث أنها
شرائط في صحتها، وهي بالإستقراء الشرعي ستة:
الأولى : في المواقيت
وفيها بحثان
البحث الأول: في تقديرها
فوقت الظهر أوله زوال الشمس، المعلوم شرعاً بزيادة الظل بعد نقصه،
أو حدوثه بعد عدمه كما في بعض البلدان التي تسامت الشمس فيها رؤوس
أهلها في أحد الميلين، كمكة وصنعاء والمدينة في بعض الأزمنة، وبميل
الشمس إلى الحاجب الأيمن لجاعل الجدي على منكبه الأيمن، فإذا مضى
قدر أدائها دخل وقت العصر، ثم يشترك الوقتان إلى أن يبقى قبل
الغروب قدر العصر تامّة أو مقصورة فتختص به ثم يدخل وقت المغرب
وستجيء علامته، وتختص بقدر أدائها ثم تشترك مع العشاء إلى أن يبقى
إلى انتصاف الليل قدر العشاء فتختص به.
ويعلم الغروب بذهاب الحمرة المشرقية، لا بمجرد استتار القرص فإنه
غير مجز إلا في حال التقية، ولا يتوقف على ظهور ثلاثة أنجم ولا على
ظهور نجمين.
وأول وقت الصبح طلوع الفجر الثاني المستطير في الأفق إلى طلوع
الشمس وهو بروز قرصها من الأفق.
هذا وقت الإجزاء، وأمّا وقت الإختيار والفضيلة فالظهر بصيرورة الظل
مثل الشخص وقامته زيادة على ما زالت عليه الشمس، وللعصر مثلا قامة
الشخص، وللمغرب غيبوبة الشفق المغربي، وللعشاء ثلث الليل، وللصبح
طلوع الحمرة، وأهل الأعذار يدركون الفضيلة وإن أخروا وغيرهم يدرك
الأدنى.
وتدخل نافلة الظهر بدخول الظهر وتنتهي بالقدمين الزائدين على مقدار
الزوال، ونافلة العصر بدخول العصر إلى أربعة عبارة عن الذراعين
المعبّر بهما في الأخبار، وليس وقت النافلة تابعاً لإختياري
الفريضة.
ونافلة المغرب بعد الفراغ منها إلى ذهاب الحمرة المغربية وهو الشفق
المغربي المعروف، والوتيرة تمتد بوقت العشاء، ويختم بها النوافل
استحباباً.
والليلية من انتصاف الليل إلى طلوع الفجر ، وكلما قربت منه كان
أفضل، وركعتان للفجر بعد الفراغ من الوتر إلى طلوع الفجر الصادق ،
وتأخيرها إلى الفجر الأول أفضل، ومنتهى وقتها ماذكرناه لا ظهور
الحمرة المشرقية ، وكلما دلّ عليها من الأخبار فهو تقيّة.
ويكره إبتداء النوافل وهي غير الراتبة وذات السبب عند طلوع الشمس
وغروبها، وقيامها في دائرة نصف النهار إلى الزوال، ويستثنى من ذلك
يوم الجمعة في نافلتها، وبعد صلاة الصبح والعصر ،ولا فرق بين سائر
البلدان وبين مكة.
وليس اعادة المصلي منفرداً إذا وجد جماعة من النوافل المبتدأة بل
هي كذات السبب فلا تكره في هذه الأوقات الخمسة.
البحث الثاني:
في الأحكام والفروع المتفرعة على أحكام المواقيت
فتجب الصلاة لأول الوقت وجوباً موسعاً فمؤخرها لظن البقاء غير
مأثوم وإن لم يحصل الفضل، وإن مات فإن العزم يقوم مقام العمل إلى
أن يضيق أو يحصل ظنّ الوفاة بإمارات دالة عليه.
ويستحب استحباباً مؤكداً التعجيل في أوله حتى في العصر، نعم الأفضل
تأخير العشاء إلى ذهاب الشفق المغربي، وللمنتفل في الظهرين إلى
الذراع والذراعين، والمستحاضة للجمع، وكذلك صاحب السلس، والمفيض من
عرفة ناسكاً يؤخر العشائين إلى المزدلفة ، ولو ذهب ربع الليل و
ثلثه، والصائم إذا توقعه غيره للإفطار معه أو نازعته نفسه،
وللإبراد بالظهر في شدة الحر، ولإنتظار الجماعة إماماً كان أو
مأموماً مالم يطل الزمان، وفي نافلة الليل ونافلة الصبح إلى ماقرب
من الفجر.
وبقيت هنا مواضع كثيرة تشعر بأرجحية التأخير إلا أن أكثرها ضعيف
المستند ومن هنا تركنا ذكرها وقد ذكرناها في كتابنا الكبير الموسوم
بالرواشح.
ولا يجوز التقديم على الوقت إلا في نافلة الليل للمسافر والشاب
والمرأة وشبهها من أهل الأعذار إلا أن القضاء أفضل، وكذا في نافلتي
الظهرين يوم الجمعة فإنها تصلّى قبل الزوال.
ويستقر الوجوب للمكلف بمضي قدر الطهارة وأداء الفريضة، فلو حصل
المانع بعده كالحيض والنفاس والمرض الغالب وجب القضاء بعد التفريط
السابق.
ولو أدرك الصبي وأفاق المجنون وطهرت الحائض والنفساء وأسلم الكافر
وأفاق المغمى عليه آخر الوقت وتمكن من فعل ركعة بعد الطهارة وجب
الأداء فإن أخلّ فالقضاء، ولو أدرك خمساً في الظهرين والعشائين
وجبتا معاً ، والأربع بحالها للعصر، وإن صلّى الظهر في ثلاث منها
فلا يجب عشاءان بأربع لانفراد العشاء بها.
فلو ظن الضيق في الوقت وجب عليه المبادرة لأن المرء متعبد بظنّه،
فإن أخر عصى فإن ظهرت السعة والوقت باق فأداء، ولو نوى القضاء بظنّ
الخروج فتبين العكس أجزأ مع خروج الوقت وأعاد مع بقائه ، ولو ظنّ
البقاء فنوى الأداء فكذب ظنّه أجزأ ، ولو كان عليه فائتة سابقة إلا
أن ينكشف الحال وهو في الصلاة فيجب العدول مادام ممكناً.
ولا يكفي الصبي ما فعله لو بلغ في أثناء الوقت، ولا يعتد بطهارته
السابقة على الأحوط، ولو بلغ في الأثناء بغير الحدث أبطلها مع بقاء
الوقت لركعة والطهارة وإلا بنى على نافلته، ويعيد المصلّي لما
صلاها قبل الوقت عامداً وإن كان دخل عليه وهو في أثنائها، والظان
والناسي إلا أن يصادف شيئاً من الوقت.
ويجب على المكلّف في الدخول في المؤقتة معرفة الوقت ومراعاته مع
التمكن، فلو أوقعها بغير مراعاة بطلت إلا مع حصول اليقين، ولغير
العارف بالوقت الإعتماد على المؤذنين العدول، والثقات ولو من
العامّة إذا كان لا يؤذن إلا بوقت ، وكذلك المخبر بالوقت مع
العدالة.
ولو شك في الوقت أخرّ حتى يعلم أو يظن حيث لا يتأتّى له العلم
كحالة الغيوم المانعة.
ويجب له الإجتهاد حيث يمكن، والصلاة مع الشك كالصلاة قبل الوقت
فاسدة وإن صادفت الوقت، ولو قلّد للعذر فظهر الخطأ أعاد إلا أن
يصادف جزءاً من الوقت، ولو كان المخبر بالخطأ عن اجتهاد فلا التفات
لأنه إنما تجب الإعادة إذا تبيّن الخطأ عن علم لا عن اجتهاد لأنه
مقابلة ظن بظن.
وكل من أدرك ركعة من الوقت فهو مؤدّ، واذا استشعر ضيقه وجب
الإقتصار على واجباتها، فإن ضاق عن السورة ولو على القول بوجوبها
تركها، وكذا يخفف النافلة المؤقتة إذا تضيّق وقتها.
ويكفي ادراك ركعة من نافلة الظهرين في المزاحمة بها ، وينوي بها
الأداء، وفي صلاة الليل أربع ركعات ، ولا مزاحمة بنافلة المغرب ولا
بنافلة الصبح إلا مع صلاة الليل.
ولا يجوز أن ينتفل في أوقات الفرائض المختصة بها إلا عند المزاحمة،
وكذا من في ذمته قضاء فريضة فلا ينتفل حتى يقضي الفريضة إلا إذا
فاتتا معاً وكان مأموماً منتظراً لصلاة الإمام أو تكون من ذوات
المزاحمة بالأسباب المتقدمة.
ووقت قضاء الفائتة من الفرائض الذكر لها، ويجب تقديمها على الحاضرة
حتى يتضيق وقتها، واحدة كانت أو متعددة من يومها كانت أو غير يومها
ناسياً كان أو عامداً، فلو تلبّس بحاضرة فذكر الفائتة وجب العدول
مادام في محله.
ويستحب قضاء فائتة النافلة، ولا يُراعى في وقتها المماثلة، بل يقضي
الليلية بالنهار وبالعكس، وربما كان هذا افضل لأنه من سر الله
المكنون.
وترتب الفرائض أداءاً وقضاءاً، وحيث يفقد الترتيب يجب العدول في
الأثناء إن أمكن وإلا وجبت الإعادة حيث تقع الثانية في وقت الأولى
المختص بها إذ لا اشتراك لأول ولا آخر، وما دلّ على الإشتراك أولاً
وآخراً فالمراد منه ما يعم إختصاص الأول والأخير حيث لا تمايز في
أجزاء الوقت، ويستحب الترتيب في قضاء النوافل.
المقدمة الثانية : في أحكام القبلة
ومباحثها ثلاثة
البحث الأول :
تجب معرفتها لشرطية التوجه إليها في الصلاة الواجبة مع القدرة،
وتجب في أمور غيرها كالذبح، واحتضار الميت ودفنه، وفي صلاة النافلة
للمستقر خلاف أقربه الوجوب الشرطي.
ويسقط الإستقبال في الفريضة عند تعذره كشدة الخوف والمضطر إلى
الصلاة ماشياً أو راكباً، ويستقبل مهما أمكن ولو بتكبيرة الاحرام.
والمنتفل على الراحلة قبلته حيث ما توجّهت به ، ولو عدل عنه
جاز، وكذلك المصلي في السفينة يصلي إلى صدرها، والإستقبال في هذه
الحالات ولو بالتكبير أفضل حيث يمكن إلا أن الصلاة على الأرض أفضل،
ويومئ إلى الركوع والسجود عند تعذرهما ولو في الفريضة، ويجعل
السجود أخفض من الركوع، ويجوز إتمام الصلاة على الراحلة وبالعكس
على الأرض ما لم يكن بينهما فاصل كثير فعلاً أو زماناً ، ويجوز
النفل للماشي اختياراً.
وصلاة الجنازة كاليومية في الإستقبال، والمنذورة وشبهها تابعة
لأصلها قبل النذر.
البحث الثاني: في الاستقبال
وهو إلى عين الكعبة من تخوم الأرض إلى عنان السماء للمشاهد ومن
بحكمه ، فيجتزئ بأي الأجزاء منها شاء، وله الإنتقال في الأثناء إلى
البعض الآخر مالم يؤد إلى الكثرة.
والمصلّي فوقها أو في بطنها مخيّر بين أن يبرز شيئاً منها بين
يديه أو يصلي مستلقياً على قفاه مستقبلاً للبيت المعمور، ولو صلّى
إلى بابها مفتوحاً وإن لم تكن هناك عتبة جاز، ولا تجوز الصلاة في
جوفها اختياراً ، وتستحب النافلة، ولو انحرف ببعض بدنه عنها لم
يجز.
ولو طال الصف فخرج بعضه عن السمت بطل، بخلاف الصلاة في الآفاق
البعيدة، ولو صلّوا جماعة حولها جاز لهم الإستدارة، وينبغي أن لا
يكون المأموم إليها أقرب من الإمام.
وأهل الآفاق وهم غير المشاهد يتوجّهون إلى الجهة لا إلى الحرم،
وكذا أهل الحرم لا إلى المسجد ، والأخبار الناطقة بذلك محمولة على
الجهة أيضاً ، وما ذكر علامة لها أو محمول على التقية.
ويتوجّه أهل كل صقع إلى سمتهم وركنهم فعلامة العراق وسمتهم
التوسط بين المشرق والمغرب الإعتداليين، وجعل الجدي طالعاً بحذاء
المنكب الأيمن أو خلفه، وعين الشمس عند زوالها على طرف الحاجب
الأيمن مما يلي الأنف.
والشامي يجعل الجدي طالعاً خلف المنكب الأيسر وسهيل عند طلوعه
بين العينين وعند مغيبه على العين اليمنى، وبنات نعش عند غيبوبتها
ونهاية انحطاطها خلف الأذن اليمنى.
والمغربي علامته التوسط بين الثريا والعيوق وجعل الجدي على
صفحة خده الأيسر، واليمنى جعل الجدي طالعاً بين العينين وسهيل
غائباً بين الكتفين.
ويجوز الإعتماد على محاريب المسلمين وقبورهم إذا لم يعلم
الإنحراف ولو بالإجتهاد.
وقد يستدل بالرياح لكنّها علامة ضعيفة وكذا منازل القمر.
وينبغي التياسر لأهل العراق ليتمكّنوا من استقبال الحرم
والوجوب غير بعيد، ويجوز الإجتهاد في التيامن والتياسر في قبلة
المساجد إلا في مسجده صلى الله عليه وآله في المدينة ومحراب أمير
المؤمنين عليه السلام بالكوفة ، وكذلك كل محراب علم صلاة المعصوم
إليه ولم يعلم بتغيّره.
ويجب تعلم الإمارات الشرعية على الأعيان ، ويكفي غيرهم التقليد
لهم ، والواجب امارات بلده، ولو انتفل إلى أخرى وجبت عليه معرفة
علاماتها .
وفاقد الإمارات يصلي إلى أربع جهات استحباباً مع سعة الوقت،
وإلا فتكفيه أي الجهات شاء اختياراً، ومن لا يحسن الإمارات وجب
عليه التعلّم فإن تعذّر فحكمه التقليد للعارف بها وكذا فاقد البصر.
ولو تعذر الإجتهاد على العالم به جاز الرجوع إلى الغير وخصوصاً
المخبر عن علم، ولا يجب هنا الصلاة إلى أربع جهات، ولو اختلف
اجتهاده واخبار الغير عن علم عوّل على اجتهاده وإن أورثه التقليد
ظنّاً أقوى، ولا يجب تعدد الإجتهاد بتعدد الصلاة، إلا إذا عرض له
نسيان أو شك فيما سبق.
ويشترط في المقلد العدالة وإن كانت امرأة ، ولا يكفي الصبي،
ولو رجع الأعمى عند وجوب التقليد عليه إلى رأيه وجبت عليه إعادة
الصلاة وإن أصابها، ولو اختلف المقلدون رجع إلى الأعلم، فإن تساووا
فالأعدل، ومع المساواة فالتخيير، وعند فقد العدل يجزي المجهول
والفاسق مع صدقهما بل والكافر أيضاً.
ولو صلّى بالتقليد فأخبره آخر بالخطأ فإن كان المخبر عن اجتهاد
لم يلتفت إلا عند كونه في الأثناء والآخر أعلم أو أعدل فينحرف إلا
مع الخروج الكثير عن السمت فتجب الإعادة، ولو تساويا في هذه
المراتب أو شك في الرجحان استمر في صلاته وإن كان المخبر عن يقين
استدرك ما يجب استدراكه عليه.
ولو عمي المجتهد في الأثناء استمر ، ولو التبس عليه كان فرضه
التقليد، فإن تعذر ابطلها مع سعة الوقت واستمر مع الضيق كيف اتفق،
ولو أبصر الأعمى في الأثناء اجتهد فإن تعذر أو كان عامياً استمر،
وإن افتقر الإجتهاد إلى فعل كثير أو مناف استمر، ولو تيقن الخطأ
ولم يحصّل القبلة قطع مع سعة الوقت واجتهد أو قلّد مع تعذّر
الإجتهاد ، ومع ضيق الوقت يعدل إلى غير الخطأ مستأنفاً للصلاة إن
كان الإنحراف فاحشاً وإلا استقام إلى ما لا يعلم كونه خطأ.
والمصلّي إلى أربع الجهات لو تبين الخطأ وكان الإنحراف عنها
يسيراً أجزأت حتى لو استبان له ذلك قبل الإكمال للأربع ، وكذا لو
كان إلى جهتين أو ثلاث.
ولا يجب في الأربع انقسامها على خط مستقيم، بل تجزي الأربع كيف
اتفق، وتطرد الصلاة إلى الأربع عند القول بها في جميع الصلوات
الواجبة حتى في الجمعة والجنازة، أما احتضار الميت ودفنه والذبح
فلا.
ويجب الإجتهاد للمتخلّي مع جهل القبلة فراراً عن الحرام، ولا
اجتهاد بمكة في القبلة مع إمكان العلم لعدم إجزاء سواه، وكذا
الحرم.
البحث الثالث: في الأحكام والفروع المتفرعة على الاستقبال
لا شك أن الإستقبال في الصلاة الواجبة شرط مع القدرة عليه،
والإخلال به عمداً موجب للإعادة وقتاً وخارجاً سواء كان مستدبراً
أو غير مستدبر، أمّا الظان مع تعذّر العلم فعليه الإعادة في الوقت
دون خارجه، ولو إنحرف يسيراً فالصلاة صحيحة، والناسي ومن صلّى
لشبهة كالظان.
ويعول على محاريب أهل الكتاب إن علم منها سمت القبلة، وعلى
المستور مع عدم العدل لا على مجهول الإسلام أو الكفر، ولو كان في
دار الإسلام بنى على اسلامه عملاً بالظاهر، والمصلي في السفينة
السائرة يتعمّد القبلة ما أمكن ولو بتكبيرة الإحرام، ولا فرق بين
راكب البحر والنهر فيصلي وإن قدر على الساحل.
المقدمة الثالثة: في اللباس
وفيها مباحث أربعة
البحث الأول:
لا تجوز الصلاة في جلد الميتة، ولا قدر شسع نعل وإن دبغ سبعين
مرة، ولا في جلد غير المأكول أو صوفه أو شعره أو وبره أو ريشه وكل
شيء منه أصليّاً كالسباع أو عرضيّاً كالجلال، وموطوء الإنسان.
والمراد منه ما قبل التذكية من ذي النفس، فخرج الإنسان، وما لا
نفس له سائلة، وكذا ما أُعدّ طيباً كالمسك، والزباد، ونحوهما
لإستحباب الصلاة فيه.
وقد استثني أيضاً الخز والسنجاب لدلالة الأخبار الصحاح
عليهما، أما الفنك والسمور فداخلان في المنع.
ومذكّى الكافر وما في يده من الجلود في غير بلاد الإسلام
وأسواقهم ميتة إلا أن يعلم خلافه، ولو بالبينة الشرعيّة، وكذا ما
في دار الكفر من الجلود، إلا أن يعلم المسلم بعينه، وكذا المطروح
من الجلود في الدارين إلا مع قرينة خلافه، وفي الأخذ من مسلم يعلم
منه استحلال الميتة بالدباغ خلاف، والأقوى الكراهة إلا أن يخبر
بالذكاة فيصدق في ذلك، وكذا اذا جهل حاله بالإستحلال.
ولو علم منه استباحة ذباحة الكافر فالظاهر أنه كالعلم في
استحلال المدبوغ من الميتة، وأمّا الحكم فيه فالطهارة مطلقاً إلا
أن يخبر بخلافه.
ولو لم يعلم جنس الجلد والشعر فالأقوى المنع، وقيل بالجواز،
وكذا الخلاف في الحواصل الخوارزمية كما في الفنك والسمور إلا أن
روايات الجواز قد صدرت تقية.
ولا يجوز أيضاً في الحرير المحض للرجال والنساء والخناثى، وإن
جاز لبس المرأة له في غير الصلاة والإحرام، ولا يحل للرجال،
والخناثى إلا في الحرب، وعند الضرورة الشديدة كالبرد، ولداء القمل،
ولا بأس به للصبيان، ولا فرق بين كون الممنوع منه ساتراً للعورة أو
لا، ولا بين كون جلد الميتة مما لا تتم الصلاة فيه وحده أو لا، حتى
لو كان شسعاً من نعل، وكذا في الحرير على قول البعض والأقوى
الكراهة كالمشهور.
ويجوز الكف به ولا يقدر بقدر، وكذا يزر به الثوب ويطرز ويعلم،
وكذا افتراشه والقيام عليه ولو في الصلاة وإن كره، وكذا يكره في
الممتزج وإن غلب عليه الحرير مالم يستهلك فيه.
وكذا تحرم الصلاة في الذهب ولو كان خاتماً مموهاً على الرجال
والخناثى، وتستحب الصلاة فيه للنساء.
ويشترط في اللباس الحل ولو بالإذن والرخصة فيه من مالكه، فلا
يجوز في المغصوب ولو خيطاً، وتبطل الصلاة مع تعمده وعلمه بالغصب
وإن جهل الحكم أو نسيه ، ولو جهل الغصب صحت الصلاة وعليه أجرة
المثل ، وفي ناسي الغصب خلاف أقربه الصحة وأحوطه الإعادة وقتاً
وخارجاً.
ولو كان المغصوب من المعفو عن نجاسته من الملابس كالتكة
والخاتم ملبوساً، أو مستصحباً ففي البطلان كلام أقربه البطلان، ولو
لم يستصحبه جاز، ما لم يكن التصرّف فيه من لوازم الصلاة كالسجود
عليه والقيام فوقه.
وتجوز الصلاة فيه إن أذن المالك ولو للغاصب، ولو أذن مطلقاً
جاز لغير الغاصب لأنه غير داخل في الإذن كما هو الظاهر.
ولا تجوز في الثوب النجس الغير المعفو عنه، وقد تقدّم حكمه
مفصلاً إلا لضرورة البرد أو لإنحصار الساتر فيه ولم يمكن تطهيره،
وفي نعل خف ساتر لظاهر القدم بغير ساق على الأحوط كما هو الأشهر،
ولو نسي أو جهل فالمعذرة قريبة، والإحتياط مما لا يخفى ولو كان
جاهل الحكم لتحقق الخلاف فيه.
ولو علم به في الأثناء أو بالحرير أو بالمغصوب أو غير المأكول
ألقاه وأتم الصلاة في غيره، فإن تعذّر استبداله إلا بما ينافي
الصلاة فسدت صلاته مع سعة الوقت وإلا صلّى عارياً.
والميتة كالنجس في جميع أحكامه.
وتجوز الصلاة في جميع فضلات مأكول اللحم، وجلده وشعره ووبره
وكل شيء منه ما خلا منيه ودمه، وإذا أخذ شعره جزءاً صلّى فيه من
غير غسل وإن قلع غُسِل.
ولا فرق في الخز بين وبره وجلده، وذكاته كذكاة السمك، وهو
اخراجه من الماء حيّاً وموته خارج الماء، ولو غش بوبر الأرانب
والثعالب بطلت الصلاة فيه إلا لتقيّة وإن كان الخز أغلب، ولو مزج
بالإبر يسم جاز.
البحث الثاني: فيما تستحب فيه الصلاة من اللبس وما تكره
فيستحب في الثياب البيض من القطن، والعمامة ذات الحنك، وفي
السراويل لأن الصلاة فيها الركعة بأربع ركعات، وبغير الحنك مكروهة
بل قد حرمها البعض للنهي عن الصلاة فيها بدونه.
وتستحب في الرداء ويتأكد للإمام، وأن يكون اللباس ساتراً لجميع
جسده وأن تكون متعددة فإنها تصلي معه، وللمرأة والخنثى المشكل
ثلاثة أثواب درع وخمار وازار، وللرجل النعل العربي، ويكره في النعل
السندي، ويمكن استحباب النعل للمرأة لأنه أفضل موضع للقدمين.
ويكره في الرقيق العرفي الساتر، ولو حكى الحجم أو البشرة لم
يجز، وفي الثوب الذي تحت وبر الأرانب والثعالب أو فوقه، وما دلّ
على التحريم منزل على تغليظ الكراهة.
وفي الثياب السود، حتى القلنسوة، عدا العمامة، والكساء، والخف،
وفي المزعفر، والمعصفر، والأحمر المعندم للرجل، ويمكن التعميم
للنساء لإطلاق أدلتها، وفي ثوب المتهم والمتهمة بالنجاسة أو
بالغصب، وأن يتزر فوق القميص بخلاف العكس، وأن يشتمل الصماء وهو أن
يلتحف بالإزارويدخل تحت يده طرفيه ثمّ يجمعهما على منكب واحد،
وأمّا الإلتفاف بالإزار مسدولاً ولا يرفعه على كتفيه فهو السدل،
وهو أشد كراهة من إلتحاف الصماء لكونه شعار اليهود، وفي خاتم حديد،
وكذا استصحابه، وتخف الكراهة بستره، ومنه الحديد الصيني وإن كان
فيه اطلاق وكراهية إلا ان العمل على الثاني، وما دلّ على نجاسة
الحديد فالمراد به كراهة المسخ تغليظاً للكراهة، وفي ثوب فيه
تماثيل الحيوان لا الشمس والقمر والشجر، أو خاتم مصوّر لا ما فيه
صورة الهلال والقمر، وفي خلخال مصوت، أو معه دراهم ممثلة أو
متلثماً، والمرأة متنقبة إلا أن يمنع القراءة أو سماع الجهرية ،
وعند كون المرأة عطلاً من الحلي، وفي ثياب عملها أهل الذمّة
والمشركون قبل أن تُغسّل.
البحث الثالث: فيما يجب ستره من البدن
وهو العورة للرجل والمرأة، وهي في الرجل الفرجان والأنثيان،
وفي المرأة والخنثى جميع البدن إلا الوجه والكفين وظاهر القدمين،
وستر جميع جسدها أفضل، ومن الأمة ذلك إلا الرأس، وإن كان الأفضل
لها أن تتقنع فلا كقناع الحرّة، ومثلها الحرّة قبل البلوغ،
والمبعضة كالحرّة، ولو اعتقت في الأثناء وجب ستر رأسها فإن استلزم
فعلاً كثيراً بطلت، هذا مع سعة الوقت ومع ضيقه فالإتمام لا غير.
والصبية لو بلغت في الأثناء فكالأمة، والوجه استينافها إن بقي
ما تدرك فيه ركعة مع الطهارة، والمدبرة والمكاتبة وأم الولد سواء
كانت متزوجة أو لا كالأمة الخالصة.
وفاقد الستر يستتر بما أمكن من ورق الشجر والحشيش والبارية،
ومع تعذرها فالطين، ومع تعذره يحفر حفيرة فيدخلها فيركع ويسجد، ولو
تعذّر جميع ذلك فعارياً، قائماً مع أمن المطلع، وجالساً مع ،وجوده
مؤمياً للركوع والسجود برأسه.
ولو وجد وحلاً أو ماءاً كدراً وأمكن الدخول فيه لم يجب عليه
ذلك لعدم إدخالهما في الستر الإختياري والإضطراري، ولا يجب على
فاقد الستر من أولي الأعذار توقع آخر الوقت وإن استحب للخبرين.
ولو وُهب الثوب له وجب عليه القبول، كما لو أعير أو وجده بأجرة
أو ثمن زائدين عن ثمن المثل وأجرته حيث لم يضر به في الحال، ولو
وجد ساتراً لإحدى العورتين قدّم المقدم من الرجل والمرأة.
ولو تعارض ستر المرأة والرجل قدمت المرأة إلا أن يكون الرجل في
برد غير آمن من الضرر فيُقدم، والخنثى كالمرأة لإحتمال الأنوثيّة،
ويكفي العاري عند عدم وجود الساتر أن يضع يده على القبل، ولا
يخرجه عن حكم العاري لأن ستر البدن بعضه ببعض لا يعد ستراً وإن
لزمه ذلك ووجب عليه.
البحث الرابع: في الأحكام المتعلقة بالستر الواجب
لو تعمّد كشف العورة أو بعضها بطلت صلاته، والناسي يحتاط
بالإعادة وإن لم يأثم، ولو انكشفت في الأثناء بغير قصد ولما يعلم
إلى أن فرغ صحت صلاته، ومتي علم استتر وإن أخلّ بطلت، ويستحب
الإجتماع والتضمم للعاري حالة قيامه وجلوسه ، ويجب اخفاء العورة
حيث أمكن.
وتستحب الجماعة للعراة، ولأفضل أنهم يصلون جلوساً مؤمين إلا أن
يكونوا في ظلمة أو فاقدي البصر ويأمنون المطلع فيقومون ويبرز
الإمام عنهم جالساً متقدماً عليهم بركبتيه ندباً، وروي في غير
المشهور أن الإمام يومئ جالساً والمأمومون يركعون ويسجدون خلفه على
الأرض فيصلّون خلفه، وليكونوا في صف واحد، والجمع بالتخيير حسن
وإن كان الأول أفضل.
ولا فرق بين الرجال والنساء، ولو اجتمعوا فلتتأخّر النساء خلف
الرجال لتحريم المحاذاة، ويجوز للرجال الصفوف إذا لم يتمكنوا من
المحاذاة فيومئ الجميع وعلى الرواية الأخرى يؤمون إلا الصف الأخير
فإنهم يركعون ويسجدون.
والثوب مع العراة يستأثر به صاحبه فلو اعاره وصلّى عارياً بطلت
صلاته، وأما صلاة المستعير مع ضيق الوقت فباطلة ، ومع السعة صحيحة،
ولو جهل الحكم فلجهله معذور.
ولو صلّى فيه مالكه استحب له إعارته بعد صلاته فيه، ويخص به
النساء أولاً، ثم القاضي العدل ليؤم به، ومع صلوح المالك للإمامة
يؤمهم فيه، ومع عدم صلوحه لها يصلي منفرداً لأن ائتمام القائم
بالقاعد ممتنع، ولو اتسع الوقت تناوبوا عليه، ويستحب للعاري ولو
كان متزراً وضع شيء على كتفيه ولو خيطاً أو سيراً .
ولو صلّى العاري بغير ايماء فصلاته باطلة، وإن نسي أو جهل
لفوات الركن بدونه، ولو عدل إلى الركوع والسجود فمع تعمده ولو
جهلاً تبطل صلاته، ومع النسيان يمكن توجه الصحة اليه، والإعادة له
أحوط.
ولو سترت المرأة فرجها دون باقي بدنها فصلاتها كالرجل من غير
إيماء، وعند ستر البعض من العورة يجب والإيماء بحاله .
ولو خص الساتر المنحصر في ستر أحدهما بالدبر عمداً فالبطلان،
ويعذر الجاهل هنا لخفاء الحكم، والناسي لرفع القلم، وربما رجح
الدبر لتمامية الركوع والسجود بستره مع كون القبل مستوراً بالفخذين
والاليتين، واحتمل التفريق فيه بجعله على القبل حالة القيام ، وعلى
الدبر حالتي الركوع والسجود، ولا يعد ذلك مبطلاً لكثرته، لكونه من
أفعال الصلاة.
ولا يجوز لبس المغصوب في حال تعذر غيره، وكذا الحرير إلا في
حال الإضطرار، وجلد غير المأكول بمنزلتهما وإن كان طاهراً
بالتذكية.
ويجوز أن يُصلّي وفي كمّه طائر إذا خاف عليه الضياع، وكذا في
خرق الخضاب وإن كانت نجسة: لأنها مما لا تتم الصلاة فيها، وذلك على
كراهة، وأن يُصلي الرجل في قميص واحد وأزراره محلولة وإن كان واسع
الجيب دقيق الرقبة بغير مئزر تحته، فإن رؤيت العورة منه عند الركوع
بطلت حينئذ لا من رأس، وتظهر الفائدة لو استتر بعد النية قبل
الركوع، ولو كان في الثوب خرق لا بإزاء العورة جاز، وكذا لو جمع
الثوب بيده على الخرق ولو كان بإزاء العورة، ولو ستر الخرق ببعض
بدنه وهو محاذ للعورة لم يجز.
ويجب ستر شعر الرأس على المرأة كالعنق والأذنين، والوجه معفو
عنه وهو محل الوضوء ، ويجوز لبس ما منعت الصلاة فيه في غير الصلاة
إلا جلد الميتة والحرير والذهب للرجال والخناثى، ويجوز لبسه للصلاة
عند الضرورة كالبرد والحرب.
والنجس المتعين ثم الحرير ثم جلد ما لا يؤكل لحمه، ثم ميتة
المأكول ثم ميتة غير المأكول ومذكّى المحرّم والكتابي إذا سُمّى
مُقَدّم على الميتة كما أن المدبوغ من مذكّى غير المأكول أولى من
غير المدبوغ منه.
المقدمة الرابعة في المكان
والمباحث فيها أربعة
البحث الأول :
لا تجوز الصلاة فرضاً ولا نفلاً إلا في المكان المباح وهو
المملوك أما عيناً أو منفعةً، بعوض أو غير عوض، أو مأذون فيه إما
صريحاً مثل ( صلّ فيه)، أو تضمناً كـ( كن فيه) أو فحوى كإدخال
الضيف منزله، أو بشاهد الحال كالصحارى، وسنصرّح بذلك مفصلاً.
فلا يجوز الصلاة في المكان المغصوب، ولا سائر العبادات حتى
أداء الزكاة والخمس، فتبطل ولا تقبل إن كان عالماً بالغصب، سواء
علم التحريم أو جهله أو نسيه، وسواء علم بالبطلان أم لا، وسواء
كانت جمعة أم لا، وسواء كان المصلّي هو الغاصب أم لا، وسواء كان
الغصب لرقبة الأرض أو منفعتها، وسواء كان القرار أو الهواء أو
السماء أو البساط، وسواء نهى المالك عن الصلاة فيه أم لا، وسواء
كان مما تصح الصلاة فيه بشاهد الحال كالصحارى أم لا.
ولو جهل الغصب أو كان محبوساً فيه وضاق الوقت صلّى فيه وهو آخذ
بالخروج أو أذن له المالك ولو كان المأذون له الغاصب، وإن أذن
مطلقاً صلّى فيه غير الغاصب، وإذا نسي فالأحوط الإعادة.
ولو أذن في الصلاة ثم رجع في إذنه بعد تلبّسه صحّت وإن اتسع
الوقت، وقبل التلبّس مع ضيق الوقت يصلّي ماشياً مؤمياً لركوعه
وسجوده، ويحافظ على الاستقبال مهما أمكن، ولا يفعل حراماً بخروجه
أو مع الإذن في الكون.
أما لو كان السقف أو الجدار مغصوبين صحّت الصلاة مع الانفكاك
عنهما لخروجهما عن المكان بمعنييه عند عدم اللصوق، ويكفي في المنع
ثبوت غصبه بإخبار ذي اليد.
ولو أذن بالكون فصلّى ثم رجع بعده فلا أثر له، وفي الأثناء
الأقوى الإتمام، ولو علم هنا بالقرائن كراهية المالك للصلاة كمنزل
الكافر، أو استلزم الاطلاع على عورة لصاحب المنزل بطلت الصلاة.
ولا تجوز الصلاة في المكان النجس إذا تعدّت النجاسة إلى بدن
المصلّي أو ثيابه أو مصحوبه مما لا يعفى عن نجاسته، ولو لم تتعد
صحت حيث يكون موضع الجبهة طاهراً.
ولو فرش على النجس طاهراً صحت الصلاة حتى عند مشترطي الطهارة
في جميع المكان، وكذا لو اتصل به حبل معه نجاسة تتحرّك بحركته، ولو
نجس طرف ثوبه أو عمامته وهما ملقيّان على الأرض فالأحوط المنع.
ويعتبر في صلاة المرأة بحذاء الرجل أو أمامه وجود الحائل وإن
كانت محرمة، أو بعد عشرة أذرع في الثاني، ويكفي في الأول قدر موضع
الرجل أو الذراع إلى عشرة أذرع وهي أكملها وليست بمتعينة عند
المحاذاة، ولا فرق بين المحرم والأجنبية والمقتدية والمنفردة.
ولا بطلان بالصلاة الفاسدة من أيهما كان ولا بمرورها بين يديه
ولا بجلوسها أمامه ولا بنومها أو صلاتها خلفه، والظلام غير حائل،
وكذا فقد البصر وكذا تغميض العين من المبصر.
والأفضل إذا أراد الصلاة تقديم الرجل فيهما اذا لم يتسع المكان
لمسوّغ الإجتماع، ولو ضاق الوقت فلا منع.
ولو أوقعت الصلاة بعد انعقاد صلاة الرجل أو بالعكس فالمتأخرة
هي الباطلة، وهذه الأحكام كلها معتبرة في جميع الأمكنة سوى مكة
المشرفة، فتسقط هذه الأحكام كلها فيها، فتصلي أمامه ومحاذية إليه
وعلى كل حال لصحيح الفضيل بن يسار المروي في العلل.
ولو تيقن حصول النجاسة في موضع وجهل تعيينه فمع الحصر فالجميع
نجس، ولو اشتبه المكان المحصور بغيره صلّى الواحدة في المكانين كما
يصنع في الثوبين المشتبهين، وهذا حيث لا يوجد سواهما وإلا وجب
تركهما.
والدابة المغصوبة والكنيسة والمحمل وكذا جميع المراكب بمنزلة
المكان الأرضي.
وحكم الخنثى المشكل حكم المرأة بالنسبة إلى الرجل لإحتمال
الأنوثية، وكذا المرأة لإحتمال الذكورية فتتقدّم على المرأة
وتتأخّر عن الرجل، وعند المحاذاة لأحدهما والتقدم عليه يعتبر فيهما
ما يعتبر في الرجل والمرأة من الشرائط المذكورة.
ولا تجوز الفريضة في الكعبة إلا للضرورة وإن كانت هي أشرف
المسجد لمكان النص، أما النافلة فهي كالمسجد في الفضيلة بل أشرف.
البحث الثاني:
في مكروهات المكان وإن قيل في بعضها بالتحريم
فتكره في المقبرة إلا مع الحائل، أو بعد عشرة أذرع، حتى القبر
الواحد، أما جعله خلفه فلا بأس إلا قبر المعصوم عليه السلام فلا
يجوز إلا بجعله قبلة فتجتنب محاذاته إلا في صلاة الزيارة، فيُحاذي
الرأس لأفضلية ذلك المكان، وقبر النبي صلى الله عليه وآله داخل في
ذلك، وأما النهي عن جعله قبلة فمحمول على أنه يصيّّره قبلة يتوجّه
إليها حيث كان لا الكعبة، أو على التقية لعدم الفرق عندهم في
المنع، ومظان النجاسة كبيوت الغائط التي لا ترى فيها أعيان
النجاسة، ومثلها المزبلة، والحمام إلا مسلخه، ومعاطن الإبل وهي
مباركها مطلقاً، وقرى النمل، ومجرى الماء، وبطون الأودية، ووادي
ضجنان، ووادي الشقرة، والبيداء وذات الصلاصل، والطرق إلا الظواهر،
والجواد، والبيع، والكنائس، وبيوت المجوس، وبيت فيه مجوسي أو كلب،
مالم يُغلق دونه الباب، أو إناء يبال فيه، أو خمر، ولا بأس ببيت
فيه نصراني أو يهودي، وعند الإضطرار إلى بيت المجوسي يرشّه بالماء
ثم يفرش عليه ما يصلي عليه أو يتركه إلى أن يجف، ومرابط الخيل
والبغال والحمير، ولا بأس بمرابط الغنم بل جاء الاستحباب فيها، وفي
السبخة والطين والماء والثلج، وأرض الخسف والعذاب، أو كان في
القبلة مصحف أو كتاب مفتوحان ولا بأس بالكتابة والنقوش في جدار
الكعبة، ويغتفر لذلك عند قراءته من المصحف إما لحاجة أو صلاة نفل،
أو إلى نار وإن كانت في مجمرة أو قنديل معلّق، أو إلى إنسان مواجه،
أو إلى سيف أو سلاح إلا في الحرب أو إلى حديد، أو تماثيل مالم
يغطها، وكذا إلى جانبيه، وتتأكد الكراهة في النار والتماثيل حيث
يكون المصلّي من أولاد عبدة النار أو عبدة الأصنام، أو إلى بيوت
النيران، أو إلى حائط ينز من بالوعة بول أومن القذر، ولا تكره في
ساباط على الجادّة أو على الماء.
ويستحب أن يتخذ المصلي سترة يجعلها بين يديه حائطاً أو عنزة أو
رجلاً أو حجراً أو سهماً أو كومة تراب أو خطاً في الأرض، ولا فرق
في ذلك بين مكة وغيرها، ويستحب الدنو منها بمربض عنز أقله إلى مربض
فرس أكثره.
ويجوز الإستتار بحيوان ما لم يكن حماراً لكراهة استقباله بل
يجعل بينه وبينه سترة من قصب أو غيره، والإمام سترة للمصلين خلفه
فيستغنى بسترته عن سترة الباقين.
ويستحب دفع المار في غير المسلوك إذا كانت له مندوحة فيدفع
مالم يؤد إلى الكثرة.
ولا يقطع الصلاة مرور المرأة والكلب الأسود أو الحمار، والنهي
غير ثابت، وعلى تقدير ثبوته فنهي كراهة، نعم يكره المرور بينه وبين
السترة من المذكورات وغيرها، والسترة غير واجبة بالأصالة ولو
استعملها من النجس والمغصوب تأدّت السنة وإن حرم فعله.
البحث الثالث:
في ما يصح السجود عليه
والأصل أن لا يسجد إلا على الأرض أوما أنبتت، إلا المأكول
والملبوس عادة، وما خرج عن اسم الأرض بالإستحالة منها كالمعادن،
والمأكول والملبوس عادة لا يصح السجود عليه إلا عند الضرورة أو
التقيّة، نعم يجوز السجود على القطن والكتّان قبل غزلهما على
كراهة، وبعد الغزل لا يجوز وإن لم ينسجا.
ولا يحل السجود على الحنطة والشعير قبل نزع القشر الأعلى
منهما، ولا كراهة في السجود على المروحة والسواك والعود عند
استقرار الجبهة عليها وإذا خلت من التماثيل، ولا يجوز على الرمل
المنهال، والوحل، ولا على الماء، ولا على الثلج الجامد .
ولو اضطر أومأ، نعم يجوز على القرطاس وإن اتخذ من الحرير، وإن
كانت أجزاؤه الأصلية لا تصلح للسجود وذلك لإستثناء الدليل، ويكره
المكتوب، ولا يجوز السجود على القير ولا على القفر ، ولا على
النورة، ولا على الرماد، ولا على الملح.
ويشترط كونه كالمكان مملوكاً أو مأذوناً فيه، ولو سجد على
الممنوع منه جاهلاً أو ناسياً فالأحوط الإعادة ، والقول بالصحة
قوي، وجاهل الحكم هنا لا يعذر، إلا أن يكون مخالفاً ثم استبصر، ولو
شكّ في جنسه تركه، وفي طهارته يبني على الأصل، ومع الإشتباه والحصر
يجتنب.
ولو منعه الحر من السجود على الأرض أو الهوام أو الشوك سجد على
ثوبه، فإن تعذّر فعلى كفّه، وفي ترجيح المعدن على النبات الملبوس
خلاف أقربها ترجيح المعدن الترابي، وربما احتمل كون الثياب أولى
لبدليتها عمّا يصح السجود عليه فيما تقدّم، وعلى كل تقدير فهما
أولى من الثلج، كما أن الثلج أولى من الكف.
البحث الرابع:
في أحكام المساجد
الموقوفة للعبادة المعنية في قوله تعالى: {وأن المساجد لله}
على أحد التفاسير الثلاثة، وقد ورد استحباب اتخاذها وإعدادها حتى
في البيوت، وينبغي بناؤها ومرمتها بالعمارة والعبادة، وجعلها
مكشوفة ولكن الآن لا يضر تظليلها حتى يقوم قائمنا عليه السلام .
وينبغي كثرة الإختلاف إليها ليُصيب إحدى الثمان، وتعاهد النعل
عند أبوابها، وتقديم الرجل اليمنى عند دخولها، والدعاء بالمأثور،
والخروج باليسرى والدعاء بالمأثور عقيبه، وكونه على طهارة من الحدث
والخبث المتعدي، وصلاة ركعتي التحية إذا كان في وقت غير الفريضة أو
نافلة راتبة، ولو كان ماراً بها مروراً، وإلا قد استطرقها، والسلام
عند الدخول، والجلوس مستقبل القبلة، إلا عند استقبال الإمام بعد
الصلاة ليأخذ المأمومون عنه أحكام دينهم، وكنسها خصوصاً عشية
الخميس ، وليلة الجمعة، وتبخيرها بما يطيبها والإسراج فيها ليلاً،
وقراءة الخمس من آل عمران: {إن في خلق السماوات والأرض} إلى قوله
تعالى: {لا تخلف الميعاد} عند الدخول، وآية الكرسي، وآية السحرة،
والمعوذتين، والحمد لله والصلاة على محمد وآل محمد وعلى أنبياء
الله وملائكته ورسله، وإعادة المستهدم منها وتجديدها بعد اندراسها،
وفرشها حتى بالحصى، وحراستها من المؤذيات الخبثية وتعظيمها، وقراءة
القرآن فيها والمواعظ، والدعوات، وتفسير الآيات المحكمة ومدارسة
العلوم.
ويكره التحدّث فيها بأحاذيث الدنيا، والحذف بالحصى، فإنها لا
تزال تلعن صاحبها حتى تقع، ولأنها من أخلاق قوم لوط، وكشف العورة
المحرّمة والمكروهة، وهي من السرّة إلى الركبة، إلا مع ناظر مميز
فتحرم المحرمة، وسل السيف، وبري النبل، وعمل الصنايع، وانشاد
الضالة ونشدانها، وانشاد الأشعار الباطلة، أما المحقة المشتملة على
الحكم والمواعظ والزواجر والرثاء فهي من العبادات، وتصويرها بما
يمثّل الشجر والشمس والقمر.
وتحرم الزخرفة والنقوش والتصوير بما فيه روح إلا أن تغيّر،
وتشريفها بل تبنى جماء.
وتكره تعليتها، بل تبنى وسطاً، واستعمال المحاريب الداخلة
كمذبح اليهود، والمنارة وسطها بل مع حايطها موازية له، بل الظاهر
بدعيتها مطلقاً، والبيع والشراء وسائر المعاملات، وادخال المجانين
والصبيان، وانفاذ الأحكام، واقامة الحدود، ورفع الصوت، وتعليق
السلاح سيما السيف في المسجد إلا لسبب، ويحرم اخراج الحصى منها
فإنها تسبّح ، فمن أخرجها فليردّها إلى مكانها ولو ردّها إلى غيره
أجزأ، والتنخّم والبصاق، وقصع القمل فيدفنها، والوضوء فيها من
البول والغائط لا من النوم والريح، والنوم فيها خصوصاً المسجدين
الأعظمين اللذين على عهده صلى الله عليه وآله إلا لضرورة، ورطانة
الأعاجم وهي الكلام الذي لا يفهمه جمهور الناس لا اللغة الفارسية
ولا غيرها من اللغات مما يتكلّم به الأئمة عليه السلام ، واتخاذها
طريقاً من غير أن يصلي فيها، والتنعل قائماً.
ولا يجوز اتخاذها في المغصوب، ولا في الطرق المسلوكة، وكذلك
تملكها وإن زالت الآثار منها فلا تدخل في ملك، ونقضها إلا أن
تستهدم أو يحتاج إلى توسيعها، والدفن فيها على الأحوط، وإدخال
نجاسة متعدية إليها، وإزالة النجاسة فيها، وتمكين الكفّار منها،
فيجب اخراجهم لو دخلوها وتعزيرهم، واستعمال آلاتها في غيرها إلا أن
تتعطّل بالإستهدام أو غيره فتستعمل في مسجد آخر.
وأمّا الوقف عليها فموضع خلاف، والأقرب صحته ولزومه، وما دلّ
على منعه محمول على الوقف على نفس البنيّة، أو على ما يستعمل
للتصاوير والزخرفة.
ويحرم التعرّض للبيع والكنائس إذا بنيت قبل الفتح، أو في أرض
الصلح، لأنها بيوت الله تعالى، وقد جاء جواز التعبّد فيها، نعم
يجوز نقضها في دار الحرب، أو مع إندراس أهلها، ثم تبنى مساجد، ولا
تجعل في ملك ولا طريق.
ولا يجوز بناؤها على النجاسة بعد طمها وردمها بالتراب،
لصيرورتها من البواطن، أما مع عدم الإزالة فيحرم البناء، وليكن
الطم قبل الوقف، وتجعل المسجدية بالوقف، ويكفي في جعله مسجداً بأن
يأذن بالصلاة فيه ثم يوقع الصلاة فيه ولو واحدة، أو يُقبضه الحاكم
، ولا يحصل القبض بالنيّة وإن أوقع الصلاة فيه بل يكون كمسجد
المنزل فله الرجوع فيه وتغييره وتوسيعه ونقضه حيث لم يصر وقفاً.
والمساجد متفاوتة في الفضيلة والشرف، بل جاء فيها إن من
المساجد مساجد ملعونة، كالمساجد التي بنيت وجددت في الكوفة يوم قتل
الحسين عليه السلام، وأشرف المساجد المسجد الحرام والصلاة فيه
بمائة ألف، ثم مسجد النبي صلى الله عليه وآله ، والصلاة فيه بعشرة
آلاف، وفي كل من المسجد الأقصى في الشام ومسجد الكوفة بألف، وفي
مسجد الجامع بمائة، وفي مسجد القبيلة بخمس وعشرين، وفي مسجد السوق
باثنتي عشرة، ومن المساجد المحثوث على الصلاة فيها مسجد براثا
ببغداد، ومسجد المباهلة ، ومسجد الفتح ، ومسجد قبا وهذه في
المدينة، وفي المنزل واحدة.
وأفضل المساجد للنساء البيوت، وأشرف محال البيوت المخادع،
والفرائض مخصوصة بالمساجد بخلاف النوافل فإنها في المنازل أفضل.
ثم الصلاة بالنسبة إلى الأمكنة تنقسم إلى الأحكام الخمسة،
فمنها الواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح، فمن الواجب ركعتا
الطواف الواجب إلى جانبي المقام أو خلفه، وقد تجب بالعارض كالنذر
وشبهه، وكضيق الوقت في مكان لو خرج منه لفات الوقت، وأما الأمكنة
المحرّمة علمت مما تقدم، والمندوب أفراده كثيرة، والمكروهة أيضاً،
وقد سمعتها في مكروهات المكان، والمباح فيما سوى الأقسام الأربعة،
كسائر الأمكنة، وتنقسم بهذا الإنقسام بالنسبة إلى اللباس إلا أنه
لا واجب فيه بأصل الشرع.
|