سداد العباد ورشاد العبّاد

 

تأليف

فقيه أهل البيت عليهم السلام

المحقق العلامة الشيخ حسين البحراني قدس سره

 

(كتاب الطهارة - كتاب الصلاة)

 

(الفصل الثالث)

في التيـــمم

    وهي الطهارة الإضطرارية ، وهي ثابتة بالكتاب والسنّة والضرورة من الدين، ومباحثه أربعه:

    البحث الأوّل: في مسوّغه وهو عدم وجدان الماء ويحصل بأمور:

    أحدها فقده من المكلّف، فيجب عليه تحصيله وطلبه من مظانه ولو بثمن مقدور للمكلّف غير مضرّ به في الحال ، ولو زاد عن ثمن المثل أضعافاً مضاعفةً.

    ولو وُهب له الماء لزمه القبول ، وكذلك الثمن ليشتري به، وكذا البحث في الآلة فيجب استئجارها أو شراؤها أو قبول اعارتها أو قبول هبتها.

    ويجب الاحتفار لو توقف تحصيله عليه مع سعة الوقت والقدرة، ومع ضيق الوقت يكون فاقداً له، ولو أمكن الشراء بثمن في الذمّة يقدر عليه عند المطالبة وجب وإن كان عاجزاً عنه في الحال، ولو امتنع البائع من قبض الثمن المبذول المقدور له وجب أيضاً إلا مع علمه بالعجز عنه وقت المطالبة، ولو وُجد الماء بغير باذل تيمم ولم يكابره عليه.

    ويجب الطلب ــ مع إرتفاع الموانع وعدم الخوف على النفس والمال والبضع ما دام في الوقت المقدر للفضيلة بحيث يصلي في آخره ــ بالضرب في الأرض بنفسه أو بمن يأتمنه عليه في الغلوات الأربع من الجهات الأربع في حزن الأرض وضعفها في سهلها، والأول تقدير للزمان والثاني للمكان، وعند اختلاف الأمرين تتوزع تلك المقادير بالنسبة بأن يطلب في الحزنة غلوة سهم وفي السهلة غلوتين ، وعند كون نصف الجهة سهلاً ونصفها صعباً يطلبه في النصف السهل غلوة سهم وفي الصعبة نصف غلوة، ويسقط مع العلم بالعدم، ولو ظنّه في الزيادة على النصاب سقط التقدير ووجب الطلب.

    ويجدد ذلك الطلب للفرض الثاني إن لم يحصل العلم بالعدم بالأول ، ويجب أن يكون الطلب بعد دخول الوقت والسابق عليه غير كافٍ وإن أفاد العلم بالعدم.

    ولو أخل بالطلب حتى ضاق الوقت أثم بعصيانه وصحت صلاته بالتيمم، فإن وجده بعدها مع أصحابه الباذلين أو في رحله أو في الغلوات وجبت عليه إعادتها في الجميع.

    ويجب تقديم ازالة النجاسة على الطهارة ، ولا يجزي لو خالف عمداً، وخوف العطش على نفسه أو رفيقه المحترم أو حيوانه المضطر إليه مسوّغ له، ولا يجوز له شرب النجس لو كان معه الطاهر، ويكفي في خوف العطش في الآجل قول العارف ولو كان كافراً أو فاسقاً أو صبيّاً مميزاً حيث يثمره ظناً، وكذا من معه ماء لا يجزيه لطهارته وضوءاً كان أو غسلاً ولا تبعيض هنا شرعاً نعم لو كان مكلفاً بالوضوء والغسل فوجد ماءاً لأحدهما وجب وتيمم للآخر بعد صرفه للماء فيه.

    ولو كان الماء بحضرته وهو في قيد أو حبس أو في مرض لا حراك له فيه وليس هناك ناقل ففرضه التيمم ، ولو وجد متبرعاً أو بأجرة مقدورة له وجب عليه، ولو كان ذا نوبة في الماء فظنّ فوت الوقت قبل نوبته ساغ له التيمم ، فإن كذب ظنّه فكالواجد للماء بعد التيمم.

    ولو أراق الماء عمداً مع علمه باستمرار العدم عصى وقضى، ولو أراقه بظن أن غيره موجود فلا معصية ولا قضاء، ولو وهبه لغيره بعد الوقت ولا ماء سواه فالهبة باطلة، وكذا لو باعه بثمن لا يفيد تحصيل بدله، ولو فعل ذلك قبل الوقت وكان عالماً باستمرار العدم ألحق بالوقت ، ويحتمل بعيداً العدم إذ لا تكليف حينئذ ، ولا يعلم حياته إلى الوقت، ويجب عليه ارتجاعه من المشتري أو المتهب، ولو تعذّر ارتجاعه والحال هذه يتيمم ويأثم ويقضي لتفريطه.

    وثانيهما: الخوف من استعماله وإن كان موجوداً على النفس من موت أو مرض لا يحتمل عادة أو يخشى من بطئه أو اتيانه على النفس ولو بحسب ظنّه، ولو توقف على تسخينه وجب ولو بأجرة زائدة عن أجرة المثل ، ولو كان مضرّاً مع الإسخان سقط، ويكفي في ذلك قول العارف ولو كان فاسقاً أو كافراً إذا أثمرت معرفته الظن الراجح، ومع احتمال الألم وعدم خوف العاقبة لا يسوغ التيمم.

    وثالثها: الخوف من تحصيله أو طلبه على النفس أو البضع أو المال المضر بالحال من لص أو سبع أو عدو أو عطب، أو على العقل فيمن يعرض له ذلك ، أما مجرّد الوهم فلا، وكذاك لو كان هناك مريض أو ضعيف أو طفل أو مجنون يخاف عليه بالمفارقة في زمن تحصيله ولا يمكن استصحابه معه.

    البحث الثاني: في ما يتيمم به :

    وهو الصعيد الطاهر، وهو التراب خاصّة بجميع أنواعه وأقسامه إلا ما أخرجه الإستيلاء عن الاسم وكذلك الخلط بغيره، ويدخل فيه السبخ والرمل وإن كرهاً ولا يجزي الحجر إلا إذا كان عليه تراب، ومنه تراب القبر وأرض النورة والجص أما النورة نفسها والجص فلا يجوزان إلا لضرورة جمعاً بين الدليلين المجوز والمانع.

    ويُستحب من ربى الأرض والعالي، ومع فقد الصعيد فغبار الثوب ولبد السرج وعرف الدابة ثم الوحل، ولا يحتاج إلى تجفيف وإن أمكن.

    وليس الثلج عند تعذّر الإذابة مما يتيمم به بل ينتقل إلى التراب ولا يقدم على التيمم فيكون متوسطاً بين الماء والتراب بل إن تحلل منه شيء بحيث يمسح به مسحاً قريباً من الغسل تعيّنت الطهارة به وإلا فلا.

    ولا يجوز بالمعادن ولا بالرماد ولو كان من الأرض ولا بالمنسحقة كالأشنان والدقيق.

    ومن شروطه الإباحة بالملك أو ما في حكمه وهو المراد بالطيب في الآية لكونه أحد وجوهها، فيبطل بالمغصوب، ومع جهل الغصب لا حرج بخلاف ما لو تبيّنت النجاسة فإنّه يعيد كما قلناه في الماء، وفاقد الطهورين لا يجب عليه الأداء ولا القضاء إلا إذا صلّى بغير طهور، فلو مات قبله سقط عن الولي.

    البحث الثالث: في الاستعمال وفي بيان وقته :

    حيث أن الوقت موضع الخلاف، والمحقق من الدليل والفتوى أن وقته آخر الوقت، والمراد به وقت الفضيلة، ولا تظهر ثمرته إلا في المؤقتة فلا يتيمم لفائتة على القول بالتوسعة، وأمّا الصلاة من ذوات السبب كالكسوفين والإستسقاء فيكفي حضور أسبابها، ولو دخل عليه الوقت متيمماً جازت الصلاة في الحال ، والأحوط تأخيرها إلى آخر الوقت ، ولا يشترط الخلو عن النجاسة في غير محاله كالوضوء، ولو تعذّرت الإزالة عن محاله فالأقرب الجواز مع عدم التعدّي إلى المستعمل.

    وكيفيته أن ينوي به الإستباحة ، ويراعى البدلية إن وضوءاً فوضوءاً وإن غسلاً فغسلاً، لا رفع الحدث مطلقاً فيبطل إلا أن يراد به رفع ما مضى، ولا بد من القربة مستديماً حكمها إلى الفراغ آخره، مقارناً بها وضع اليدين معاً ومراعاة الضرب أحوط، ثم يمسح بها جبينه وجبهته وحد الجبينين من القصاص إلى الحاجبين، والجبهة من القصاص إلى طرف الأنف الأعلى، ويُدخل الحاجبين في الجبينين، ثم يمسح ظهر كفّه اليمنى ببطن اليسرى، من الزند إلى آخر الأصابع، ثم ظهر اليسرى ببطن اليمنى كذلك، ويجزي المسح من مواضع القطع ومن المرفقين في حال التقية، ويجب الاستيعاب للممسوح والموالاة فيه وإن كان بدلاً عن غسل، والترتيب كما ذكرناه معتبر ولو عكس استأنف ، ولو قلنا لا يخل هذا بالموالاة إذ هي المتابعة بنى على ما يحصل معه الترتيب.

    ولو قطع بعض الأعضاء اكتفى بالباقي حتى لو لم يبقَ سوى الجبهة.

    ويجب في بدل الوضوء والغسل ضربة واحدة، ولو اجتمعا تكرر كغسل الحيض.

    ويجب نزع كل حائل كالخاتم والسير، وتجب المباشرة إلا مع التعذّر، ووضع اليد على المتيمم به ، فلو استقبل له لحمل الريح له أو بآلة: خرقة أو خشبة أو غيره لم يجزه، ولو ضرب على تراب ببعض أعضائه أجزأ، ولا يجزي ايصال التراب إلى الأعضاء بغير ضرب ولابدّ من العلوق وإن استحب له النفض بعد الضرب، ولا يجب تخليل الشعر على الوجه واليدين، وإذا نوى به استباحة صلاة معينة استباح به غيرها فرضاً كان أو نفلاً.

    البحث الرّابع: في الأحكام والفروع:

    يشرع التيمم حضراً وسفراً، طال السفر أم قصر، طاعة كان أم معصية، ولا يُعيد مستعمله شرعاً ما صلاه به مسافراً أو غيره إلا استحباباً إذا ظهر سعة الوقت، ومتعمدًا لجنابة كذلك، والممنوع من زحام الجمعة ومن على بدنه نجاسة لا يمكن إزالتها، وهذه الصور كلها غير موجبة للإعادة وإن قيل بها معها.

    وكلما يستباح بالبدل يستباح به حتى الطواف، ويجوز أن يصلي ما شاء من الصلوات ما لم ينتقض بناقض شرعي ، ومنه وجود الماء مع التمكن من استعماله، ولو وجد ماءاً قبل الدخول في الصلاة رجع إلى الطهارة الإختيارية وبعدها لا يلتفت ، وفي أثنائها خلاف والأقوى وجوب الرجوع مالم يركع في الركعة الثانية مع سعة الوقت، ومع ضيقه لا يرجع بمجرّد تكبيرة الإحرام ، ولا يجوز العدول إلى النافلة.

    ولو بلغ المتيمم فالأحوط إعادته كما في الطهارة الإختيارية،  ولو أحدث بالأصغر ذو الأكبر أعاد عن الأكبر، ولو وجد من هذا شأنه ما يكفيه من الماء للطهارة الصغرى لم يجب عليه استعماله، ولا تنقضه الردة.

    ولو وجد الماء بعد تيمم الميت قبل أن يُدفن وجب تغسيله وإعادة الصلاة عليه بعد الغُسل، ولا يبطل التيمم بوجوب طلب الماء لو ظنّ وجوده مالم يجد، والجريح في أعضائه إن أمكنه غسل ماعدا الجرح وجب عليه، وموضع الجرح إن أمكنه اللصوق عليه فعله ومسح عليه، ولو استوعب العذر عضواً تاماً احتاط بتيمم كامل وغسل الصحيح ويقدّم ما شاء أما التيمم في بعض الأعضاء دون بعض فلا.

    ولو أخل القادر على الماء باستعماله حتى ضاق الوقت عنه لم يجز له أن يُصلي به ، وتعيّن عليه الغسل وإن خرج الوقت فإن تيمم وصلّى به وجبت عليه الإعادة ، وكذا لو حبس بحق مع قدرته على أدائه حتى ضاق الوقت بخلاف من حبس ظلماً وبما لا يقدر عليه.

    ولا يُحرم الجماع على من فقد الماء لكفاية الصعيد له، نعم يكره ولا على غير المتمكن من استعماله، ولو قلنا بأن فاقد الطهورين يؤدي بحاله فوجد أحدهما في أثناء صلاته بطلت الصلاة سواءاً بقي من الوقت ما يسعه فيه أداؤها أم لا.

    ولا يشرع التيمم للنجاسة على البدن أو على الثوب، ولو حرمنا وطيء الحائض الطاهر قبل الغسل كما هو المختار أجزأ التيمم له مع تعذّر الغسل، ولا يصح من الكافر وإن نوى به الإسلام.

    ولو رأى بعد التيمم إمارات وجود الماء كالخضرة والركب وجب عليه الطلب مع سعة الوقت لا غير ولا يبطل بذلك.

    ولو نسي الأكبر فتيمم بدلاً من الأصغر لم يجزه ولو تساويا في الكيفية والضرب وكذا العكس.

    ولو اجتمعت الأغسال وقصد التداخل أجزأ التيمم الواحد عن الغسل المجزي.

    ويختص الجنب بالماء عند اجتماعه مع ميت ومحدث، وكذا مع حائض وماس ميت إذا كان لا يكفي إلا أحدهم، ولو كفى المحدث خاصّة فاختصاصه به قوي، ولا يصرف إلى بعض أعضاء الجنب توقعاً للباقي، أما لو قصر عنهما على الإنفراد تعيّن الجنب لإشتراط الموالاة في الوضوء دون الغسل، ولو استعمله وتعذّر الإكمال تيمم، وكذا كل موضع تعذر فيه اتمام الوضوء أو الغسل فإنه لا يجزيه التبعيض، ولا يجب عليه الحدث لنفي التبعيض.

    وفي جواز الحدث مع توقع الإتمام اختياراً بحث وكلام ، والأقرب جوازه ، وكذا في جواز الحدث اختياراً في أثناء الطهارتين، وليس بداخل في ابطال العمل المنهي عنه آية ورواية، نعم يحرم في أثناء الصلاة كما سيجيء في القواطع، ولا يحرم بعد الطهارة مع سعة الوقت وإمكانها.

    ولو أحدث المتيمم سهواً في أثناء الصلاة فوجد الماء وكانت طهارته صغرى توضأ وبنى وفي بدل الغسل يستأنف.

    ولا تجوز الإقامة في بلد تحوجه للتيمم لعوز الماء، وكذلك الكلام في السفر الذي يحوج إلى ذلك أو الصلاة على الثلج ما لم يكن واجباً أو مضطراً إليه.

 

الطرف الرابع في النجاسات

    وفيه مباحث ثلاثة:

    البحث الأوّل: في عددها وحصرها :

    وهي عشرة: البول، والغائط من ذي النفس السائلة غير محلل اللحم ولو بالعارض كموطوء الإنسان، والجلال، وشارب لبن الخنزيرة ما عدا الطير فالأقوى الطهارة فهو مستثنى من القاعدة.

    وأبوال الدواب الثلاث كالأبوال النجسة وإن كانت محللة اللحم على كراهة للدليل بخلاف أرواثها.

    ولا تنجس فضلات المأكول حتى الدجاج ، ولا فضلة ما لا نفس له.

    والدم والمني من ذي النفس وإن كان لحمه حلالاً، ولا ينجسان من غير ذي النفس لو إتفق ذلك ،ولا القيح إلا أن يكون قد خالطه الدم وإن كان غليظاً ،ومثله الصديد ، ولا ينجس مالا يقذفه المذبوح من الدم ، ومنه العلقة وإن كانت في البيضة.

    والميتة من ذي النفس السائلة أيضاً حلّ أكله أو حرم، وكلما أبين منه في حال الحياة إلا ما لا تحله الحياة منها وهي عشرة، الأنفحة  منها وكذا البيضة مع اكتساء القشر الصلب وكذا اللبن لا الجلد.

    والكلب والخنزير البريان وفروعهما، وفروع ما تولّد بينهما وبين الطاهر العين من الحيوان، حيث يصدق اسم أحدهما عليه، أو بعد اختباره بالعلامات من الجانبين كما ورد به النص، ولعابهما وأجزاؤهما وإن لم تحلّها الحياة نجسة كأصلها وإن جاز العمل والإنتفاع بها كشعر الخنزير للخرز وللإستسقاء به، وليس كلب الماء وخنزيره تشملهما أخبار النجاسة فسيجيء في لباس المصلّي ما يدل على طهارة كلب الماء بل صحة الصلاة فيه لأنه الخز.

    والخمر، بجميع أقسامه السبعة بل كل مسكر مائع بالأصالة.

    واجتناب العصير العنبي إذا غلي قبل ذهاب الثلثين والتطهير منه فيه للسلامة والإحتياط لدلالة بعض الصحاح عليه، وأنه أحد أنواع الخمرة.

    والفقاع وإن لم يسكر بالفعل سواءاً أتخذ من الزبيب أو الشعير بعد وجود الخاصة وصدق الاسم.

    والكافر بجميع أنواعه سواءاً جحد الإسلام أو انتحله أو جحد بعض ضرورياته كالخوارج والغلاة والمجسّمة والمشبهة.

    والأقوى طهارة المسوخ، والسباع، والفأرة، والوزغة، والثعلب، والأرنب، والحيّة، والأقوى نجاسة عرق الجنب من الحرام، وعرق جلال الإبل بل مطلق الجلال.

    وليس المذي منها وإن خرج بشهوة ولا القيء.

    أما فرق المخالفين ممن ينتسب إلى الاسلام ولا يُقال عليه النصب فالإحتياط في إزالة أثره مع الرطوبة إلا في التقيّة.

    ولا ينجس الماء الذي تموت فيه العقرب ولا طين المطر في الطرقات بعد ثلاثة أيام إلا بعلم النجاسة وإن استحب ازالته بعد ثلاثة أيام.

    البحث الثاني: في المطهرات :

    وهي أيضاً بالحصر والإستقراء عشرة:

    الماء وهو يطهر سائر المتنجسات بهذه النجاسات العشرة ولا يطهره إلا نفسه لأنه يطهّر ولا يطهر كما في المستفيضة.

    والأرض تطهّر أسفل القدم والنعل والخف وما يلبس في الرجل من الجورب، وخشبة الأقطع مثلها لقيامها مقام الرجل، بشرط أن تكون طاهرة مزيلة للعين والأثر بالوطئ أو بالمسح، ولا يقدر بقدر، واعتبار خمسة عشر ذراعاً ليس بتقدير لازم بل تحصيلاً لليقين الغالب، ولا فرق في الأرض بين أن تكون جافةً أو رطبةً وإن كانت الجافة أحوط.

    ومنها آلات الإستنجاء الأرضية إذا لم يتعد المخرج، وإناء الولوغ أول غسلة لكنه جزء مطهر، وفي المستفيضة (أن الأرض تطهر بعضها بعضاً ) فيكون اشارة إلى أن ما نجسته الأرض ببعض أجزائها يطهره البعض الآخر عند الغلبة عليه والإستيلاء.

    والشمس لما جففته من كل نجاسة لم يبق لها جرم من الأرض والبواري والحصر وكل ما يشق نقله، وتطهيرها حقيقي وليس بعفوي، نعم تطهير الريح إذا جففته عفوي، ولو انضمت الريح للشمس كان غير مطهّر، والمطهر هو الشمس إلا أن تكون الريح جففته أولاً ثم أشرقت عليه الشمس فإنها غير مطهرة، وعموم تطهيرها لما أشرقت عليه كما في بعض الأخبار المعتبرة مقيد بالأخبار الأخر ، وكذا ما نفي تطهيرها مقيد بذلك.

    والإسلام لبدن الكافر والمرتد ولما نجسه الكفر إن كان اسلامه مقبولاً، ظاهراً  وباطناً ، فلا يتأتى في الفطري بعد ارتداده فإنه وإن قبل باطناً لكن لا يقبل ظاهراً، وفضلاته الطاهرة من المسلم ، وكذا ما لا تحله الحياة تابعة له في النجاسة فيطهرها الإسلام إن لم تكن منفصلة قبله.

    ولا يطهر ما كان باشره برطوبة من إناء أو ثوب أو غيره قبل الاسلام، وكذا النجاسة الخبثيّة التي على بدنه لا يطهرها الاسلام، وكذا الحدثية لا يطهرها إلا مطهرها كما تقدّم، والمشتبه بالمسلم المحصور إن ميّز بالعلامة المتقدّمة كان حكمه معيناً وإلا فالجميع نجس.

    وأدوات الاستنجاء غير الأرضية والمائية كالكرسف والخشب وكل قالع للنجاسة غير محرّم ولا محترم كما مرّ .

    والإستحالة بالنار بحيث تخرجه عن هذه الحقيقة ويصير رماداً أو دخاناً، أما ما أحالته خزفاً أو آجراً فلا، وفي الجص الموقود عليه بالعذرة وعظام الموتى تورثه التطهير ويزداد قوة بالماء.

    وبصيرورة الخمر والنبيذ والعصير النجس خلاً وإن كان بعلاج إلا إذا كان فيه نجاسة أخرى.

    وبالحيوانية الطاهرة أصولها، ومنه الدود من العذرة، وحب القرع وغيره من الباطنة وإن كانت ناشئة من العذرات والفضلات النجسة، وصيرورتها تراباً كصيرورة العذرة والدم تراباً أو ملحاً كما لو صار الكلب ملحاً.

    والإنتقال إلى الحيوان الذي لا نفس له كدم البراغيث والبق.

    وبصيرورته نباتاً وكلما نما بالماء النجس وشبهه.

    وبصيرورته فضلة حيوان مأكول اللحم.

    وبنقص ثلثي العصير بالغليان ولو بالشمس والهواء الحار حيث يكون غليانه بهما إذ التطهير تابع للتنجيس في تسبيبه.

    ونزح البئر إذا تغير بالنجاسة حتى يزول التغيير أو نزح جميعه فيما ينزح جميعه أو بأحدهما على تقدير التخيير.

    وزوال العين من البواطن كالعين والأنف والفم وصماخ الأذن والإحليل وفرج المرأة ، والحيوان من غير الانسان وإن لم يغب أما مع الغيبة فلا اشكال حيث لا يوجد الأثر عند الملاقاة، وليس الدبغ عندنا مطهراً.

    البحث الثالث: في الأحكام والفروع:

    وفيه مقامات :

    المقام الأول :

     تجب وجوباً غيرياً ازالة النجاسة عن الثوب والبدن للعبادات المشترطة صحتها بذلك كالصلاة مطلقاً والطواف الواجب ودخول المساجد مع التعدي لا مطلقاً، وعن الأواني لاستعمالها في ما يجب كالطهارة بمائها، وكالأكل الواجب، وعن المصاحف ، والضرائح المقدسة ، والمشاهد ، والوجوب فيها نفسي ، ولا يستقر الوجوب إلا مع استقرار سببه وعدم غير النجس.

    والواجب الاتقاء، ثم إن كان بدناً أو إناءًا أو شبهه فالصب عليه كاف بعد زوال العين، وإن كان ثوباً يمكن عصره وجب لاخراج ماء الغسالة بعد غسله المقرر، واتباع كل غسلة بعصر هو المطهّر بيقين سواء كانت شطراً أو شرطاً، وهذا في غير الجاري والكثير.

    ويجب في البول مرتان والأحوط اعتبار الثلاث في المني حيث يغسل في القليل.

    ويجب في الإناء من ولوغ الكلب غسله أول مرة بالتراب ثم مرتين بالماء ثم التجفيف بعدهما أحوط.

    وليكن الماء والتراب طاهرين وإلا تنجسا بملاقاة المطهّر، ومع تعذر التراب يقتصر على الماء، وإن عفره بما يشابه التراب من الأشنان كان أحوط، ويجب بالتراب ولو أورثه فساداً وإلا بقي على النجاسة.

    ويستحب في الكلب السبع أولاهنّ بالتراب، وفي الفأرة والخنزير والخمر التثليث سوى الوسط فلا بد من السبع لصحة المستند، والسبع في الأول والأخير مستحب.

    وفي ما سوى هذه من المتنجسات بسائر النجاسات يكفي مطلق الغسل في الراكد والجاري، ويسقط التعدد إلا على سبيل الاستحباب أو عند توقف النقاء والإزالة عليه.

    ولا يجب مزج التراب في ولوغ الكلب بالماء، ولا يتكرر بتكرر الولوغ اتحد الكلب أو تعدد، وكذلك الخنزير، ولو ولغ في أثناء التطهير استؤنف، ولو تنجّس بالولوغين فالسبع بالماء بعد التراب، بخلاف نجاسة أخرى مع ولوغ الكلب فإنها تتداخل، وكذلك تتداخل النجاسة الأخرى مع نجاسة الخنزير والفأرة، وبتعدد الخنزير والفأرة فالسبع كافية، ولو اجتمعتا فالأحوط التداخل.

    وأما أواني الخمر فالقرع والخزف غير المغضور والخشب كلها قابلة للتطهير منه كغيرها بعد الاستظهار، وإن كان اجتناب المزفت والنقير والدباء والحنتم لمجيء النهي عن استعمالها بعد التطهير، وجعل نهيها للكراهة كما هو المشهور قوي، وإن كان مثل الفرش والحشايا يصب الماء على ظاهرها ولا يحتاج إلى النفاد للباطن، إلا أن يعلم بالسراية له، فيصب عليها حتى يبرز من الجانب الثاني، ولا يجب الدق ولا التغميز بدل العصر.

    وينبغي غسل لبن الجارية عن الثوب والبدن ، وتنضح الأرض من جميع جهاتها إذا كان الماء في الساقية مستنقعاً قليلاً ويتخوف أن تكون السباع قد شربت منه ، وأراد الاغتسال منه أو الوضوء للصلاة فينضح كفاً من خلفه وكفاً عن يمينه وكفاً عن يساره ، ووجه الحكمة في الأرض خفي وكذلك في البدن إذا كان محلاً لذلك النضح كالأرض.

    وترش كل نجاسة موهومة عند ملاقاتها مع يبسها لليابس حتى الأرواث الطاهرة والأبوال، ولو شُرب نجساً فالأقوى وجوب استفراغه إن أمكن، وكذا لو احتقن في جلده دم، أو جبر عظمه بعظم نجس العين، أو خاط جرحه بخيط نجس حيث يمكن، ولو خيف الضرر سقط.

    والرائحة واللون العسر الإزالة معفو عنهما كدم الحيض، وإن استحب صبغه بالمشق، ولو اشتبه النجس بغيره غُسِلا اتحد الثوب أو تعدد ، ولو كان في غير محصور سقط.

    وتطهر الأرض بالغيث إذا جرى ، وبالجاري ، والزائد على الكر بيقين، وبالراكد القليل إذا غلب على النجاسة وأزالها، وبالشمس كما تقدم، وبردمها بالطاهر، وبكشط النجاسة عنها حتى في أرض المساجد لصيرورة النجسة من البواطن عند القاء التراب عليها.

    ولا يطهر الصقيل كالسيف والمرآة بالإزالة بغير التطهير، ولو غسل بعض الثوب طهر ما غسله ولا سراية، ويكفي في بول الرضيع الصب إذا لم يتغذّ بالطعام.

    ولا تطهر المتنجسات بالمضاف، ولا بسائر المائعات غير الماء حيث يكون التطهير بالغسل، وما لا يمكن نقل الماء عنه إلا إذا ضرب بالكثير حتى تخلله الماء.

    ويشترط في الطهارة الخبثية ورود الماء على النجاسة فلو عكس نجس الماء القليل ولم تطهر إلا في تطهير الأواني فإنه تكفي الملاقاة ثم الإفراغ.

    ويسقط الغسل الواجب فيما عفي عنه من النجاسات، مثل الدماء غير الثلاثة وإن خالطه مائع آخر إذا نقص عن الدرهم البغلي سعة في غير البدن، وفي البدن إذا كان قدر الحمّصة فما دونها من دم الإنسان نفسه، أو كان دم جرح أو قرح لا يرقى ولا يبرأ ظاهرة أو باطنة، والأحوط غسل الثوب في اليوم مرة أو مرتين.

    والمتفرق من الدم ولم يبلغ قدر الدرهم معفو عنه وإن تفاحش، ويستحب غسله اذا كان مسفوحاً، ولو نفذ الدم في الرقيق فواحد وفي الغليظ اثنان، وعن كل دم لا يرقى أو تتعذر إزالته لعدم المطهر.

    وعفي أيضاً عن المربية للمولود إذا لم يكن لها إلا ثوب واحد إذا غسلته في اليوم والليلة مرة، ويستحب جعلها آخر النهار أمام الظهرين لتتفق لها الصلاة مع الطهارة فيهما ، وفي المغرب والعشاء لتقاربها، ولا يعفى عن غير بول الصبي من النجاسات.

    ولو وجدت المربية ثوباً طاهراً ولو بأجرة مقدورة لها وجب تحصيله واستعماله وانتفى العفو، ولو وجده صاحب الجروح والقروح لم يجب لعموم العفو، وكذا لو أمكن التطهير، وإن كان الإبدال أحوط، ويستحب غسل الثوب مع تفاحش التفرق.

    وعفي أيضاً عن نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه وحده كالتكة والجورب والخف والقلنسوة والنعل والزنار والخاتم وحلي النساء والسيور والعمامة، وكذا ما صحبه ولا يعتبر كونها ملابس، ولا كونها في محالها وكذلك القارورة المضمومة والدبة من جلد ميت، وفارة المسك، ولا بأس بالصلاة فيها إذا كانت ذكية ولو بوجودها في أيدي المسلمين أو في أسواقها.

    وتجوز الصلاة في أثواب الصبيان والمتهم ومن لا يتوقّى النجاسة على كراهة ، وثياب شارب الخمر ، والقصابين والمجوس وأهل الكتاب بل المشركين بدون غسل مالم تعلم النجاسة، لكن يستحب غسلها، وظن النجاسة غير مضر ولو استند إلى شهادة عدل، أما شهادة العدلين وإخبار المالك فيجب لهما القبول وإن لم يبين السبب ولم يثمر العلم.

    المقام الثاني :

    لو صلّى مع النجاسة غير المعفو عنها عالماً عامداً مختاراً أعاد مطلقاً، ولو نسي فالأقرب استحباب الإعادة وقتاً وخارجاً، والجاهل لا يعيد مطلقاً، وتستحب الإعادة في الوقت.

    وجاهل الحكم لا يعذر، ولو علمها في الأثناء وتبين سبقها بنى على حكم الجاهل بالنجاسة، والأقرب إزالتها أو الإبدال إن أمكن ولم يفتقر إلى فعل كثير، وإلا استأنف مع سعة الوقت واستمر مع ضيقه، ومع عدم العلم بسبقها لا يُعيد مطلقاً بل يزيلها مع الإمكان ولو بالقطع ، وإن نقصت قيمته به مالم يتضرر بذلك فيصلي فيه، ولو لم يجد إلا ثوباً نجساً ولم يمكن ازالة النجاسة عنه وكانت هناك ضرورة صلّى فيه وجوباً ولا اعادة، ولو انتفت الضرورة تخيّر بين الصلاة فيه أو عارياً والأول أفضل .

    والمشتبه بالنجس المحصور وتعذّر الطاهر بيقين زاد في عدد الصلوات على عدد النجس بواحد مع سعة الوقت، ومع الضيق يُصلي فيما يحتمل الوقت أو عارياً صلاة واحدة، ولو كان بغير محصور حكم بالطهارة وصلى فيما شاء.

    وإذا صلّى في المشتبهين فليصل الواحدة في كل واحد ثم يصلي الأخرى كذلك، ولو صلاهما في واحد ثم صلّى في الآخر فالأقرب عدم الإجزاء، ولو صلّى الأولى في ثوب منهما والثانية في الآخر ثم الأولى فيه ثم الثانية في الأول صحت الصلاة في الأول لا غير لإمكان طهارة الثاني، وإذا كانت الصلاتان لا ترتيب بينهما صحّتا معاً ولو لبس الثوبين وصلّى فيهما معاً كانت باطلة، ولو غسل أحدهما وصلّى فيه وحده صحّت قطعاً.

    المقام الثالث: في أحكام الآنية :

    المتخذة من الذهب والفضة وغيرهما ، ويحرم استعمالهما إن اتخذت منهما على سبيل الإنفراد أو الإجتماع في أكل وشرب ووضوء وغسل وجميع الاستعمالات بل يحرم اتخاذها بغير الاستعمال لأنها {متاع الذين لا يوقنون}، ولا فرق بين الرجل والمرأة، أما المذهبة فحرام ، والمفضضة مكروهة غير أنه يجب اجتناب موضع الفضة.

    ولو تطهر من آنية الذهب أو الفضة أو صب بهما أو جعلهما مصبّاً لماء الطهارة صحّت وإن فعل حراماً لخروجها عن حقيقة الطهارة، والمتخذ من هذين في غير الآنية والظروف موضع خلاف، والأحوط الإجتناب، أما المذهب والمفضض من غيرها فيجوز على كراهة إلا في المرآة والسيف والقضيب واللجام، ولا يُحرم تمكين الصبي من الحلي من الذهب، ولا بأس بتحلية المصاحف.

    ويجوز اتخاذها من الجلود، ويشترط طهارة الحيوان والتذكية، وفي اشتراط الدبغ في غير المأكول كلام أقربه عدم الإشتراط نعم يستحب.

    ولا يشترط طهارة ما يدبغ به ، وإن وجب غسل ما دبّغ بالنجس بعده، وكذا لا يجب قصد الدبغ فلو وقع في المدبغة طهر مع التأثير.

    والمتخذ من حيوان البحر مما لا نفس له سائلة طاهر سواء كان حيّاً أو ميتاً وكذا من عظام الحيوان الطاهر.

    والمتخذ من سائر الأشياء يشترط طهارته ، ويجوز استعماله وإن كان من الجواهر الغالية النفيسة، وأواني المشركين وأهل الذمّة الأصل طهارتها كسائر ما بأيديهم حتى تتيقن النجاسة، ومتخذ الإناء من جلد الميتة يُحرم عليه ما باشره من المائع إلا إذا كان الملاقي له من الماء مما لم ينجس بالملاقاة كالكثير والجاري وتصح الطهارة منه حينئذٍ.

الطرف الخامس : في أحكــام المــياه

    وهو مشتمل على مباحث ثلاثة:

    البحث الأول: في المطلق :

    وهو المنساق اليه الفهم عند اطلاق اللفظ المستغني عن القرائن الممتنع عنه السلب، وهو الطاهر في نفسه المطهّر لغيره من الحدث والخبث من أصل الخلقة وإن مازجه طاهر لا يخرجه عن اسمه، وإن تغير وصفه نعم تكره الطهارة به لو كان آجناً، ولو أخرجه عن الإسم فمضاف ولو لاقته نجاسة فأقسامه ثلاثة:

    ( الأول ) الجاري :

    وهو النابع عن مادة غير البئر، ولا ينجس مثله إلا بالغلبة على أحد أوصافه الثلاثة: اللون والطعم والرائحة، ولو عرض التغيير لبعضه اختص بالتنجيس دون ما فوقه مطلقاً وما تحته كذلك إلا إذا استوعب التغيير عمود الماء ولم يكن كرّاً فصاعداً.

    وماء المطر نازلاً كالجاري، وكذا ماء الحمام المتصل بالمادة قليلاً كان أو كثيراً، ولو كان الجاري بلا مادة فهو راكد ينجس بملاقاة النجاسة عند نقصه عن الكر.

    وطهر الأول بالتدافع حتى يزول التغيير، وكذلك فيما كان بمنزلته كماء الحمام، وأما غيره من المياه فليس قابلاً للتطهير، إلا إذا اتصل به الجاري، أو الكثير المستهلك فيه، وكذلك ماء المطر.

    والمعتبر في التغيير المحسوس لا المقدّر، إلا أن يكون مشتملاً على صفة تمنع من ظهور التغيير فيُعتبر التقدير، والجرية حكمها حكم النهر وإن نقصت عن الكر ومرت على النجاسة القائمة ما دامت متصلة.

    ( الثاني ) الواقف :

    وما كان منه كراً قدره وزناً ألف ومائتا رطل بالعراقي، والرطل وزن مائة وثلاثين درهماً، وبالمساحة سبعة وعشرون شبراً ناشئة من ضرب أبعاده الثلاثة بعضها في بعض، وما زاد على ذلك كما ورد به الدليل على جهة الإستحباب.

    وهذا لا ينجس إلا بالتغيير في أحد أوصافه الثلاثة كالجاري، ولا فرق بين أن يكون في الآنية والحياض والغدران وغيرها ، ولو تغيّر بعضه اختص التنجيس بالمتغيّر، ثم إن كان الباقي كرّاً طهر بتموجه وزوال التغيير وإلا نجس بالملاقاة لكونه دون الكر.

    وما ينقص عن الكر ينجس بالملاقاة مع علو النجاسة ومساواتها وإلا فلا.

    وما لايدركه الطرف من الدم إذا تحققت ملاقاته كان كسائر النجاسات، ولا يغتفر نقص شيء من الوزن أو المساحة وإن قلّ .

    ولا يطهر المتنجّس من القليل إلا باستهلاكه في الكثير أو الجاري وما جرى مجراه لا مجرد الإتصال، ولو وجد نجاسة في الكر وشكّ في سبقها عليه فالأصل الطهارة، ولو شك في البلوغ فالنجاسة، ولو أخذ ماءآً من الكثير وفيه نجاسة قائمة غير مغيرة له فنقص بها فالمأخوذ طاهر وباطن الإناء والباقي نجس، أما لو كانت مستهلكة فالجميع طاهر.

    ( الثالث ) ماء البئر :

    وهو الذي يُقال عليه هذا الإسم في العرف العام، وهو كالجاري لا ينجسه إلا التغيير إلا أنّ له أحكاماً  وخواص فارق الجاري بها حيث لا يطهره إلا النزح الموجب لزوال التغيير أو بنزح جميعه، وأمّا بدون التغيير فهو طاهر مطهر، وأخبار نزحه المقدّر وغير المقدّر محمولة على النزاهة ودفع النفرة ، ويرشد إليها اختلاف الأخبار في النجاسة الواحدة والأمر به مع ميتة غير ذي النفس وملاقاة بدن الجنب المنفك عن النجاسة.

    وحيث يجب نزحه أجمع بتغييره ببعض النجاسات ويتعذّر يجب التراوح عليه اثنين اثنين من الغداة إلى الغروب ثم يُستعمل بعد ذلك، وليكن النازحون له رجالاً اثنين اثنين، ويُعتبر في الدلو المعتادة عليه ، ويستحب أن تكون تسعة وثلاثين رطلاً.

    ويسقط النزح بغور الماء، ولو عاد فهو طاهر، ويعفى عن المتساقط وعن جوانب البئر وعن حمأة البئر وما أصاب المانح والمائح، ولو زال تغيّرها من نفسها فهو كالباقي في نزح الجميع أو ما كان يزيل التغيير لو دام، ولو تغيّرت بالجيفة حكم بالنجاسة من حين التغيير.

    ولا يطهر الماء بزوال تغييره من قبل نفسه، ولا بتصفيق الريح، ولا بإتصال أجسام طاهرة تزيل عنه التغيير، وحيث أن المدار على التغيير في نجاسة ماء البئر تداخلت النجاسة في النزح سواء تماثلت أو اختلفت، ولا يكفي اخراج الدلاء بإناء كبير دفعة واحدة، والنية غير معتبرة ، ويصح من الصبي والساهي والجاهل بالنجاسة في غير التراوح.

    البحث الثاني: في المضاف والأسار :

    والأول عبارة عن الماء الذي لا يقال عليه الماء إلا بقيد، وهو مقابل المطلق كمياه الأنوار ، وعصارة الأشجار ، وما مزج بالأجسام حتى سلبه الإطلاق كماء العجين والزعفران، وهو في نفسه طاهر غير مطهر من الحدث والخبث اختياراً واضطراراً.

    ويتنجّس بملاقاة النجاسة وإن كثر، ولا يطهر بعد تنجّسه إلا بغلبة الماء المطلق عليه بحيث يكون ماءاً مطلقاً فلا يكفي ملاقاته للكر إذا بقي اسمه، وإذا نجس لم يجز استعماله.

    وأما السؤر فهو عبارة عن ماء قليل باشره فم حيوان، وربّما يُقال على ما باشره جسمه، وهو تابع للحيوان في الطهارة والنجاسة لاالكراهة ، نعم يكره سؤر مالا يؤكل لحمه كالجلال وسؤر آكل الجيف مع خلوّه من النجاسة والحائض المتهمة ، وكذلك المرأة الجنب إذا لم تكن مأمونة، وسؤر الفأرة والحيّة وما مات فيه العقرب والوزغ.

    البحث الثالث: في الأحكام والفروع :

    يُحرم استعمال الماء بعد تنجسه ولو بالملاقاة في الطهارة الحدثيّة وإزالة النجاسة الخبثية، بل في جميع الإستعمالات إلا في الضرورة الشرعية وإذا أوجبته التقية أو لحصول العفو، فيعيد الصلاة لو صلّى بطهارة منه عمداً كان أو نسياناً أو جهلاً في الوقت وخارجه، وأمّا ما أزال به النجاسة فحكمه حكم الصلاة في الثوب النجس، ويجوز سقي الحيوان منه على كراهة لا الأطفال، وكذا يجوز أن يُسقى به الشجر والزرع.

    وماء الغسالة من أي نجاسة كانت حيث تكون واردة على المحل ولم تتغيّر بالنجاسة الأظهر طهارتها سواء كان في الأولى أو الثانية أو ثالثة الولوغ أو سبع الخنزير ، وكذلك ماء الإستنجاء مالم يتلوّث بالنجاسة أو تلاقيه نجاسة من خارج من غير فرق بين المتعدي وغيره.

    والمستعمل في رفع الحدث الأصغر طاهر طهور ، وكذا في الأغسال المندوبة، وفي الحدث الأكبر وفي الخبثيّة غير الإستنجاء أو مطلقاً طاهر غير مطهر، أما غسالة الميت فنجسة بالاتفاق والنصوص.

    وتكره بالشمس في الآنية وإن كان جوهرها صافياً أو في قطر بارد قصد تشميسه أم لا، وكذا يكره تغسيل الأموات بالمسخن بالنار إلا أن يخاف الغاسل على نفسه أو على الميت لو كان حياً فيوقيه ما يوقي نفسه، وماء البحر كغيره، ولا تكره الطهارة من ماء زمزم من الخبث ولا بماء الميزاب ولا بالفرات.

    ولا ينجس القليل بموت الحيوان غير ذي النفس فيه، ولو شك في نجاسته لم يلتفت لأصالة الطهارة، أما لو كان بالعكس فالعكس لوجوب البناء على اليقين السابق وإلغاء الشك اللاحق، ولو شك في نجاسة الواقع استصحب الطهارة، ولو بلغ المستعمل في الكبرى كراً لم يزل المنع بخلاف ما لو ارتمس ابتداءاً فيه وفي الجاري.

    وغسالة الحمام ممنوعة الإستعمال إلا مع العلم بخلوّها عن النجاسة فإن فيها غسّالة اليهودي والنصراني وولد الزنا والجنابة من الحرام.

    وحيث تكون البالوعة إلى جنب البئر فهو باق على التطهير حتى تتصل نجاستها به ويقع التغيير،  نعم يستحب تباعده عن البالوعة بخمس أذرع مع صلابة الأرض أو فوقيّة البئر وإلا فسبع، والأحوط اعتبار اثني عشر ذراعاً مع رخاوة الأرض وتحتية البئر وإلا فسبع.

    ولو تمم المطلق بالمضاف وبقي الإطلاق وجبت الطهارة به وإزالة النجاسة، ويتخير بينه وبين المطلق المحض، ولا يجب المزج لو فقد غيره.

    ويعتبر في حيوان الماء النفس السائلة كالبري، ولو اشتبه موت الصيد من ذي النفس في قليل الماء اجتنبه لأصالة عدم الذكاة اللازمة لنجاسة الماء، إلا أن يكون رأسه خارج الماء، ولا يصح القلب إذ طهارة الماء لا تستلزم حل الصيد.

    ولو أصاب الماء دمُه فلا بحث في نجاسته به، والجامد من الماء كبقية الجامدات فلا ينجس بالملاقاة سوى ما اتصل بها، ولا تنفع كثرته انفعال الملاقي، ولا تمنع أيضاً نجاسة قليل الماء المتصل به.

    ولو نجس أحد الإنائين أو الأواني المحصورة حكم بنجاسة الجميع ، ولو انحصر الماء فيها انتقل إلى التيمم، ولو أصاب ماؤها طاهراً تنجس لحكم الشارع عليها بالنجاسة، ولا يجزي التحرّي فيها إلا للشرب، ولا تجب الإراقة قبل التيمم لكونه في حكم العدم، والأمر بالإراقة الواقع في أخبارها كناية عن عدم الاستعمال، ولو استعملهما مجتمعين أو منفردين لم تصح الطهارة لحكم الشارع بنجاستهما بخلاف المطلق المشتبه بالمضاف.

    ولو تعارضت البينتان في الإنائين على وجه لا يمكن التدفيق لعدم المرجح كان كالإشتباه ويحتمل التساقط والحكم بطهارة الماء.

    ولو امتزج المطلق بمضاف يساويه في الصفات كماء ورد مفقود الرائحة فإن غلب أحدهما فالحكم له، وإن تساويا فالأحوط الإستعمال واتباعه بالتيمم.

    ولو عجن بالماء النجس لم يطهر بالخبز إلا أن يكون ماء البئر ، وعليه يحمل ما دل على طهارته.

 

 

كتاب الصلاة

    وهي لغة الدعاء، وعرّفوها شرعاً بتعريفات أحسنها هي: (الأفعال المعهودة، والأذكار المحدودة، المفتتحة بالتكبير، والمنتهية بالتسليم، تقرباً إلى الله تعالى).

    وهي تنقسم إلى واجب ومندوب ومحرم ومكروه ولو بإنضمام ضميمة.

    فالواجبات سبع: الخمس اليومية ، والجمعة عند استكمال شرائطها الآتية، فهي إحدى الخمس في يوم الجمعة، والعيدان، والآيات، والجنازة، والطواف المفروض، والمنذورة وشبهها، أما القضاء وصلاة الإحتياط فتابعان لأحد الأقسام.

    فاليومية الظهر، والعصر، والعشاء وهي أربع ركعات حضراً وركعتان سفراً وخوفاً، والصبح ركعتان، والمغرب ثلاث حضراً وسفراً وخوفاً، والوسطى منها هي الظهر في سائر الأيام ، والجمعة في يومها، ولا يكره تسمية العشاء بالعتمة، ولا الصبح بالفجر لشهادة الأخبار بذلك، والمحرّم صلاة الضحى.

    والمندوب إما راتبة أو غيرها، والراتبة ثمان للظهر قبلها، ومثلها للعصر كذلك، وأربع للمغرب بعدها، وركعتان من جلوس للعشاء الآخرة بعدها، وثمان صلاة الليل، وركعتا الشفع ومفردة الوتر، وركعتا الفجر قبل صلاة الغداة.

    وفي السفر تسقط منها نوافل المقصورات حتى الوتيرة على الأحوط.

    وكل النوافل مثنى مثنى بتشهد وتسليم إلا مفردة الوتر، وبعض النوافل المذكورة في الغفيلات، وصلاة الاعرابي، ولا تنعقد الزائدة على ركعتين ولو نذرها ، ولا الركعة أيضاً، وستأتي بقية الصلوات ، وبيان مواضع الكراهة إنشاء الله تعالى.

    والنظر في مقدماتها ومقاصدها،والأول منها في المقدمات حيث أنها شرائط في صحتها، وهي بالإستقراء الشرعي ستة:

الأولى : في المواقيت

وفيها بحثان

    البحث الأول: في تقديرها

    فوقت الظهر أوله زوال الشمس، المعلوم شرعاً بزيادة الظل بعد نقصه، أو حدوثه بعد عدمه كما في بعض البلدان التي تسامت الشمس فيها رؤوس أهلها في أحد الميلين، كمكة وصنعاء والمدينة في بعض الأزمنة، وبميل الشمس إلى الحاجب الأيمن لجاعل الجدي على منكبه الأيمن، فإذا مضى قدر أدائها دخل وقت العصر، ثم يشترك الوقتان إلى أن يبقى قبل الغروب قدر العصر تامّة أو مقصورة فتختص به ثم يدخل وقت المغرب وستجيء علامته، وتختص بقدر أدائها ثم تشترك مع العشاء إلى أن يبقى إلى انتصاف الليل قدر العشاء فتختص به.

    ويعلم الغروب بذهاب الحمرة المشرقية، لا بمجرد استتار القرص فإنه غير مجز إلا في حال التقية، ولا يتوقف على ظهور ثلاثة أنجم ولا على ظهور نجمين.

    وأول وقت الصبح طلوع الفجر الثاني المستطير في الأفق إلى طلوع الشمس وهو بروز قرصها من الأفق.

هذا وقت الإجزاء، وأمّا وقت الإختيار والفضيلة فالظهر بصيرورة الظل مثل الشخص وقامته زيادة على ما زالت عليه الشمس، وللعصر مثلا قامة الشخص، وللمغرب غيبوبة الشفق المغربي، وللعشاء ثلث الليل، وللصبح طلوع الحمرة، وأهل الأعذار يدركون الفضيلة وإن أخروا وغيرهم يدرك الأدنى.

    وتدخل نافلة الظهر بدخول الظهر وتنتهي بالقدمين الزائدين على مقدار الزوال، ونافلة العصر بدخول العصر إلى أربعة عبارة عن الذراعين المعبّر بهما في الأخبار، وليس وقت النافلة تابعاً لإختياري الفريضة.

    ونافلة المغرب بعد الفراغ منها إلى ذهاب الحمرة المغربية وهو الشفق المغربي المعروف، والوتيرة تمتد بوقت العشاء، ويختم بها النوافل استحباباً.

    والليلية من انتصاف الليل إلى طلوع الفجر ، وكلما قربت منه كان أفضل، وركعتان للفجر بعد الفراغ من الوتر إلى طلوع الفجر الصادق ، وتأخيرها إلى الفجر الأول أفضل، ومنتهى وقتها ماذكرناه لا ظهور الحمرة المشرقية ، وكلما دلّ عليها من الأخبار فهو تقيّة.

    ويكره إبتداء النوافل وهي غير الراتبة وذات السبب عند طلوع الشمس وغروبها، وقيامها في دائرة نصف النهار إلى الزوال، ويستثنى من ذلك يوم الجمعة في نافلتها، وبعد صلاة الصبح والعصر  ،ولا فرق بين سائر البلدان وبين مكة.

    وليس اعادة المصلي منفرداً إذا وجد جماعة من النوافل المبتدأة بل هي كذات السبب فلا تكره في هذه الأوقات الخمسة.

    البحث الثاني: في الأحكام والفروع المتفرعة على أحكام المواقيت

    فتجب الصلاة لأول الوقت وجوباً موسعاً فمؤخرها لظن البقاء غير مأثوم وإن لم يحصل الفضل، وإن مات فإن العزم يقوم مقام العمل إلى أن يضيق أو يحصل ظنّ الوفاة بإمارات دالة عليه.

    ويستحب استحباباً مؤكداً التعجيل في أوله حتى في العصر، نعم الأفضل تأخير العشاء إلى ذهاب الشفق المغربي، وللمنتفل في الظهرين إلى الذراع والذراعين، والمستحاضة للجمع، وكذلك صاحب السلس، والمفيض من عرفة ناسكاً يؤخر العشائين إلى المزدلفة ، ولو ذهب ربع الليل و ثلثه، والصائم إذا توقعه غيره للإفطار معه أو نازعته نفسه، وللإبراد بالظهر في شدة الحر، ولإنتظار الجماعة إماماً كان أو مأموماً مالم يطل الزمان، وفي نافلة الليل ونافلة الصبح إلى ماقرب من الفجر.

    وبقيت هنا مواضع كثيرة تشعر بأرجحية التأخير إلا أن أكثرها ضعيف المستند ومن هنا تركنا ذكرها وقد ذكرناها في كتابنا الكبير الموسوم بالرواشح.

    ولا يجوز التقديم على الوقت إلا في نافلة الليل للمسافر والشاب والمرأة وشبهها من أهل الأعذار إلا أن القضاء أفضل، وكذا في نافلتي الظهرين يوم الجمعة فإنها تصلّى قبل الزوال.

    ويستقر الوجوب للمكلف بمضي قدر الطهارة وأداء الفريضة، فلو حصل المانع بعده كالحيض والنفاس والمرض الغالب وجب القضاء بعد التفريط السابق.

    ولو أدرك الصبي وأفاق المجنون وطهرت الحائض والنفساء وأسلم الكافر وأفاق المغمى عليه آخر الوقت وتمكن من فعل ركعة بعد الطهارة وجب الأداء فإن أخلّ فالقضاء، ولو أدرك خمساً في الظهرين والعشائين وجبتا معاً ، والأربع بحالها للعصر، وإن صلّى الظهر في ثلاث منها فلا يجب عشاءان بأربع لانفراد العشاء بها.

    فلو ظن الضيق في الوقت وجب عليه المبادرة لأن المرء متعبد بظنّه، فإن أخر عصى فإن ظهرت السعة والوقت باق فأداء، ولو نوى القضاء بظنّ الخروج فتبين العكس أجزأ مع خروج الوقت وأعاد مع بقائه ، ولو ظنّ البقاء فنوى الأداء فكذب ظنّه أجزأ ، ولو كان عليه فائتة سابقة إلا أن ينكشف الحال وهو في الصلاة فيجب العدول مادام ممكناً.

    ولا يكفي الصبي ما فعله لو بلغ في أثناء الوقت، ولا يعتد بطهارته السابقة على الأحوط، ولو بلغ في الأثناء بغير الحدث أبطلها مع بقاء الوقت لركعة والطهارة وإلا بنى على نافلته، ويعيد المصلّي لما صلاها قبل الوقت عامداً وإن كان دخل عليه وهو في أثنائها، والظان والناسي إلا أن يصادف شيئاً من الوقت.

    ويجب على المكلّف في الدخول في المؤقتة معرفة الوقت ومراعاته مع التمكن، فلو أوقعها بغير مراعاة بطلت إلا مع حصول اليقين، ولغير العارف بالوقت الإعتماد على المؤذنين العدول، والثقات ولو من العامّة إذا كان لا يؤذن إلا بوقت ، وكذلك المخبر بالوقت مع العدالة.

    ولو شك في الوقت أخرّ حتى يعلم أو يظن حيث لا يتأتّى له العلم كحالة الغيوم المانعة.

    ويجب له الإجتهاد حيث يمكن، والصلاة مع الشك كالصلاة قبل الوقت فاسدة وإن صادفت الوقت، ولو قلّد للعذر فظهر الخطأ أعاد إلا أن يصادف جزءاً من الوقت، ولو كان المخبر بالخطأ عن اجتهاد فلا التفات لأنه إنما تجب الإعادة إذا تبيّن الخطأ عن علم لا عن اجتهاد لأنه مقابلة ظن بظن.

    وكل من أدرك ركعة من الوقت فهو مؤدّ، واذا استشعر ضيقه وجب الإقتصار على واجباتها، فإن ضاق عن السورة ولو على القول بوجوبها تركها، وكذا يخفف النافلة المؤقتة إذا تضيّق وقتها.

    ويكفي ادراك ركعة من نافلة الظهرين في المزاحمة بها ، وينوي بها الأداء، وفي صلاة الليل أربع ركعات ، ولا مزاحمة بنافلة المغرب ولا بنافلة الصبح إلا مع صلاة الليل.

    ولا يجوز أن ينتفل في أوقات الفرائض المختصة بها إلا عند المزاحمة، وكذا من في ذمته قضاء فريضة فلا ينتفل حتى يقضي الفريضة إلا إذا فاتتا معاً وكان مأموماً منتظراً لصلاة الإمام أو تكون من ذوات المزاحمة بالأسباب المتقدمة.

    ووقت قضاء الفائتة من الفرائض الذكر لها، ويجب تقديمها على الحاضرة حتى يتضيق وقتها، واحدة كانت أو متعددة من يومها كانت أو غير يومها ناسياً كان أو عامداً، فلو تلبّس بحاضرة فذكر الفائتة وجب العدول مادام في محله.

    ويستحب قضاء فائتة النافلة، ولا يُراعى في وقتها المماثلة، بل يقضي الليلية بالنهار وبالعكس، وربما كان هذا افضل لأنه من سر الله المكنون.

    وترتب الفرائض أداءاً وقضاءاً، وحيث يفقد الترتيب يجب العدول في الأثناء إن أمكن وإلا وجبت الإعادة حيث تقع الثانية في وقت الأولى المختص بها إذ لا اشتراك لأول ولا آخر، وما دلّ على الإشتراك أولاً وآخراً فالمراد منه ما يعم إختصاص الأول والأخير حيث لا تمايز في أجزاء الوقت، ويستحب الترتيب في قضاء النوافل.

المقدمة الثانية : في أحكام القبلة

 ومباحثها ثلاثة

    البحث الأول :

    تجب معرفتها لشرطية التوجه إليها في الصلاة الواجبة مع القدرة، وتجب في أمور غيرها كالذبح، واحتضار الميت ودفنه، وفي صلاة النافلة للمستقر خلاف أقربه الوجوب الشرطي.

    ويسقط الإستقبال في الفريضة عند تعذره كشدة الخوف والمضطر إلى الصلاة ماشياً أو راكباً، ويستقبل مهما أمكن ولو بتكبيرة الاحرام.

    والمنتفل على الراحلة قبلته حيث ما توجّهت به ، ولو عدل عنه جاز، وكذلك المصلي في السفينة يصلي إلى صدرها، والإستقبال في هذه الحالات ولو بالتكبير أفضل حيث يمكن إلا أن الصلاة على الأرض أفضل، ويومئ إلى الركوع والسجود عند تعذرهما ولو في الفريضة، ويجعل السجود أخفض من الركوع، ويجوز إتمام الصلاة على الراحلة وبالعكس على الأرض ما لم يكن بينهما فاصل كثير فعلاً أو زماناً ، ويجوز النفل للماشي اختياراً.

     وصلاة الجنازة كاليومية في الإستقبال، والمنذورة وشبهها تابعة لأصلها قبل النذر.

    البحث الثاني: في الاستقبال

    وهو إلى عين الكعبة من تخوم الأرض إلى عنان السماء للمشاهد ومن بحكمه ، فيجتزئ بأي الأجزاء منها شاء، وله الإنتقال في الأثناء إلى البعض الآخر مالم يؤد إلى الكثرة.

    والمصلّي فوقها أو في بطنها مخيّر بين أن يبرز شيئاً منها بين يديه أو يصلي مستلقياً على قفاه مستقبلاً للبيت المعمور، ولو صلّى إلى بابها مفتوحاً وإن لم تكن هناك عتبة جاز، ولا تجوز الصلاة في جوفها اختياراً ، وتستحب النافلة، ولو انحرف ببعض بدنه عنها لم يجز.

    ولو طال الصف فخرج بعضه عن السمت بطل، بخلاف الصلاة في الآفاق البعيدة، ولو صلّوا جماعة حولها جاز لهم الإستدارة، وينبغي أن لا يكون المأموم إليها أقرب من الإمام.

    وأهل الآفاق وهم غير المشاهد يتوجّهون إلى الجهة لا إلى الحرم، وكذا أهل الحرم لا إلى المسجد ، والأخبار الناطقة بذلك محمولة على الجهة أيضاً ، وما ذكر علامة لها أو محمول على التقية.

    ويتوجّه أهل كل صقع إلى سمتهم وركنهم فعلامة العراق وسمتهم التوسط بين المشرق والمغرب الإعتداليين، وجعل الجدي طالعاً بحذاء المنكب الأيمن أو خلفه، وعين الشمس عند زوالها على طرف الحاجب الأيمن مما يلي الأنف.

    والشامي يجعل الجدي طالعاً خلف المنكب الأيسر وسهيل عند طلوعه بين العينين وعند مغيبه على العين اليمنى، وبنات نعش عند غيبوبتها ونهاية انحطاطها خلف الأذن اليمنى.

    والمغربي علامته التوسط بين الثريا والعيوق وجعل الجدي على صفحة خده الأيسر، واليمنى جعل الجدي طالعاً بين العينين وسهيل غائباً بين الكتفين.

    ويجوز الإعتماد على محاريب المسلمين وقبورهم إذا لم يعلم الإنحراف ولو بالإجتهاد.

    وقد يستدل بالرياح لكنّها علامة ضعيفة وكذا منازل القمر.

    وينبغي التياسر لأهل العراق ليتمكّنوا من استقبال الحرم والوجوب غير بعيد، ويجوز الإجتهاد في التيامن والتياسر في قبلة المساجد إلا في مسجده صلى الله عليه وآله في المدينة ومحراب أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة ، وكذلك كل محراب علم صلاة المعصوم إليه ولم يعلم بتغيّره.

    ويجب تعلم الإمارات الشرعية على الأعيان ، ويكفي غيرهم التقليد لهم ، والواجب امارات بلده، ولو انتفل إلى أخرى وجبت عليه معرفة علاماتها .

    وفاقد الإمارات يصلي إلى أربع جهات استحباباً مع سعة الوقت، وإلا فتكفيه أي الجهات شاء اختياراً، ومن لا يحسن الإمارات وجب عليه التعلّم فإن تعذّر فحكمه التقليد للعارف بها وكذا فاقد البصر.

    ولو تعذر الإجتهاد على العالم به جاز الرجوع إلى الغير وخصوصاً المخبر عن علم، ولا يجب هنا الصلاة إلى أربع جهات، ولو اختلف اجتهاده واخبار الغير عن علم عوّل على اجتهاده وإن أورثه التقليد ظنّاً أقوى، ولا يجب تعدد الإجتهاد بتعدد الصلاة، إلا إذا عرض له نسيان أو شك فيما سبق.

    ويشترط في المقلد العدالة وإن كانت امرأة ، ولا يكفي الصبي، ولو رجع الأعمى عند وجوب التقليد عليه إلى رأيه وجبت عليه إعادة الصلاة وإن أصابها، ولو اختلف المقلدون رجع إلى الأعلم، فإن تساووا فالأعدل، ومع المساواة فالتخيير، وعند فقد العدل يجزي المجهول والفاسق مع صدقهما بل والكافر أيضاً.

    ولو صلّى بالتقليد فأخبره آخر بالخطأ فإن كان المخبر عن اجتهاد لم يلتفت إلا عند كونه في الأثناء والآخر أعلم أو أعدل فينحرف إلا مع الخروج الكثير عن السمت فتجب الإعادة، ولو تساويا في هذه المراتب أو شك في الرجحان استمر في صلاته وإن كان المخبر عن يقين استدرك ما يجب استدراكه عليه.

    ولو عمي المجتهد في الأثناء استمر ، ولو التبس عليه كان فرضه التقليد، فإن تعذر ابطلها مع سعة الوقت واستمر مع الضيق كيف اتفق، ولو أبصر الأعمى في الأثناء اجتهد فإن تعذر أو كان عامياً استمر، وإن افتقر الإجتهاد إلى فعل كثير أو مناف استمر، ولو تيقن الخطأ ولم يحصّل القبلة قطع مع سعة الوقت واجتهد أو قلّد مع تعذّر الإجتهاد ، ومع ضيق الوقت يعدل إلى غير الخطأ مستأنفاً للصلاة إن كان الإنحراف فاحشاً وإلا استقام إلى ما لا يعلم كونه خطأ.

    والمصلّي إلى أربع الجهات لو تبين الخطأ وكان الإنحراف عنها يسيراً أجزأت حتى لو استبان له ذلك قبل الإكمال للأربع ، وكذا لو كان إلى جهتين أو ثلاث.

    ولا يجب في الأربع انقسامها على خط مستقيم، بل تجزي الأربع كيف اتفق، وتطرد الصلاة إلى الأربع عند القول بها في جميع الصلوات الواجبة حتى في الجمعة والجنازة، أما احتضار الميت ودفنه والذبح فلا.

    ويجب الإجتهاد للمتخلّي مع جهل القبلة فراراً عن الحرام، ولا اجتهاد بمكة في القبلة مع إمكان العلم لعدم إجزاء سواه، وكذا الحرم.

    البحث الثالث: في الأحكام والفروع المتفرعة على الاستقبال

    لا شك أن الإستقبال في الصلاة الواجبة شرط مع  القدرة عليه، والإخلال به عمداً موجب للإعادة وقتاً وخارجاً سواء كان مستدبراً أو غير مستدبر، أمّا الظان مع تعذّر العلم فعليه الإعادة في الوقت دون خارجه، ولو إنحرف يسيراً فالصلاة صحيحة، والناسي ومن صلّى لشبهة كالظان.

    ويعول على محاريب أهل الكتاب إن علم منها سمت القبلة، وعلى المستور مع عدم العدل لا على مجهول الإسلام أو الكفر، ولو كان في دار الإسلام بنى على اسلامه عملاً بالظاهر، والمصلي في السفينة السائرة يتعمّد القبلة ما أمكن ولو بتكبيرة الإحرام، ولا فرق بين راكب البحر والنهر فيصلي وإن قدر على الساحل.

المقدمة الثالثة: في اللباس

 وفيها مباحث أربعة

    البحث الأول:

    لا تجوز الصلاة في جلد الميتة،  ولا قدر شسع نعل وإن دبغ سبعين مرة، ولا في جلد غير المأكول أو صوفه أو شعره أو وبره أو ريشه وكل شيء منه أصليّاً كالسباع أو عرضيّاً كالجلال، وموطوء الإنسان.

    والمراد منه ما قبل التذكية من ذي النفس، فخرج الإنسان، وما لا نفس له سائلة، وكذا ما أُعدّ طيباً كالمسك، والزباد، ونحوهما لإستحباب الصلاة فيه.

    وقد استثني  أيضاً الخز والسنجاب لدلالة الأخبار الصحاح عليهما، أما الفنك والسمور فداخلان في المنع.

    ومذكّى الكافر وما في يده من الجلود في غير بلاد الإسلام وأسواقهم ميتة إلا أن يعلم خلافه، ولو بالبينة الشرعيّة، وكذا ما في دار الكفر من الجلود، إلا أن يعلم المسلم بعينه، وكذا المطروح من الجلود في الدارين إلا مع قرينة خلافه، وفي الأخذ من مسلم يعلم منه استحلال الميتة بالدباغ خلاف، والأقوى الكراهة إلا أن يخبر بالذكاة فيصدق في ذلك، وكذا اذا جهل حاله بالإستحلال.

    ولو علم منه استباحة ذباحة الكافر فالظاهر أنه كالعلم في استحلال المدبوغ من الميتة، وأمّا الحكم فيه فالطهارة مطلقاً إلا أن يخبر بخلافه.

    ولو لم يعلم جنس الجلد والشعر فالأقوى المنع، وقيل بالجواز، وكذا الخلاف في الحواصل الخوارزمية كما في الفنك والسمور إلا أن روايات الجواز قد صدرت تقية.

    ولا يجوز أيضاً في الحرير المحض للرجال والنساء والخناثى، وإن جاز لبس المرأة له في غير الصلاة والإحرام، ولا يحل للرجال، والخناثى إلا في الحرب، وعند الضرورة الشديدة كالبرد، ولداء القمل، ولا بأس به للصبيان، ولا فرق بين كون الممنوع منه ساتراً للعورة أو لا، ولا بين كون جلد الميتة مما لا تتم الصلاة فيه وحده أو لا، حتى لو كان شسعاً من نعل، وكذا في الحرير على قول البعض والأقوى الكراهة كالمشهور.

    ويجوز الكف به ولا يقدر بقدر، وكذا يزر به الثوب ويطرز ويعلم، وكذا افتراشه والقيام عليه ولو في الصلاة وإن كره، وكذا يكره في الممتزج وإن غلب عليه الحرير مالم يستهلك فيه.

    وكذا تحرم الصلاة في الذهب ولو كان خاتماً مموهاً على الرجال والخناثى، وتستحب الصلاة فيه للنساء.

    ويشترط في اللباس الحل ولو بالإذن والرخصة فيه من مالكه، فلا يجوز في المغصوب ولو خيطاً، وتبطل الصلاة مع تعمده وعلمه بالغصب وإن جهل الحكم أو نسيه ، ولو جهل الغصب صحت الصلاة وعليه أجرة المثل ، وفي ناسي الغصب خلاف أقربه الصحة وأحوطه الإعادة وقتاً وخارجاً.

    ولو كان المغصوب من المعفو عن نجاسته من الملابس كالتكة والخاتم ملبوساً، أو مستصحباً ففي البطلان كلام أقربه البطلان، ولو لم يستصحبه جاز، ما لم يكن التصرّف فيه من لوازم الصلاة كالسجود عليه والقيام فوقه.

    وتجوز الصلاة فيه إن أذن المالك ولو للغاصب، ولو أذن مطلقاً جاز لغير الغاصب لأنه غير داخل في الإذن كما هو الظاهر.

    ولا تجوز في الثوب النجس الغير المعفو عنه، وقد تقدّم حكمه مفصلاً إلا لضرورة البرد أو لإنحصار الساتر فيه ولم يمكن تطهيره، وفي نعل خف ساتر لظاهر القدم بغير ساق على الأحوط كما هو الأشهر، ولو نسي أو جهل فالمعذرة قريبة، والإحتياط مما لا يخفى ولو كان جاهل الحكم لتحقق الخلاف فيه.

    ولو علم به في الأثناء أو بالحرير أو بالمغصوب أو غير المأكول ألقاه وأتم الصلاة في غيره، فإن تعذّر استبداله إلا بما ينافي الصلاة فسدت صلاته مع سعة الوقت وإلا صلّى عارياً.

    والميتة كالنجس في جميع أحكامه.

    وتجوز الصلاة في جميع فضلات مأكول اللحم، وجلده وشعره ووبره وكل شيء منه ما خلا منيه ودمه، وإذا أخذ شعره جزءاً صلّى فيه من غير غسل وإن قلع غُسِل.

    ولا فرق في الخز بين وبره وجلده، وذكاته كذكاة السمك، وهو اخراجه من الماء حيّاً وموته خارج الماء، ولو غش بوبر الأرانب والثعالب بطلت الصلاة فيه إلا لتقيّة وإن كان الخز أغلب، ولو مزج بالإبر يسم جاز.

    البحث الثاني: فيما تستحب فيه الصلاة من اللبس وما تكره

    فيستحب في الثياب البيض من القطن، والعمامة ذات الحنك، وفي السراويل لأن الصلاة فيها الركعة بأربع ركعات، وبغير الحنك مكروهة بل قد حرمها البعض للنهي عن الصلاة فيها بدونه.

    وتستحب في الرداء ويتأكد للإمام، وأن يكون اللباس ساتراً لجميع جسده وأن تكون متعددة فإنها تصلي معه، وللمرأة والخنثى المشكل ثلاثة أثواب درع وخمار وازار، وللرجل النعل العربي، ويكره في النعل السندي، ويمكن استحباب النعل للمرأة لأنه أفضل موضع للقدمين.

    ويكره في الرقيق العرفي الساتر، ولو حكى الحجم أو البشرة لم يجز، وفي الثوب الذي تحت وبر الأرانب والثعالب أو فوقه، وما دلّ على التحريم منزل على تغليظ الكراهة.

    وفي الثياب السود، حتى القلنسوة، عدا العمامة، والكساء، والخف، وفي المزعفر، والمعصفر، والأحمر المعندم للرجل، ويمكن التعميم للنساء لإطلاق أدلتها، وفي ثوب المتهم والمتهمة بالنجاسة أو بالغصب، وأن يتزر فوق القميص بخلاف العكس، وأن يشتمل الصماء وهو أن يلتحف بالإزارويدخل تحت يده طرفيه ثمّ يجمعهما على منكب واحد، وأمّا الإلتفاف بالإزار مسدولاً ولا يرفعه على كتفيه فهو السدل، وهو أشد كراهة من إلتحاف الصماء لكونه شعار اليهود، وفي خاتم حديد، وكذا استصحابه، وتخف الكراهة بستره، ومنه الحديد الصيني وإن كان فيه اطلاق وكراهية إلا ان العمل على الثاني، وما دلّ على نجاسة الحديد فالمراد به كراهة المسخ تغليظاً للكراهة، وفي ثوب فيه تماثيل الحيوان لا الشمس والقمر والشجر، أو خاتم مصوّر لا ما فيه صورة الهلال والقمر، وفي خلخال مصوت، أو معه دراهم ممثلة أو متلثماً، والمرأة متنقبة إلا أن يمنع القراءة أو سماع الجهرية ، وعند كون المرأة عطلاً من الحلي، وفي ثياب عملها أهل الذمّة والمشركون قبل أن تُغسّل.

    البحث الثالث: فيما يجب ستره من البدن

    وهو العورة للرجل والمرأة، وهي في الرجل الفرجان والأنثيان، وفي المرأة والخنثى جميع البدن إلا الوجه والكفين وظاهر القدمين، وستر جميع جسدها أفضل، ومن الأمة ذلك إلا الرأس، وإن كان الأفضل لها أن تتقنع فلا كقناع الحرّة، ومثلها الحرّة قبل البلوغ، والمبعضة كالحرّة، ولو اعتقت في الأثناء وجب ستر رأسها فإن استلزم فعلاً كثيراً بطلت، هذا مع سعة الوقت ومع ضيقه فالإتمام لا غير.

    والصبية لو بلغت في الأثناء فكالأمة، والوجه استينافها إن بقي ما تدرك فيه ركعة مع الطهارة، والمدبرة والمكاتبة وأم الولد سواء كانت متزوجة أو لا كالأمة الخالصة.

    وفاقد الستر يستتر بما أمكن من ورق الشجر والحشيش والبارية، ومع تعذرها فالطين، ومع تعذره يحفر حفيرة فيدخلها فيركع ويسجد، ولو تعذّر جميع ذلك فعارياً، قائماً مع أمن المطلع، وجالساً مع ،وجوده مؤمياً للركوع والسجود برأسه.

    ولو وجد وحلاً أو ماءاً كدراً وأمكن الدخول فيه لم يجب عليه ذلك لعدم إدخالهما في الستر الإختياري والإضطراري، ولا يجب على فاقد الستر من أولي الأعذار توقع آخر الوقت وإن استحب للخبرين.

    ولو وُهب الثوب له وجب عليه القبول، كما لو أعير أو وجده بأجرة أو ثمن زائدين عن ثمن المثل وأجرته حيث لم يضر به في الحال، ولو وجد ساتراً لإحدى العورتين قدّم المقدم من الرجل والمرأة.

    ولو تعارض ستر المرأة والرجل قدمت المرأة إلا أن يكون الرجل في برد غير آمن من الضرر فيُقدم، والخنثى كالمرأة لإحتمال الأنوثيّة، ويكفي العاري عند عدم وجود الساتر أن يضع يده على  القبل، ولا يخرجه عن حكم العاري لأن ستر البدن بعضه ببعض لا يعد ستراً وإن لزمه ذلك ووجب عليه.

    البحث الرابع: في الأحكام المتعلقة بالستر الواجب

    لو تعمّد كشف العورة أو بعضها بطلت صلاته، والناسي يحتاط بالإعادة وإن لم يأثم، ولو انكشفت في الأثناء بغير قصد ولما يعلم إلى أن فرغ صحت صلاته، ومتي علم استتر وإن أخلّ بطلت، ويستحب الإجتماع والتضمم للعاري حالة قيامه وجلوسه ، ويجب اخفاء العورة حيث أمكن.

    وتستحب الجماعة للعراة، ولأفضل أنهم يصلون جلوساً مؤمين إلا أن يكونوا في ظلمة أو فاقدي البصر ويأمنون المطلع فيقومون ويبرز الإمام عنهم جالساً متقدماً عليهم بركبتيه ندباً، وروي في غير المشهور أن الإمام يومئ جالساً والمأمومون يركعون ويسجدون خلفه على الأرض فيصلّون خلفه،  وليكونوا في صف واحد، والجمع بالتخيير حسن وإن كان الأول أفضل.

    ولا فرق بين الرجال والنساء، ولو اجتمعوا فلتتأخّر النساء خلف الرجال لتحريم المحاذاة، ويجوز للرجال الصفوف إذا لم يتمكنوا من المحاذاة فيومئ الجميع وعلى الرواية الأخرى يؤمون إلا الصف الأخير فإنهم يركعون ويسجدون.

    والثوب مع العراة يستأثر به صاحبه فلو اعاره وصلّى عارياً بطلت صلاته، وأما صلاة المستعير مع ضيق الوقت فباطلة ، ومع السعة صحيحة، ولو جهل الحكم فلجهله معذور.

    ولو صلّى فيه مالكه استحب له إعارته بعد صلاته فيه، ويخص به النساء أولاً، ثم القاضي العدل ليؤم به، ومع صلوح المالك للإمامة يؤمهم فيه، ومع عدم صلوحه لها يصلي منفرداً لأن ائتمام القائم بالقاعد ممتنع، ولو اتسع الوقت تناوبوا عليه، ويستحب للعاري ولو كان متزراً وضع شيء على كتفيه ولو خيطاً أو سيراً .

    ولو صلّى العاري بغير ايماء فصلاته باطلة، وإن نسي أو جهل لفوات الركن بدونه، ولو عدل إلى الركوع والسجود فمع تعمده ولو جهلاً تبطل صلاته، ومع النسيان يمكن توجه الصحة اليه، والإعادة له أحوط.

    ولو سترت المرأة فرجها دون باقي بدنها فصلاتها كالرجل من غير إيماء، وعند ستر البعض من العورة يجب والإيماء بحاله .

    ولو خص الساتر المنحصر في ستر أحدهما بالدبر عمداً فالبطلان، ويعذر الجاهل هنا لخفاء الحكم، والناسي لرفع القلم، وربما رجح الدبر لتمامية الركوع والسجود بستره مع كون القبل مستوراً بالفخذين والاليتين، واحتمل التفريق فيه بجعله على القبل حالة القيام ، وعلى الدبر حالتي الركوع والسجود، ولا يعد ذلك مبطلاً لكثرته، لكونه من أفعال الصلاة.

    ولا يجوز لبس المغصوب في حال تعذر غيره، وكذا الحرير إلا في حال الإضطرار، وجلد غير المأكول بمنزلتهما وإن كان طاهراً بالتذكية.

    ويجوز أن يُصلّي وفي كمّه طائر إذا خاف عليه الضياع، وكذا في خرق الخضاب وإن كانت نجسة: لأنها مما لا تتم الصلاة فيها، وذلك على كراهة، وأن يُصلي الرجل في قميص واحد وأزراره محلولة وإن كان واسع الجيب دقيق الرقبة بغير مئزر تحته، فإن رؤيت العورة منه عند الركوع بطلت حينئذ لا من رأس، وتظهر الفائدة لو استتر بعد النية قبل الركوع، ولو كان في الثوب خرق لا بإزاء العورة جاز، وكذا لو جمع الثوب بيده على الخرق ولو كان بإزاء العورة، ولو ستر الخرق ببعض بدنه وهو محاذ للعورة لم يجز.

    ويجب ستر شعر الرأس على المرأة كالعنق والأذنين، والوجه معفو عنه وهو محل الوضوء ، ويجوز لبس  ما منعت الصلاة فيه في غير الصلاة إلا جلد الميتة والحرير والذهب للرجال والخناثى، ويجوز لبسه للصلاة عند الضرورة كالبرد والحرب.

    والنجس المتعين ثم الحرير ثم جلد ما لا يؤكل لحمه، ثم ميتة المأكول ثم ميتة غير المأكول ومذكّى المحرّم والكتابي إذا سُمّى مُقَدّم على الميتة كما أن المدبوغ من مذكّى غير المأكول أولى من غير المدبوغ منه.

المقدمة الرابعة في المكان

والمباحث فيها أربعة

    البحث الأول :

    لا تجوز الصلاة فرضاً ولا نفلاً إلا في المكان المباح وهو المملوك أما عيناً أو منفعةً، بعوض أو غير عوض، أو مأذون فيه إما صريحاً مثل ( صلّ فيه)، أو تضمناً كـ( كن فيه) أو فحوى كإدخال الضيف منزله، أو بشاهد الحال كالصحارى، وسنصرّح بذلك مفصلاً.

    فلا يجوز الصلاة في المكان المغصوب، ولا سائر العبادات حتى أداء الزكاة والخمس، فتبطل ولا تقبل إن كان عالماً بالغصب، سواء علم التحريم أو جهله أو نسيه، وسواء علم بالبطلان أم لا، وسواء كانت جمعة أم لا، وسواء كان المصلّي هو الغاصب أم لا، وسواء كان الغصب لرقبة الأرض أو منفعتها، وسواء كان القرار أو الهواء أو السماء أو البساط، وسواء نهى المالك عن الصلاة فيه أم لا، وسواء كان مما تصح الصلاة فيه بشاهد الحال كالصحارى أم لا.

    ولو جهل الغصب أو كان محبوساً فيه وضاق الوقت صلّى فيه وهو آخذ بالخروج أو أذن له المالك ولو كان المأذون له الغاصب، وإن أذن مطلقاً صلّى فيه غير الغاصب، وإذا نسي فالأحوط الإعادة.

    ولو أذن في الصلاة ثم رجع في إذنه بعد تلبّسه صحّت وإن اتسع الوقت، وقبل التلبّس مع ضيق الوقت يصلّي ماشياً مؤمياً لركوعه وسجوده، ويحافظ على الاستقبال مهما أمكن، ولا يفعل حراماً بخروجه أو مع الإذن في الكون.

    أما لو كان السقف أو الجدار مغصوبين صحّت الصلاة مع الانفكاك عنهما لخروجهما عن المكان بمعنييه عند عدم اللصوق، ويكفي في المنع ثبوت غصبه بإخبار ذي اليد.

    ولو أذن بالكون فصلّى ثم رجع بعده فلا أثر له، وفي الأثناء الأقوى الإتمام، ولو علم هنا بالقرائن كراهية المالك للصلاة كمنزل الكافر، أو استلزم الاطلاع على عورة لصاحب المنزل بطلت الصلاة.

    ولا تجوز الصلاة في المكان النجس إذا تعدّت النجاسة إلى بدن المصلّي أو ثيابه أو مصحوبه مما لا يعفى عن نجاسته، ولو لم تتعد صحت حيث يكون موضع الجبهة طاهراً.

    ولو فرش على النجس طاهراً صحت الصلاة حتى عند مشترطي الطهارة في جميع المكان، وكذا لو اتصل به حبل معه نجاسة تتحرّك بحركته، ولو نجس طرف ثوبه أو عمامته وهما ملقيّان على الأرض فالأحوط المنع.

    ويعتبر في صلاة المرأة بحذاء الرجل أو أمامه وجود الحائل وإن كانت محرمة، أو بعد عشرة أذرع في الثاني، ويكفي في الأول قدر موضع الرجل أو الذراع إلى عشرة أذرع وهي أكملها وليست بمتعينة عند المحاذاة، ولا فرق بين المحرم والأجنبية والمقتدية والمنفردة.

    ولا بطلان بالصلاة الفاسدة من أيهما كان ولا بمرورها بين يديه ولا بجلوسها أمامه ولا بنومها أو صلاتها خلفه، والظلام غير حائل، وكذا فقد البصر وكذا تغميض العين من المبصر.

    والأفضل إذا أراد الصلاة تقديم الرجل فيهما اذا لم يتسع المكان لمسوّغ الإجتماع، ولو ضاق الوقت فلا منع.

    ولو أوقعت الصلاة بعد انعقاد صلاة الرجل أو بالعكس فالمتأخرة هي الباطلة، وهذه الأحكام كلها معتبرة في جميع الأمكنة سوى مكة المشرفة، فتسقط هذه الأحكام كلها فيها، فتصلي أمامه ومحاذية إليه وعلى كل حال لصحيح الفضيل بن يسار المروي في العلل.

    ولو تيقن حصول النجاسة في موضع وجهل تعيينه فمع الحصر فالجميع نجس، ولو اشتبه المكان المحصور بغيره صلّى الواحدة في المكانين كما يصنع في الثوبين المشتبهين، وهذا حيث لا يوجد سواهما وإلا وجب تركهما.

    والدابة المغصوبة والكنيسة والمحمل وكذا جميع المراكب بمنزلة المكان الأرضي.

    وحكم الخنثى المشكل حكم المرأة بالنسبة إلى الرجل لإحتمال الأنوثية، وكذا المرأة لإحتمال الذكورية فتتقدّم على المرأة وتتأخّر عن الرجل، وعند المحاذاة لأحدهما والتقدم عليه يعتبر فيهما ما يعتبر في الرجل والمرأة من الشرائط المذكورة.

    ولا تجوز الفريضة في الكعبة إلا للضرورة وإن كانت هي أشرف المسجد لمكان النص، أما النافلة فهي كالمسجد في الفضيلة بل أشرف.

    البحث الثاني:

    في مكروهات المكان وإن قيل في بعضها بالتحريم

    فتكره في المقبرة إلا مع الحائل، أو بعد عشرة أذرع، حتى القبر الواحد، أما جعله خلفه فلا بأس إلا قبر المعصوم عليه السلام فلا يجوز إلا بجعله قبلة فتجتنب محاذاته إلا في صلاة الزيارة، فيُحاذي الرأس لأفضلية ذلك المكان، وقبر النبي صلى الله عليه وآله داخل في ذلك، وأما النهي عن جعله قبلة فمحمول على أنه يصيّّره قبلة يتوجّه إليها حيث كان لا الكعبة، أو على التقية لعدم الفرق عندهم في المنع، ومظان النجاسة كبيوت الغائط التي لا ترى فيها أعيان النجاسة، ومثلها المزبلة، والحمام إلا مسلخه، ومعاطن الإبل وهي مباركها مطلقاً، وقرى النمل، ومجرى الماء، وبطون الأودية، ووادي ضجنان، ووادي الشقرة، والبيداء وذات الصلاصل، والطرق إلا الظواهر، والجواد، والبيع، والكنائس، وبيوت المجوس، وبيت فيه مجوسي أو كلب، مالم يُغلق دونه الباب، أو إناء يبال فيه، أو خمر، ولا بأس ببيت فيه نصراني أو يهودي، وعند الإضطرار إلى بيت المجوسي يرشّه بالماء ثم يفرش عليه ما يصلي عليه أو يتركه إلى أن يجف، ومرابط الخيل والبغال والحمير، ولا بأس بمرابط الغنم بل جاء الاستحباب فيها، وفي السبخة والطين والماء والثلج، وأرض الخسف والعذاب، أو كان في القبلة مصحف أو كتاب مفتوحان ولا بأس بالكتابة والنقوش في جدار الكعبة، ويغتفر لذلك عند قراءته من المصحف إما لحاجة أو صلاة نفل، أو إلى نار وإن كانت في مجمرة أو قنديل معلّق، أو إلى إنسان مواجه، أو إلى سيف أو سلاح إلا في الحرب أو إلى حديد، أو تماثيل مالم يغطها، وكذا إلى جانبيه، وتتأكد الكراهة في النار والتماثيل حيث يكون المصلّي من أولاد عبدة النار أو عبدة الأصنام، أو إلى بيوت النيران، أو إلى حائط ينز من بالوعة بول أومن القذر، ولا تكره في ساباط على الجادّة أو على الماء.

    ويستحب أن يتخذ المصلي سترة يجعلها بين يديه حائطاً أو عنزة أو رجلاً أو حجراً أو سهماً أو كومة تراب أو خطاً في الأرض، ولا فرق في ذلك بين مكة وغيرها، ويستحب الدنو منها بمربض عنز أقله إلى مربض فرس أكثره.

    ويجوز الإستتار بحيوان ما لم يكن حماراً لكراهة استقباله بل يجعل بينه وبينه سترة من قصب أو غيره، والإمام سترة للمصلين خلفه فيستغنى بسترته عن سترة الباقين.

    ويستحب دفع المار في غير المسلوك إذا كانت له مندوحة فيدفع مالم يؤد إلى الكثرة.

    ولا يقطع الصلاة مرور المرأة والكلب  الأسود أو الحمار، والنهي غير ثابت، وعلى تقدير ثبوته فنهي كراهة، نعم يكره المرور بينه وبين السترة من المذكورات وغيرها، والسترة غير واجبة بالأصالة ولو استعملها من النجس والمغصوب تأدّت السنة وإن حرم فعله.

    البحث الثالث:

    في ما يصح السجود عليه

    والأصل أن لا يسجد إلا على الأرض أوما أنبتت، إلا المأكول والملبوس عادة، وما خرج عن اسم الأرض بالإستحالة منها كالمعادن، والمأكول والملبوس عادة لا يصح السجود عليه إلا عند الضرورة أو التقيّة، نعم يجوز السجود على القطن والكتّان قبل غزلهما على كراهة، وبعد الغزل لا يجوز وإن لم ينسجا.

    ولا يحل السجود على الحنطة والشعير قبل نزع القشر الأعلى منهما، ولا كراهة في السجود على المروحة والسواك والعود عند استقرار الجبهة عليها وإذا خلت من التماثيل، ولا يجوز على الرمل المنهال، والوحل، ولا على الماء، ولا على الثلج الجامد .

    ولو اضطر أومأ، نعم يجوز على القرطاس وإن اتخذ من الحرير، وإن كانت أجزاؤه الأصلية لا تصلح للسجود وذلك لإستثناء الدليل، ويكره المكتوب، ولا يجوز السجود على القير ولا على القفر ، ولا على النورة، ولا على الرماد، ولا على الملح.

    ويشترط كونه كالمكان مملوكاً أو مأذوناً فيه، ولو سجد على الممنوع منه جاهلاً أو ناسياً فالأحوط الإعادة ، والقول بالصحة قوي، وجاهل الحكم هنا لا يعذر، إلا أن يكون مخالفاً ثم استبصر، ولو شكّ في جنسه تركه، وفي طهارته يبني على الأصل، ومع الإشتباه والحصر يجتنب.

    ولو منعه الحر من السجود على الأرض أو الهوام أو الشوك سجد على ثوبه، فإن تعذّر فعلى كفّه، وفي ترجيح المعدن على النبات الملبوس خلاف أقربها ترجيح المعدن الترابي، وربما احتمل كون الثياب أولى لبدليتها عمّا يصح السجود عليه فيما تقدّم، وعلى كل تقدير فهما أولى من الثلج، كما أن الثلج أولى من الكف.

    البحث الرابع:

    في أحكام المساجد

    الموقوفة للعبادة المعنية في قوله تعالى: {وأن المساجد لله} على أحد التفاسير الثلاثة، وقد ورد استحباب اتخاذها وإعدادها حتى في البيوت، وينبغي بناؤها ومرمتها بالعمارة والعبادة، وجعلها مكشوفة ولكن الآن لا يضر تظليلها حتى يقوم قائمنا عليه السلام .

    وينبغي كثرة الإختلاف إليها ليُصيب إحدى الثمان، وتعاهد النعل عند أبوابها، وتقديم الرجل اليمنى عند دخولها، والدعاء بالمأثور، والخروج باليسرى والدعاء بالمأثور عقيبه، وكونه على طهارة من الحدث والخبث المتعدي، وصلاة ركعتي التحية إذا كان في وقت غير الفريضة أو نافلة راتبة، ولو كان ماراً بها مروراً، وإلا قد استطرقها، والسلام عند الدخول، والجلوس مستقبل القبلة، إلا عند استقبال الإمام بعد الصلاة ليأخذ المأمومون عنه أحكام دينهم، وكنسها خصوصاً عشية الخميس  ، وليلة الجمعة، وتبخيرها بما يطيبها والإسراج فيها ليلاً، وقراءة الخمس من آل عمران: {إن في خلق السماوات والأرض} إلى قوله تعالى: {لا تخلف الميعاد} عند الدخول، وآية الكرسي، وآية السحرة، والمعوذتين، والحمد لله والصلاة على محمد وآل محمد وعلى أنبياء الله وملائكته ورسله، وإعادة المستهدم منها وتجديدها بعد اندراسها، وفرشها حتى بالحصى، وحراستها من المؤذيات الخبثية وتعظيمها، وقراءة القرآن فيها والمواعظ، والدعوات، وتفسير الآيات المحكمة ومدارسة العلوم.

    ويكره التحدّث فيها بأحاذيث الدنيا، والحذف بالحصى، فإنها لا تزال تلعن صاحبها حتى تقع، ولأنها من أخلاق قوم لوط، وكشف العورة المحرّمة والمكروهة، وهي من السرّة إلى الركبة، إلا مع ناظر مميز فتحرم المحرمة، وسل السيف، وبري النبل، وعمل الصنايع، وانشاد الضالة ونشدانها، وانشاد الأشعار الباطلة، أما المحقة المشتملة على الحكم والمواعظ والزواجر والرثاء فهي من العبادات، وتصويرها بما يمثّل الشجر والشمس والقمر.

    وتحرم الزخرفة والنقوش والتصوير بما فيه روح إلا أن تغيّر، وتشريفها بل تبنى جماء.

    وتكره تعليتها، بل تبنى وسطاً، واستعمال المحاريب الداخلة كمذبح اليهود، والمنارة وسطها بل مع حايطها موازية له، بل الظاهر بدعيتها مطلقاً، والبيع والشراء وسائر المعاملات، وادخال المجانين والصبيان، وانفاذ الأحكام، واقامة الحدود، ورفع الصوت، وتعليق السلاح سيما السيف في المسجد إلا لسبب، ويحرم اخراج الحصى منها فإنها تسبّح ، فمن أخرجها فليردّها إلى مكانها ولو ردّها إلى غيره أجزأ، والتنخّم والبصاق، وقصع القمل فيدفنها، والوضوء فيها من البول والغائط لا من النوم والريح، والنوم فيها خصوصاً المسجدين الأعظمين اللذين على عهده صلى الله عليه وآله إلا لضرورة، ورطانة الأعاجم وهي الكلام الذي لا يفهمه جمهور الناس لا اللغة الفارسية ولا غيرها من اللغات مما يتكلّم به الأئمة عليه السلام ، واتخاذها طريقاً من غير أن يصلي فيها، والتنعل قائماً.

    ولا يجوز اتخاذها في المغصوب، ولا في الطرق المسلوكة، وكذلك تملكها وإن زالت الآثار منها فلا تدخل في ملك، ونقضها إلا أن تستهدم أو يحتاج إلى توسيعها، والدفن فيها على الأحوط، وإدخال نجاسة متعدية إليها، وإزالة النجاسة فيها، وتمكين الكفّار منها، فيجب اخراجهم لو دخلوها وتعزيرهم، واستعمال آلاتها في غيرها إلا أن تتعطّل بالإستهدام أو غيره فتستعمل في مسجد آخر.

    وأمّا الوقف عليها فموضع خلاف، والأقرب صحته ولزومه، وما دلّ على منعه محمول على الوقف على نفس البنيّة، أو على ما يستعمل للتصاوير والزخرفة.

    ويحرم التعرّض للبيع والكنائس إذا بنيت قبل الفتح، أو في أرض الصلح، لأنها بيوت الله تعالى، وقد جاء جواز التعبّد فيها، نعم يجوز نقضها في دار الحرب، أو مع إندراس أهلها، ثم تبنى مساجد، ولا تجعل في ملك ولا طريق.

    ولا يجوز بناؤها على النجاسة بعد طمها وردمها بالتراب، لصيرورتها من البواطن، أما مع عدم الإزالة فيحرم البناء، وليكن الطم قبل الوقف، وتجعل المسجدية بالوقف، ويكفي في جعله مسجداً بأن يأذن بالصلاة فيه ثم يوقع الصلاة فيه ولو واحدة، أو يُقبضه الحاكم ، ولا يحصل القبض بالنيّة وإن أوقع الصلاة فيه بل يكون كمسجد المنزل فله الرجوع فيه وتغييره وتوسيعه ونقضه حيث لم يصر وقفاً.

    والمساجد متفاوتة في الفضيلة والشرف، بل جاء فيها إن من المساجد مساجد ملعونة، كالمساجد التي بنيت وجددت في الكوفة يوم قتل الحسين عليه السلام، وأشرف المساجد المسجد الحرام والصلاة فيه بمائة ألف، ثم مسجد النبي صلى الله عليه وآله ، والصلاة فيه بعشرة آلاف، وفي كل من المسجد الأقصى في الشام ومسجد الكوفة بألف، وفي مسجد الجامع بمائة، وفي مسجد القبيلة بخمس وعشرين، وفي مسجد السوق باثنتي عشرة، ومن المساجد المحثوث على الصلاة فيها مسجد براثا ببغداد، ومسجد المباهلة ، ومسجد الفتح ، ومسجد قبا وهذه في المدينة، وفي المنزل واحدة.

    وأفضل المساجد للنساء البيوت، وأشرف محال البيوت المخادع، والفرائض مخصوصة بالمساجد بخلاف النوافل فإنها في المنازل أفضل.

    ثم الصلاة بالنسبة إلى الأمكنة تنقسم إلى الأحكام الخمسة، فمنها الواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح، فمن الواجب ركعتا الطواف الواجب إلى جانبي المقام أو خلفه، وقد تجب بالعارض كالنذر وشبهه، وكضيق الوقت في مكان لو خرج منه لفات الوقت، وأما الأمكنة المحرّمة علمت مما تقدم، والمندوب أفراده كثيرة، والمكروهة أيضاً، وقد سمعتها في مكروهات المكان، والمباح فيما سوى الأقسام الأربعة، كسائر الأمكنة، وتنقسم بهذا الإنقسام بالنسبة إلى اللباس إلا أنه لا واجب فيه بأصل الشرع.

المقدمة الخامسة :

في الأذان والاقامة

    والأذان لغة الإعلام، وشرعاً (أذكار معينة مفتتحة بالتكبير، ومختومة بالتهليل، وُضعت للإعلام بدخول الأوقات المكتوبة من الخمس والجمعة) ولا أذان لغيرها، وقد جاء به الوحي من الله عزّ وجل فعلّمه النبي صلى الله عليه وآله   وصيّه علي عليه السلام ثم انبث في الخلق بعد أن أمر وصيه يعلمه بلالاً لا أنه بالرؤيا كما ابتدعته أهل البدع نبرأ إلى الله تعالى منهم.

    وفضله كبير وثوابه جزيل، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبار بلغت التواتر المعنوي في فضل الأذان والمؤذنين، وأنهم أمناء التاس على لحومهم ودمائهم وصلواتهم، وأن من أذّن في سبيل الله تعالى لصلاة واحدة إيماناً وإحتساباً وتقرّباً إلى الله عزّ وجل غفر الله له ما سلف من ذنوبه، ومنّ عليه بالعصمة في ما بقي من عمره، وجمع الله بينه وبين الشهداء في الجنّة، ومن أذّن سنةً واحدةً بعثه الله يوم القيامة وقد غفر له ذنوبه بالغة ما بلغت، ولو كانت مثل جبل أحد، ومن أذّن عشر سنين زاحم ابراهيم الخليل عليه السلام في قبته أو في درجته، وبالجملة فالحثّ عليه على وجه الحصر مما تأباه المؤلفات المبسوطة فضلاً عن كتابنا هذا الموجز.

    والإقامة (أذكار معهودة مفتتحة بالتكبير كالأذان ومختتمة بالتهليل مثله للإعلام بالدخول في الصلاة)، وهي أفضل من الأذان لإطلاق جزء الصلاة عليها، ولوجوبها دونه إلا أن الجمع بينهما أكمل والاقامة تامة أفضل من الجمع بينهما مفردين والجمع بينهما تامين وبينها  أتم فضلاً.

وفيه مباحث:

    البحث الأول:

    في المؤذن وشرائطه وبيان ما يعتبر فيه

    فيعتبر فيه العقل وهو التمييز، لا البلوغ ولا الذكورة ولا الحريّة، فيشرع أذان الصبي المميز وإن أوقعه للرجال، وكذا أذان المرأة والخنثى سراً للنساء أو محارم الرجال، ولا يتأكد فعله في حقهن وتجتزئ بالشهادتين، والخنثى تجتنب الأذان للرجال الأجانب ولا تؤذّن المرأة لها.

    ويستحب فيه العدالة وسيأتي تعريفها في الجمعة والجماعة، والطهارتان من الحدث والخبث، وخصوصاً في المساجد، وأما الإقامة فكالصلاة في اشتراط الطهارة، وأن يكون قائماً، والإقامة فيه كالصلاة، وعلو مكان ايقاعه كالمأذنة، أما المنارة فلا فإنها من البدع العمرية، ويجوز أن يكون راكباً وماشياً.

    ويستحب استقبال القبلة، أمّا الإقامة فلا تجوز إلا قائماً مستقبلاً ، ولا يجوز المشي فيها والركوب إلا في حال يجوزان في الصلاة، وأن يرفع صوته جهده من غير أن يجهد نفسه، وجعل اصبعيه السبابتين في أذنيه، وأن يكون حسن الصوت، وأن يكون مبصراً بصيراً بالأوقات، والأعمى يجوز له ذلك بعد أن يُسدد، وأن يكون فصيحاً، ويجوز الالتغ إذا كان ناشئاً عن الخلقة لأن بلالاً كان كذلك، وكان يبدل الشين المعجمة سيناً مهملة، ويكره مع وجود الأفصح، والمرجح لأذان بلال مع وجود الأفصح العدالة المعروفة فيه والمعرفة بالأوقات فيجري هذا الترجيح في غيره.

    ولو تشاح المؤذنون قدم من اجتمعت فيه الصفات أو أكثرها، ومع التساوي فالقرعة أو من يعينه الإمام أو من استقرّت له الراتبة، ولا يرجّحه كونه من نسل مؤذني رسول الله صلى الله عليه وآله كأبي مجدورة وسعد القرظ كما عليه العامّة.

    ويجوز فيه التعدد فيؤذنون مع سعة الوقت متعاقبين ومع الضيق جميعاً ، ولا يبني كل منهم على فصول الآخر، والأحوط أن لا يزيد عددهم على اثنين ولا يجوز التعاقب، ويجوز الجمع بين الأذان والإقامة من واحد وأن يتفرد كل واحد منهما بواحد.

    ووقت الاقامة حضور الإمام، وينبغي استئذانه في ايقاعها لأن أمر الاقامة إلى الإمام كما في الخبر.

ويكره الإلتفات يميناً وشمالاً، وفي الإقامة يحرم الالتفات الفاحش، وأن يكون المؤذن لحّاناً، ويستحب الإفصاح بالهاء من لفظة (الله)و(اشهد) والحاء من (الفلاح).

    ويكره الكلام كراهة مغلّظة في الإقامة، ويحرم بعد (قد قامت الصلاة) في اقامة الجماعة في المسجد، أما كراهة الكلام في الأذان فمشهور بين الأصحاب ، ولم أقف على مستنده.

    ويكره الترجيع فيه، وهو في المشهور أن تكرر الشهادتين مرتين ترفع بهما الصوت بعد خفضهما مرتين خافضاً بهما الصوت أو برفعين وخفضين كائناً ما كان، أو تكرار (حي على الصلاة) و(الفلاح) مرات، وكذا التثويب وهو قول (الصلاة خير من النوم)، وأن يقول بين الأذان والإقامة (حي على الصلاة حي على الفلاح)، ولا بأس بأن يؤذن خارج الاذان والإقامة بـ(الصلاة خير من النوم)، وكذا السكوت الطويل إلا أن يخرج عن الموالاة المعتبرة فيه فيُعيد، ومثله الكلام الطويل، وتستحب الاعادة للاقامة بمطلق الكلام، ويستثنى من كراهة الكلام بعدها مافيه مصلحة للصلاة كتسوية الصف ونحوه، والتكلم بالمحرّم حرام، ولا يترتب عليه إلا ما يترتب على المحلل وإن أثم.

    البحث الثاني:

    فيما يشرع فيه الأذان من الصلوات

   وقد أشرنا إليه فيما سبق، وهي الصلوات الخمس والجمعة لا غير، أداءًا وقضاءًا واعادةً للمنفرد والجامع، وتجب الاقامة في الصلوات كلها على الرجال، ويستحب الأذان في جميعها، ويتأكد في المغرب والغداة والجماعة، والقاضي يكيفيه الأذان والاقامة لأول ورده والاقامة للبواقي، وليس الجمع بين الاذان والاقامة بسائغ فضلاً عن آفضليته فإن الظاهر أن السقوط له عزيمة، ويسقطان مع ضيق الوقت وجوباً وفي غيرالخمس بل يقول المؤذّن (الصلاة) ثلاثاً كما جاء في العيدين.

    ويسقطان أيضاً سقوط عزيمة عن الجماعة الثانية بل عن كل مصل في المسجد بعد فراغ الأولى وعدم تفرّقهم، وإذا كان الإمام في محله والجماعة كذلك فالسقوط ما قلناه، وإن لم يكن الإمام في محلّه سقط الأذان وحده، ومع التفرّق يؤذن ويقيم، وفي غير المسجد السقوط رخصة مع عدم التفرّق، وكذلك عند التسليم، ولو كان في المسجد.

    ويسقط الأذان وحده عند الجمع سيما في عصر الجمعة وعشاء المزدلفة، أما مع التفريق بالنافلة فلا ولو كان في هذه المواضع سواء كان الجمع في وقت الأولى أو الثانية، والأذان في الحضر آكد منه في السفر فتجزي المسافر الاقامة ، وفي المسجد آكد منه في البيت فيجتزي في البيت بالاقامة.

    ويجزي السامع لأذان غيره واقامته ذلك الأذان والاقامة إذا حكاهما ولم يتكلم وإن كان الأفضل له فعله ثانياً، ويجوز الاعتداد بأذان الفاسق لا بأذان المخالف ولا بإقامته بل يؤذن لنفسه ويقيم خلفه فإن خاف فوات الصلاة أجزأه (قد قامت الصلاة) إلى آخر الاقامة، ويقول (حي على خير العمل) مرتين حيث انهم لا يأتون بها.

    والمؤذن والمقيم بنيّة الإنفراد ثم يريد الجماعة تستحب له الاعادة، ولا يؤذن لفريضة إلا بعد دخول وقتها، ورخّص في أذان الفجر ثم يُعاد ندباً سواء كان من مؤذنين أو من واحد.

    البحث الثالث:

    في الكيفيّة والترتيب وبيان الفصول

    أما الأذان فثمانية عشر فصلاً في المشهور رواية وفتوى، التكبير أربعاً أولاً، والشهادتان ثم الحيعلات الثلاث، ثم التكبير ثم التهليل، مثنى مثنى، والاقامة على المشهور فيها سبعة عشر فصلاً، لأنها كلها مثنى مثنى، إلا التهليل آخرها فمرة واحدة، وبعد حيعلاتها الثلاث (قد قامت الصلاة) مثنى، وفي غير الأشهر أن الأذان كله مثنى مثنى وانهما سبعة وثلاثون فصلاً، أو أنهما اثنان وأربعون، يجعل التكبير أربعاً في كل منهما وتثنية التهليل آخر الاقامة، والجمع بالتخيير قائم، وأما قول (أشهد أن علياً أمير المومنين) أو (ولي الله وأن آل محمد خير البرية) على ما ورد في بعض الاخبار فليس بمعمول عليه في الأشهر وفاعله لا يأثم، غير انه ليس من فصولهما المشهورة وإن حصل به الكمال، وليس من وضع المفوضة وسيما اذا قصد التبرك بضم هذه الفصول.

    والترتيب واجب فيهما وجوباً شرطياً سواء كان في الفصول أو بين الأذان والاقامة، وتقصير المسافر لهما أفراد فصولهما طاقاً طاقاً وتكميل الاقامة أفضل من إفرادها.

    ويستحب الترتيل في الأذان، والحدر في الاقامة، والوقوف بالسكون على أواخر فصولهما والجهر بهما، والفصل بينهما بركعتين، وإن كانتا من النافلة قبل الفريضة كالظهرين وصلاة الغداة، أو سجدة أو جلسة أو تسبيحة، أو نفس وهو المراد بالسكتة في الصلوات كلها إلا المغرب فالإقتصار فيها على ما سوى الجلوس أحسن، وليدع بينهما فإن الدعاء مستجاب.

    وتستحب الحكاية للأذان لمن سمعه إن كان الأذان شرعياً حتى في الخلاء والصلاة، وفي الحالين هو بالخيار بين جعل الحيعلات على لفظها وبين ابدالها بالحوقلة، ويقطع لأجل حكايته الكلام وإن كان قرآناً ويدعو السامع أيضاً عند الشهادتين بالمأثور.

    ويستحب اتمام ما نقصه المؤذن فإن كنت تريد أن تصلي به تعيّن اتمامه ومثله الاقامة، ويجزي المريض افراده، ووقت القيام للصلاة عند قد قامت الصلاة.

    ويستحب رفع الصوت بالأذان في المنزل لنفي العلل ولطلب الولد، وللمريض بعد إدخال رأسه في قميصه مضيفاً للأذان والاقامة، وفي إذن المولود اليمنى والإقامة في اليسرى، واذا تغولت بك الغول، وهو كناية عن اشتداد الأمر، ومن ساء خلقه يؤذن في أذنه ولو بتركه اللحم.

    البحث الرابع:

    في الأحكام والفروع المترتبة عليهما

    فمنها ترك الإعراب واظهار الحركات أواخر الفصول، لأنها موقوفة ومجزومة، فلو أظهرها لم يخل بالأذان وإنما ترك الأفضل وليس من اللحن في شيء، لثبوت ذلك في بعض اللغات، وهذا بخلاف ما لو أخلّ بالترتيب فإنّه يوجب الاعادة، ولو نام خلالهما أو أغمي عليه ثم زال لم يبطل ما سبق فيجوز له البناء على ما مضى إلا مع الخروج عن الموالاة فيستأنف، ومع ذلك فالاستيناف مستحب في الصورة الأولى وهو ما يجوز معها البناء، ولو ارتد في أثنائه فموضع خلاف، والأشهر أنه كالإغماء والأحوط الإستئناف، ولو ارتد بعد الأذان أجزأ وأقام غيره.

    وإذا لم يوجد من يتطوّع به أعطي من بيت المال على سبيل الرزق، ولا يجوز الاستئجار، وكذا لا يجوز مع وجود متطوع والإرتزاق من بيت المال، وإذا أذن في مسجد دفعة لصلاة بعينها كان ذلك كافياً لكل من يصلّي تلك الصلاة في ذلك المسجد.

    ويجوز له الأذان والاقامة في ما بينه وبين نفسه إذا كانت الصلاة خلف المخالف، وحدّه أن يسمع نفسه.

    ولو تركهما عامداً ثم صلّى لم يرجع، ولو كان ناسياً رجع مالم يركع أو مالم يتلبّس بالقراءة، وجاء استحبابه مالم يفرغ، ويجزي الناسي الذاكر في أثناء الصلاة أن يُصلي على محمد وآل محمد في نفسه أو يسلم ثم يقيم في نفسه ويمضي في صلاته من غير استئناف.

    ولا يكره تقديم الأذان على الفجر في شهر رمضان، بل هو وغيره سواء، ويستحب أن يجعل للتقديم ضابطاً يدوم عليه لينتفع به الجيران، وإذا نسي من الأذان حرفاً فذكره حين فرغ لم يأت به، وإن كان قد فرغ من الاقامة، ولا يُعيد الإقامة.

    ويكره الإلتفات يميناً وشمالاً في أثناء الأذان إلا في التقيّة، وكذا لا يلتفت الإمام إذا قام متوجّهاً إلى الصلاة، وإذا شكّ في شيء من فصوله وهو فيه رجع له، وأتى به وبما بعده، وإن كان قد دخل في الإقامة لم يلتفت، وكذلك لو كان قد فرغ منه وكان في وقت الفصل بأحد الفواصل السابقة.

    البحث الخامس :

    إعلم أن الصلاة وما يتبعها من الشرائط بل العبادات أجمع لا تجب إلا بالبلوغ وكمال العقل، بل بالاسلام على الأقوى عند الخلو من الحيض والنفاس.

    ويتحقق البلوغ بخمس عشرة سنة كاملةً هلالية في الذكر وتسع كاملة في الأنثى، والخنثى المشكل كالأنثى، وبخروج المني من الفرجين، وبإنبات العانة فيهما، ويدل على سبقه في النساء بالحيض، وما دلّ على الوجوب بسن أربع عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة فيهما متروك ولا سيما في المرأة إذ لا قائل به عندنا.

    ويمرن الصبي بالصلاة من وليه لسبع، وبالصيام لتسع، ويضرب عليهما عند التسع، وجاء التمرين في ست والضرب عليه لعشر، ورخّص لهم الجمع بين العشائين كيلا يناموا.

    وينوي الصبي الوجوب نظراً إلى التمرين عليه وما يؤول إليه، ولو نوى الندب جاز، ولا تكفيه الوظيفة لو بلغ بعدها في الوقت.

    فلو صلّى الظهر ثم بلغ في وقت الجمعة وجبت فإن أدركها وإلا أعاد الظهر، ولو صلّى بنية التمرين ثم ظهر كونه بالغاً قبله احتمل الإجزاء، والأقوى عدمه، لأنه في الحقيقة لا يعتقد الوجوب، ومصادفة الواقع غير كافية.

النظر الثاني: في المقاصد

وعددها ستة: الأول في تحقيق أفعال الصلاة، وفصوله ثلاثة

(الفصل الأول)

في الواجبات وهي بحسب الاستقراء ثمانية

    الأول : القيام

    للقادر عليه، وهو ركن في الصلاة في الجملة، والمحقق منه ما كان في حال التحريمة، وما هو متصل بالركوع، وأما باقي مراتبه فهو تابع لما هو مقارن له، فمنها ما هو شرط محضاً كالقيام قبل النية، لتوقف صحتها عليه، وما هو متردد بين الركن والشرط وهو القيام في النية، وما هو واجب ليس بركن ولا متصل به، وهو القيام الذي يسجد عقيبه، وما هو مستحب كالقيام حالة القنوت، وما هو واجب متصل بركن كالقيام في القراءة، وعند ركنيته المحضة تبطل الصلاة بالإخلال به عمداً و سهواً وجهلاً كما هي القاعدة في الأركان التي هي النية وتكبيرة الإحرام والركوع والسجود، وقد عبرت الأخبار عن ركنيتها بالفرض.

    وليس الإستقبال من الاركان لأنه من قبيل الشروط، وكذا دخول الوقت.

    ويجب فيه الإستقلال بنفسه فلو اعتمد مختاراً  ولو عند نهوضه له بطلت الصلاة، وما دل على جوازه يحمل على عدم الاعتماد الحقيقي أو التقية، ويجوز للمضطر ، ومن تمكن منه في البعض وجب، فإن عجز عن الإعتماد وعن المشي جلس، فإن قدر على القيام والاعتماد في بعض عاد الوجوب، ويجلس كيف شاء والأفضل التربيع قائماً، وهو كجلوس المرأة حالة التشهد أو التربيع العرفي، لأن التربيع له معان متعددة ، لا التربيع المنهي عنه في الجلوس مطلقاً، ويثني رجليه بأن يجلس فيما بينهما وينحني على وجه تحاذي جبهته موضع سجوده راكعاً، والتورّك متشهداً ومسلماً.

    ولو خالف المريض لقيامه بطء برئه أو زيادة مرضه أو وجود ضعف لا يحتمل عادة تركه حتماً، فلو تكلّف القيام حينئذٍ بطلت صلاته، وكذلك مع سائر الأعذار الموجبة للجلوس وهي كثيرة تعين عليه ذلك.

    ولو قدر على القيام دون الركوع أوقع الصلاة قائماً وأومأ بركوعه، ولو عرض له في الجلوس بعد كونه فرضه ما يمنع الإستقلال اعتمد، فإن عجز صلّى مضطجعاً على الجانب الأيمن كالملحود، فإن عجز عنه فعلى الأيسر، فإن عجز عنهما صلّى مستلقياً، ويومئ برأسه في الجميع حيث يتعذّر الركوع والسجود، ويجب إدناؤه من المسجد مهما أمكن، فإن تعذّر فبعينيه فتغميضهما ركوع بنيته وسجود كذلك وفتحهما رفعهما، ويجري الأفعال على قلبه ويتلفّظ بأذكاره، وليكن السجود أخفض من الركوع في مراتب الإيماء مطلقاً، ولا يجوز أن يباعد بين الرجلين بما يخرجه عن حدّ القيام.

    ولو تعارض الإنحناء وتفريج الرجلين فالإنحناء ويحتمل التفريج، ويجوز القيام على رجل واحدة حيث يكون منتصب الصلب وكذا التحامل على إحدى الرجلين بعد الأخرى.

    ويستحب للقائم الخشوع ببصره موجّهاً نظره إلى موضع سجوده، وأن يفرق بين قدميه يجعل بينهما فاصلاً إصبعاً أقلّه إلى شبر أكثره، إلى ثلاث أصابع مفرجات وسطه، وأن يستقبل بأصابع رجليه القبلة، ويضع يديه على فخذيه بحذاء ركبتيه مبسوطتين مضمومتي الأصابع.

    ويكره له إلصاق القدمين وهذا في الرجل، أما المرأة فيستحب لها إلصاق القدمين وجعل يديها على الثديين وستجيء بقية مندوباتها.

    ويجب القيام في حالة النية والتكبير فإن الأصح جزئيتهما، ولو قلنا بأنهما شرطان أو بكون النية شرطاً دون التكبير فالأقرب وجوب القيام أيضاً.

    ويجزي الإعتماد عند وجوبه على ما شاء بغير ترجيح إلا أنه يجب مراعاة قربه إلى القيام مهما أمكن.

    ولو افتقر الى انسان بالأجرة وجبت مع الإمكان، وعند بذل الإعتماد له يجب عليه القبول، وكذا بذل الأجرة على الأصح، والفرق تحكّم بعد الإشتراك في الوجوب، ولو زادت عن أجرة المثل وجبت مع المكنة.

    والقادر والعاجز ينتقلان بتغيّر حالهما إلى ما يقدران عليه بانيين على ما سلف، ولا يقرأ في انتقاله إلى الأعلى لوجوب الإستقرار، وفي الأدنى بالعكس وإن فاته الإستقرار لقربه من القيام، ولو خف بعد القراءة جالساً انتقل إلى القيام وجوباً، ووجب الطمأنينة عليه ليركع عنها ليس ببعيد، ولو خفّ راكعاً نهض له منحنياً، والأولى عدم انتصابه حذراً من الزيادة، ويكفي في وجوب القيام للركوع قدرته على قدر ركوع القائم وإن لم يتمكن من كمال القيام، ووجوب الطمأنينة هنا أيضاً للركوع قوي، ولو خفّ بعد الركوع جالساً قام لرفع رأسه من الركوع والطمأنينة، ولو خفّ بعد رفع رأسه قبل الطمأنينة وجب القيام لها، ولو خفّ بعدها فالأقوى وجوب القيام للسجود ولا طمأنينة في هذا القيام على الأظهر.

    ورفع مسجد القاعد مقدم على الإيماء ، وكذا لو تمكن منه المتنقل إلى الإضطجاع والإستلقاء، ومن افتقر إلى الإستلقاء لعلاج العين فكالعاجز شرعاً ولو أربعين يوماً، ويرجع فيه إلى قول الأطباء الموثوق بطبّهم ، وكذا من اضطر الى الصلاة فيما يتعذر فيه القيام لقصر السقف وشبهه، وكذا لو خاف عدواً أو كمن للمشركين، أمّا من يعجز عن القيام من الإئتمام لتطويل الإمام ففرضه الإنفراد.

    والقائم كهيئة الراكع لكبر أو مرض يكفيه ذلك ، ويختلف قيامه وركوعه بالنية، فإن أمكن أن ينحني في الركوع زيادة على هيئته ولا يخرج به عن انحناء الركوع وجب عليه ذلك احتياطاً.

    ويجب الإستقرار في القيام فصلاة الماشي اختياراً باطلة ، وكذا مضطرب الأعضاء والمتمائل إذا خرج بها عن مسمّى الإستقرار، والقادر على القيام ماشياً مع العجز عن الإستقرار بغير الجلوس يصلّي ماشياً ويحتاط بإعادتها جالساً لإشتباه الدليل والفتوى.

    والمعتبر في القيام نصب الصلب فلا يجوز أن ينحني ولو قليلاً مع القدرة فإن لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة له، وأما الإطراق فجائز وإن كان إقامة النحر أفضل لقوله تعالى: {فصلّ لربّك وانحر}.

    ويجتزي فاقد البصر ووجع العين بالأذكار عن التغميض، ولا يسقط القيام للجاهل بالقراءة والأذكار حيث يتعذّر عليه التعليم بل يجب القيام بقدرها على الأظهر، وراكب السفينة العاجز عن القيام فيها لإضطرابها ينتقل إلى الجلوس، ومع تعذره فإلى الإضطجاع، وهكذا كمراتب صلاة المريض.

    ولا يجب القيام في النافلة ولا يتعيّن فيها القيام إلا بنذر و شبهه، نعم يترجّح فيها القيام على الجلوس وهو على الضعف من صلاة الجالس، إلا الوتيرة فيترجّح الجلوس فيها على القيام، وإن قرأ في النوافل قاعداً ثم ركع قائماً فله أجر القائم في صلاته أجمع، وليبق شيئاً من القراءة ليركع به، وكذا إذا احتسب ركعتين بركعة، ولا يجوز هذا الإحتساب في الفرائض إذا كان جالساً، والأحوط عدم جواز المراتب بعد القعود في النافلة مع القدر ةعليه ، ولو قلنا به كالبعض جاز الإيماء، ويجري فيها احتمال احتساب ركعتين مضطجعاً بركعة قاعداً إلا أنه قريب من التشريع، ويجوز أن يصلي النافلة بالقيام في ركعة والجلوس في أخرى لغير عارض.

    الثاني: النيّة

    وهي شرعاً القصد إلى ايقاع الفرض المعيّن أداءًا وقضاءًا لوجوبه، ويغني الوجوب الوصفي عن الوجوب الغائي، وإن كان الجمع بينهما أفضل، وعند الندب ينوي الندب، وفي الكل يراعي القربة إلى الله تعالى، وهي الركن الأعظم فيها بل هي النيّة في الحقيقة المندوب إليها، ويزيد المأموم نية القدوة والإمام نية الإمامة في الجمعة والعيدين مستكملتي الشرائط وجوباً، بل في كل جماعة واجبة ولو بالعارض، وفي غيرها له ندباً، وتتعين النافلة بتعيّن نيتها كالعيدين المندوبين والإستسقاء ونافلة الصبح، ولا عبرة بالتلفّظ بل الأقرب كراهيته لأنه إحداث شرع وكلام بعد الإقامة المنهي عنه.

    ولا يجب على المكلف احضار صورة الصلاة مفصلّة الأجزاء بل يكفيه الإجمال، ولا التعرّض للتمام والقصر وعدد الركعات، نعم يجب التعرّض للتمام والقصر في الأمكنة الأربعة للتخيير بينهما فيها، وفي قاضي الفريضة تماماً وقصراً.

    ويسقط التعيين الواجب إذا نسيه ويكفيه الترديد، ويقع الترديد بين الأداء والقضاء كمن أوقع الفريضتين أداءاً وقضاءًا متساويتين ثم تطرّق الخلل إلى أحدهما لا بعينه، ولا ترديد في الوجوب والندب للمصلّي احتياطاً بل يصليهما قاطعاً بالوجوب وإن كانت محتملة للندب.

    ويجب أن يقارن بها تكبيرة الإحرام مقارنة عرفية، من غير بسط النية عليها، واستدامة حكمها إلى الفراغ بحيث لا ينوي أو يضم ما يخالفها، أما الإستدامة الفعلية فلا.

    ولو عيّن فظهر سابقة وجب العدول إليها مع عدم مجاوزة محل العدول، أداءًا كانت أو قضاءًا، وربما يعدل من السابقة إلى اللاحقة ومن القضاء إلى الأداء لضيق الوقت في الموضعين.

    ويستحب العدول أيضاً في النوافل إلى السابقة عليها، ومن الفريضة إلى التطوع لخائف فوت الإقتداء، ولإستدراك فضيلة لا تحصل إلا به كقراءة الجمعة والمنافقين وكمصلّي الجمعة بغير غسل، ولا يجوز العدول من نفل إلى فرض فلو فعله لتأدي الواجب بالندب فلا يسلم له الفرض لكن في بقائه على النفل احتمال ضعيف.

    ولا ترتيب في القصد المذكور للأجزاء الأربعة، وفي وجوب استحضارها دفعة قبل التكبير مع الإمكان وجه لا يخلو من قوة، وفي وجوب استمرار ذلك الإستحضار الفعلي إلى آخر التحريمة وجه وجيه، ولو تعذّر ذلك في الموضعين لغلبة السهو والشك سقط اعتباره.

    وتبطل الصلاة بعزم الخروج منها وإن لم يخرج بالفعل، أو بالعزم على فعل المنافي وإن لم يفعله للإحتياط في الثاني، أما حديث النفس والوسوسة حيث لم يصل إلى حد النية فلا عبرة به، ولو تردد في الخروج وعدمه فكالجزم به على الأحوط، وتعليق الخروج على أمر محقق الوقوع أو على دخوله في الركعة الثانية غير مبطل، وخصوصاً مع ملاحظة العود إلى البقاء قبل أن يكون المعلق عليه.

    وتبطل لو نوى ببعض أفعال الصلاة الواجبة الندب أو الرياء أو دخله العجب في أثنائها أو السمعة، ولو نوى ببعض المندوبات الوجوب فيها فقد تقدّم أن ذلك مقو للصحة ولهذا جاء اطلاقه على كثير من المندوبات المتفق على ندبها تأكيداً للندبية، أمّا لو نوى بمندوباتها الرياء فالقول بالبطلان قوي سيّما عند كونه كلاماً أو فعلاً كثيراً كأدعية القنوت لو أطال فيها.

    ولو صلّى ولم يعلم بالواجب من غيره فاعتقد الوجوب في  الجميع صحت صلاته لما تقدم، ولو اعتقد الندب كان البطلان والصحة متساويين ، والصحة أقرب لأن الغرض الإتيان بالصلاة مطابقة لأمر الشارع ،وأما الحكم بالوجوب أو الندب فمن وظائف الفقيه ، ولا يكلف به أهل التقليد إلا على سبيل الأولوية ليطابق الإعتقاد الفعل، ولهذا قال صلى الله عليه وآله : (صلّوا كما رأيتموني أصلّي ) ولتعليم الصادق عليه السلاملحماد بعد ظهور خطأه في تأدية الفعل لا في الإعتقاد ، ولإمتناع كون النيّة مخرجة للشيء عن حكمه.

    ولو شك في النيّة وهو في التكبير فلا إعادة على القول بالمقارنة الظاهرة، أما على تفريقها ومطابقتها للتكبير فالإعادة قويّة، ولو أعاد ثم ذكر الفعل فالأحوط البطلان والظاهر الصحّة، أما بعد التكبير فلا التفات.

    ولو شكّ في ما نوى هل هو فرض أو نفل أو ظهر أو عصر أو أداء أو قضاء فإن ظهر له ما قام إليه بنى عليه وإلا استأنف، وناوي الأداء بها ثم ظهر خروج الوقت فالصحة ظاهرة لتعبده بظنّه ، ولو نوى القضاء بظنه فاستبان بقاء الوقت فكذلك.

    ولو شك بعد صلاة أربع أنها الظهر أو العصر وقد علم ما قام إليه تحتم البناء عليه، وإلا جعلها ظهراً لمكان الترتيب وأتى بالعصر للشك في ايقاعها  مع بقاء الوقت، ولا يجزيه أن يصلي أربعاً مرددة بين ظهره وعصره لأنها غير مبرئة للذمة ، ولا يكتفي بها إلا عند الضرورة كما تقدّم .

    ولو شك في الوقت هل أوقع الصلاة أم لا وجبت الصلاة إلا أن يكون قد خرج الوقت فإنه حائل، أو يكون قد صلّى بعدها صلاة محققة كمن صلّى العصر ثم شكّ في الظهر فلا التفات أيضاً، وإن بقي وقت الظهر لأن ايقاع صلاة العصر حائل كما في الصحيح الزراري.

    الثالث: التكبير

    وهو مفـتاح الـصلاة وجـزؤها الأول بعد النية، وصيغته المـتعينة بنص الشارع ( الله أكبر ) لا غير، ويجب أن يكون بالعربية على هذا النحو فتبطل لو أتى بالمرادف، أو قدّم أكبر، أو عرّفه بأل، أو مدّ همزة (الله أكبر)، أو وصلها، أو وصل همزة (أكبر) أو مدها، أو قصد الإستفهام بالأول وجمع (كبر) بالثاني، أو أخل بحرف منها، أو تشديد، أو أخرج حرفاً من غير مخرجه، أو لم يسمع نفسه ولو تقديراً، أو كبّر بالفارسية مع امكان التعلّم، أو أضاف (أكبر) إلى غيره عامّاً أوخاصاً، أو أدخل لفظاً بين اللفظين.

    ولو قصد بالمعنى أكبر من كل شيء لم يضر، لمجيئه في النصوص، وإن كان الأولى قصد أكبر من أن يوصف لينفي الشريك عنه بجميع صفاته.

    وتبطل الصلاة لو أحرم قاعداً مع صحته، أو آخذاً في القيام، أو عند هويه للركوع.

    ويجب التعلّم على من جهل هذه الصيغة، وعلى الأعجمي ما بقي الوقت الإجزائي، ومع ضيقه تجزيه لغته.

    وموؤف اللسان وغيره من آلات النطق يجزيه المقدور، والأخرس ولو بعارض يأتي بما أمكن، ولو تعذر أجزأه عقد قلبه بمعناه وتحريك لسانه والإشارة بإصبعه وجوباً، ومقطوع اللسان يحرك الباقي فإن استؤصل كفاه تصوره مع الإشارة بالاصبع.

    ويجب أن ينوي به الدخول في الصلاة، حتى للمسبوق فلو نوى به الركوع بطل، ولو نواهما أجزأ لأن الفعل الواحد عند صلوحه للأمرين مجز للتداخل بين الواجب والمندوب ، وعليه يحمل ما جاء من الأخبار بذلك.

    ولو كبّر مرة أخرى للإفتتاح ولو ساهياً بطلت الصلاة لزيادة الركن إلا أن ينوي البطلان للأولى، ولو كبّر ثالثة له صحّت إلا أن تصح الثانية فتبطل وهكذا.

    ولو شك انه نوى بها الافتتاح أو لا في أثنائها أعاد، وبعد ذلك لا يلتفت، والألتغ يسعى في اصلاح لسانه بحسب المكنة، فإن لم يمكنه أجزأه، ويجب على المولى أن يمكن عبده من التعليم لها، وليكن تكبير المأموم خلف امامه بعده ولا يساويه في هذا التكبير، وإن جاز له المساواة في سائر الأفعال، فلو كبّر قبله قطعها بتسليمة احتياطاً ثم كبّر بعده.

    ويستحب رفع اليدين به استحباباً مؤكداً إلى النحر مبسوطتين مضمومتي الأصابع، إلا ما بين الخنصر والبنصر فقد جاء جواز التفريق مستقبلاً ببطونهما القبلة، ومحل التكبير بعد الرفع وقبل الوضع، ولا يجاوز بهما الأذنين، ويتأكد هذا الرفع للإمام.

    ويستحب ست تكبيرات بل بعدد تكبيرات الصلاة يستفتح بها جاعلاً الأولى للإحرام والست بعدها، وله أن يجعلها الأخيرة وليس ذا بأفضل مما قلناه ، ولا يتخيّر في تعيين التحريمة من السبع وانما يتخيّر بين الأولى والأخيرة.

    ويتأكد هذا الافتتاح بهذا العدد في ستة مواضع: أول الفريضة، وأول صلاة الليل، وفي الوتر، وأول سنة الزوال، وأول سنة المغرب، وأول ركعتي الإحرام، والفضل في كل صلاة، ويجهر الإمام بالأولى ويسر البواقي، والمأموم يسر الجميع، والمنفرد بالخيار كسائر الأذكار، والأحوط له الجهر بالأولى سيما في الجهرية.

    الرابع: القراءة

    وفيه بحثان:

    البحث الأول :

    تجب قراءة الحمد عيناً في الثنائية، وفي الأوليين من الرباعية والمغرب، ويستحب استحباباً مؤكداً سورة كاملة بعدها فيما عدى الأخيرتين من الرباعية وثالثة المغرب، وتبطل لو أخلّ بالفاتحة عمداً أو جهلاً لأنه عامد، أما الناسي فلا، والمخل بالبعض ولو حرفاً كالمخل بالكل حتى في التشديد، والمد، والإدغام، أو حركة إعراب أو بناء أو سكون، اعراباً أو بناءاً، أو بجزئها الصوري، أو بالنظام كتقطيع الفاظها كالعدد، أو بالبسملة.

    وكذا يجب الترتيب بينها وبين السورة،فلو قدم السورة عليها عمداً أو جهلاً، أو قرأ في خلالها من غيرها عمداً، أو قطع القراءة طويلاً بحيث خرج عن الموالاة بها، أو نوى قطع القراءة وسكت طويلاً، أو نوى قطعها لا بنية العود، أو قرأ عزيمة في فريضة، أو ما يفوت بقراءته الوقت بطوله، أو عدل عن السورة بعد مجاوزة نصفها لغير علة من غلط أو ضيق وقت، أو عن الإخلاص والجحد بعد الشروع فيهما لغير الجمعتين في الجمعتين، أو قدّم السورة على الحمد عمداً، أو ترك البسملة مع الحمد أو بسمل لا بقصد سورة، أو أخرج حرفاً من غير مخرجه حتى الضاد والظاء عالماً أو جاهلاً يمكنه التعلّم، أو قرأ بالشواذ مع قدرته على السبع أو العشر في زمن الهدنة ولو كانت القراءة منسوبة لهم عليه السلام ، أو جهر في الفاتحة فيما يجب فيه الإخفات غير البسملة أو بالعكس، وذلك في أول الظهرين وثالثة المغرب وأخيرتي العشاء والعكس في الصبح وأولتي العشائين كل ذلك عمداً بطلت الصلاة.

    ولا جهر على المرأة ولا على المأموم خلف إمامه وإن كان قارئاً.

    ولا يجوز القران بين سورتين في الفرائض عمداً، ولا التفريق بين الضحى وألم نشرح، ولا بين الفيل ولإيلاف قريش، ولا ترك البسملة بينهما وإن حكمنا بالوحدة كما هو الحق.

    ولا يجوز التأمين بعد الفاتحة عمداً إلا لتقيّة، وكذا لو كان بعد غيرها، ولو أبدلها بـ(اللهم استجب) لم تبطل ، وإن كان ذلك مسمى آمين.

    وتجب القراءة بالعربية، فلا تجزي الترجمة حتى لو كان عاجزاً، بل ينتقل إلى التسبيح، أما باقي الأذكار فيجوز للضرورة والعجز.

    ويجب التعلم مع سعة الوقت ويسقط مع ضيقه، ولو أحسن البعض قرأه من غير تكميل من غيرها، ولو أحسن غيرها فالأحوط أن يقرأ بعددها، ثم يقرأ سورة كاملة  بعدها إن أراد الكمال، ولو لم يعلم إلا آية منها أو من غيرها اقتصر عليه من غير تكرار، ولو لم يحسن شيئاً سبّح الله وكبّره وهلله، ولا يحتاج إلى أن يكون بقدرها، والإتيان بوظيفة التسبيح في الأخيرتين لمكان البدلية عن القراءة.

    وتجب القراءة عن ظهر قلب إن أمكن، وإلا قرأ من المصحف، وهو مقدّم على التسبيح عن ظهر قلب، فإن تعذر جميع ذلك وجب الإئتمام بالعالم العدل ليتحمّل عنه القراءة.

    والأخرس حكمه في القراءة كحكمه في التكبير وسائر الأذكار فيجزيه أن يعقد قلبه بمعناه ويحرّك لسانه واصبعه، وموؤف اللسان يبالغ في اصلاحه بحسب المكنة وإلا قرأ بقدر ما يحسن ومثله اللاحن، والأعجمي قد عرفت حكمه من إجزاء الترجمة له حيث تتعذّر القراءة وحيث لم يحسن شيئاً فلا تعويض.

    ويتخيّر في أخيرتي الرباعيات وثالثة المغرب بين الفاتحة وبين إحدى صور التسبيح المنصوصة إما أربعاً أو تسعاً أو ثلاث صغريات أو اثنتي عشرة تسبيحة صورتها (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) ثلاثاً ، وعند التسع يسقط التكبير، وعند الأربع يقتصر على المرّة، والتسبيح أفضل الفردين مطلقاً، وجاء (الحمد لله وسبحان الله والله أكبر) وجاء مرة واحدة مع اسقاط التكبير، وجاء أيضاً تحميد وتسبيح وتكبير من غير ترتيب وهذا إمارة التخيير.

    ويجب الإخفات بقراءة الفاتحة في هذه المواضع وليس بتابع للأولتين، وأمّا التسبيح فكسائر الأذكار ولا بدلية له عن القراءة، نعم يجهر به الإمام لمكان الإسماع  ، ويخفت المأموم لعدمه، ويتخير المنفرد كسائر أذكاره  ، ولا يسقط التخيير لناسي القراءة وإن كانت القراءة أفضل جمعاً بين الأدلة.

    البحث الثاني: في مستحبات القراءة وسننها

    يستحب عند افتتاحها التعوذ في أول ركعة قبل قراءة الفاتحة، ولها صور عديدة، أشهرها فتوى ورواية (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) والإسرار به إلا من الإمام فيستحب الجهر به سيما في الصلاة الجهرية كالمغرب.

    والجهر بالبسملة مع الحمد والسورة في مواضع الإخفات مطلقاً، بل الوجوب ليس ببعيد إلا من المأموم المسبوق إذا قرأ خلف الإمام الحمد وسورة، وقراءة السورة في النافلة بل في الفريضة اليومية كما قد سمعت فيما سبق، وترتيل القراءة، وهي الإفصاح بالحروف وحفظ الوقوف في محالّه تاماً أوحسناً أو جائزاً، وقراءة قصار المفصل في العصر والمغرب، ومطولاته في الصبح ، ومتوسطاته في الظهر والعشاء، وهو من سورة محمد صلى الله عليه وآله إلى آخر القرآن.

    ويستحب في كل صلاة من الفرائض والنوافل أن يقرأ بالتوحيد والقدر، ويجعل الأولى في الأولى، والثانية في الثانية، وله العكس، إلا أن الأول أفضل، وقراءة الجمعة والتوحيد أو المنافقين في صبح الجمعة وجاء الأعلى أيضاً وأولاها أولاها، وفي المغرب ليلة الجمعة بها في الأولى وبالأعلى في الثانية، وجاء التوحيد أيضاً، وفي عشائها بهما وبالأعلى، وجاء المنافقون أيضاً، وفي ظهرها وجمعتها بهما إلا أن الأظهر الوجوب فيهما ، وفي عصرها بهما أو بالتوحيد في الثانية، وفي غداة الاثنين والخميس بالدهر والغاشية، والجهر في نوافل الليل والسر في نوافل النهار، وطوال السور في صلاة الليل بعد الركعتين الأولتين منها فيستحب أن يقرأ في كل من الركعتين والتوحيد ثلاثين مرّة، وله الإقتصار على التوحيد مرة في الأولى وبالجحد في الثانية، وهي أحد المواضع الستة التي جاء فيها هذا التحديد: أول سنة الزوال، وزوال نافلة المغرب، وفي فرض الغداة إذا ضاق وقتها ونافلتها، وركعتي الطواف، والاحرام، وروي البدأة بالجحد، وجاء الإطلاق فيكون بالخيار ، وأولى الصورتين أولى، والجهر في ظهر الجمعة جماعة وفرادى كذلك إلا أن الأحوط الإخفات حينئذ وفي الجمعة يجب الجهر.

    ويستحب سؤال الرحمة والجنة والإستعاذة من النقمة والنار عند آيتيهما، وتغاير السورة في الركعتين إلا إذا كانت التوحيد فلا تعتبر المغايرة، وتطويل السورة في الركعة الأولى على الثانية، والمعوذتان مجزيتان في النفل والفرض، وقراءة الحمد أو أي شيء من القرآن لمن قرأ عزيمة في النافلة وكانت السجدة في آخرها ليركع عن قراءة، وتأخير التخطي لمريد التقدم أوالتأخّر حتى يفرغ من القراءة أو يكف عنها حتى يصل إلى محله، والسكوت عقيب قراءة الحمد وقراءة السورة بقدر نفس، والأقرب استحبابه عقيب الحمد في الأخيرتين أيضاً، وأن يقول عقيب قراءة الفاتحة (الحمد لله رب العالمين)إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً، وعقيب التوحيد (كذلك الله ربي) ثلاثاً أو اثنتين أو واحدة، وبعد الأعلى (سبحان ربي الأعلى)، وبعد (يا أيها الذين آمنوا): (لبيك اللهم لبيك)، وبعد التين (وأنا على ذلك من الشاهدين)، وبعد الجمعة (وما عند الله خير من اللهو ومن التجارة للذين اتقوا)، وبعد الجحد (ربي الله وديني الإسلام) ثلاثاً، وبعد (لا أقسم بيوم القيامة): (سبحانك اللهم بلى قادر)، وإذا قال (قل يا أيها الكافرون): (يا أيها الكافرون)، وبعد (فبأي آلاء ربكما تكذبان): (لا بشيء من آلائك ربّ نكذّب).

    والأقرب مراعاة الترتيب في تسبيحات الأخيرتين، وضم الإستغفار والصلاة على محمد وآله لكل تسبيحة، واستحباب القراءة عن ظهر قلب في النافلة ويجوز في المصحف فيها اختياراً، ويستحب لمن غلط في السورة أن يعدل إلى (قل هو الله أحد)، وتكره قراءة التوحيد في نفس واحد، ويجوز أن يقرأ الحمد وسورة سواها في نفس واحد.

تتــمّة

    من قرأ العزيمة في الفريضة ناسياً وجب عليه العدول مالم يركع، ولا عبرة بتجاوز السجدة، ولا بمجاوزة النصف منها، و على مختارنا من عدم وجوب السورة لا يجوز أن يقرأ بعزيمة في فريضة، ولو جهر في موضع الإخفات جاهلاً وبالعكس أو ناسياً فيهما لم يضر.

    ويسقط الجهر عند التقّية ، ويكفي عندها من السرّمثل حديث النفس.

    ولا بأس بالقران في النافلة، بل جاء الإستحباب في مواضع عديدة كما جاء التكرار أيضاً، فمنها الوتر فيستحب أن يوتر بتسع سور، وأن يقرأ المعوذتين و(قل هو الله أحد) في الثلاث، وجاء قراءة المعوذتين في الشفع، وجاء تثليث التوحيد في الوتر.

    الخامس: الركوع

    وهو ثاني الأركان بعد تكبيرة الإحرام حتى جاء:إن أول صلاة أحدكم الركوع، ويجب فيه الإنحناء بحيث تصل كفاه ركبتيه، وذلك في كل ركعة مرة واحدة، ولو تعذر الإنحناء أتى بالممكن، ولو تعذر أومأ، ولو بلغ قوس الراكع لكبر أو غيره زاد انحناءًآ يسيراً للفرق، وطويل اليدين وقصيرهما بل فاقدهما ينحني كمستوي الخلقة، ويجب أن يقصد بهويه الركوع ، فلو هوى بقصد غيره لم يعتد به، ولو افتقر إلى ما يعتمد عليه في الإنحناء وجب، ولو إنحنى إلى حيث تصل أصابعه ركبتيه من دون الكف لم يجز في الرجل وأجزأ في المرأة.

    ويجب التسبيح فيه عيناً وصورته (سبحان ربي العظيم وبحمده) أو (سبحان الله) ثلاثاً ، ولا يجزي مطلق الذكر إلا للتقية أو الضرورة، ولا تجب الثلاث الكبريات وإن كان مبدأ الفضل والكمال، ولا يجوز القراءة حالة الركوع.

    وتجب الطمأنينة فيه بقدره ساكن الأعضاء في حد الراكع، فلو اضطرب أو ابتدأ به قبل الإنتهاء أو أتمه بعد الرفع مختاراً بطل، ورفع الرأس منه على هيئة القائم في الصلاة معتدلاً منتصباً مطمئناً، وليست ركناً بل هي واجبة.

    ولو تعذر الرفع أو الطمأنينة سقط، ولو أمكن الإعتماد وجب، فلو قدر عليهما بعد أن جلس للسجود ولم يسجد فالأقرب انه لا يتدارك، أما لو تركهما ناسياً رجع إليهما، ومثله مالو سقط بعد تمام الركوع إلى الأرض لعارض فإنه لا يرجع لهما، ولو سقط قبل كمال الركوع الواجب رجع له، والأحوط جواز قيامه منحنياً إلى حد الراكع، ولو قام لم تجب الطمأنينة هنا قطعاً لهذا القيام، والعاجز أصلاً يومئ بالرأس أولاً ثم بالعينين، وإذا أراد الركوع غمض عينيه ثم يسبّح ثم يفتح عينيه بدل الرفع.

    ويستحب فيه التكبير قائماً معتدلاً وإن أجزأه حالة الهوي له رافعاً يديه كما مر، فإذا أرسلهما ركع ،ووضع اليدين على الركبتين مفرجات الأصابع بادئاً باليمنى، ولو تعذر سقط ، ولو تمكن من احديهما فعل، وينبغي أن لا يكونا تحت ثيابه بل في الكم أو يبرزهما، وأن يرد الركبتين إلى أن يستوي ظهره ويمد عنقه محاذياً ظهره متصوراً (آمنت بك ولو ضربت عنقي) ناظراً إلى ما بين قدميه، واضعاً لرجليه كوضع القيام، متجافباً مجنحاً إن كان رجلاً، متضامة إن كانت امرأة، وتتخير الخنثى بين الوظيفتين، والدعاء أمام التسبيح، وتثليث الكبرى، فما زاد على خمسمائة تسبيحة والإمام يقتصر على الثلاث لئلا يضر من خلفه أو يكون منتظراً لداخل مسبوق فيأتي بمثل أو مثلي ركوعه، وقول (سمع الله لمن حمده، الحمد لله رب العالمين أهل الكبرياء والجود والجبروت)، وروي (اللهم لك الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما شئت من شيء) بعد سمع الله لمن حمده، وروي (ربنا لك الحمد) إلا أن الصيغة الأولى أولى، والإمام وغيره في هذا الذكر سواء، ولا يكفي بدله من حمد الله سمع له، بل في جوازه اشكال.

    ومعنى (سمع الله) استجاب وقبل وأجاب، وهي جملة دعائية، لا انشائية كما في الخبر المعتبر، ويرفع يديه عند الرفع من الركوع بهذا الذكر من غير تكبير.

    والأقرب أن الطمأنينة فيه ليست ركناً والتكبير فيه ليس بواجب، ويكره له التبزيخ   واطباق احدى الكفين على الأخرى وجعلهما بين الركبتين، ويستحب ترتيل الذكر، ولو نوى بركوعه أو بطمأنينته أو رفعه غير الصلاة ، وكذا لو نوى بباقي الأفعال، ولو نوى الرياء فيه بطل، ولو نوى الزيادة على الواجب بطل.

    السادس: السجود

    ومباحثه ثلاثة:

     البحث الأول

    يجب في كل ركعة بعد الركوع سجدتان، وهما معاً ركن في جميع الصلوات، من غير فرق بين الأولتين والأخيرتين، ويجب فيه الإنحناء بحيث يساوي مسجده موقفه أو يزيد أو ينقص بلبنة لا أكثر، وهل يجب علو الأسافل على الأعالي، الأظهر لا، أما باقي المساجد فالمساواة راجحة فيها، ولو لم يتمكن من ذلك فبما قدر عليه ولو برفع مسجده، ولو عجز عنه أصلاً أومأ برأسه ثم بعينيه كما مر في الركوع.

    والسجود يجب على الجبهة وباطن الكفّين والركبتين وإبهامي الرجلين، ويجزي وضع الكف من دون الأصابع، وكذا الأصابع من دونه، إلا أن السجود على الجميع أحوط، ولا يجوز ضم الأصابع إلى الكف والسجود على ظاهرها وظاهر الكف ، وكذا لو جافى وسط كفّه بحيث وضع رؤوس الأصابع وزنده، ولو تعذّر بعض هذه المساجد أتى بالباقي.

    ويجب تمكين الأعضاء بحيث يكون ثقله على المساجد السبعة، وملاقاة الجبهة لما يصح السجود عليه.

    ويجزي في المساجد المسمّى وأفضلها في الجبهة جميعها، ثم قدر الدرهم أو طرف الأنملة، ولو كان بجبهته دمل احتفر حفيرة ليقع السليم على المسجد، فإن تعذّر فعلى احد الجبينين أو الحاجبين، والأحوط تقديم أيمنهما على أيسرهما فإن تعذّر فعلى الذقن، فإن تعذّر انتقل إلى الإيماء المتقدّم، ويشترط بروز الجبهة ولو عند الإيماء، والساجد على كور العمامة أو على غيره مما يعد حائلاً تبطل صلاته إن كان عامداً، ولو كانت العمامة مما يصح السجود عليه أو أدخل ما بين الجبهة والعمامة ما يصح السجود عليه صح.

    ويجب الذكر فيه كما تقدّم في الركوع، ويتعيّن فيه التسبيح، وصورته هنا الكبرى (سبحان ربي الأعلى وبحمده) أو (سبحان الله) ثلاثاً، ولا يجزي مطلق الذكر إلا لضرورة أو تقية، وتجب الطمأنينة بقدره الواجب ، ولو تعذّر سقطت ، ويأتي بالذكر بعدها.

    ويجب رفع الرأس من السجود الأول والطمأنينة فيه ثم يسجد السجود الثاني على الصفة المتقدمة، ويجب رفع الرأس منه أيضاً، وتجب عقيبه على الأحوط الطمأنينة وجلسة الإستراحة في الركعة الأولى والثالثة من الرباعية.

    البحث الثاني: في مسنوناته فعلاً وتركاً

    وهي التكبير له قائماً معتدلاً، ويجزي هاوياً، والتخوية في هويه، وهو أن يبدأ بوضع اليدين معاً، وجاء السبق باليمين ثم الركبتين، واستيعاب الأعضاء، وارغام الأنف -وهو السجود عليه- سنّة مؤكدة، ووضعه على الرغام أو ما أصاب الجبهة أحوط في تحققه، وزيادة التمكين في الجبهة ليحصل الأثر.

    والسجود على الأرض، وأفضلها التربة الحسينية مسوية لوحاً أو مدقوقة تراباً، وضم أصابع اليدين حالة السجود، ولا يجعلهما بإزاء الركبتين، بل يحرفهما شيئاً عن ذلك حيال المنكبين، ونظره ساجداً إلى طرف أنفه، وجالساً إلى حجره وضم موضع سجوده إليه أحوط في تحققه.

    ومساواة مسجده لموقفه أو نقصه بما لا يزيد عن لبنة أو زيادته كذلك، والتجافي للرجل بحيث لا يقع شيء من بدنه على شيء منه، مجنحاً بالعضدين، مفرقاً بين الفخذين والذراعين، غير مفترش لهما افتراش السبع، مخرجاً لليدين من الكمين.

    والدعاء أمام الذكر بالمأثور، وتكرار التسبيح كما مر في الركوع، والدعاء بالمباح جائز فإنّه حقيق بالإجابة لأنه أقرب ما يكون العبد إلى ربّه وهو ساجد.

    والتكبير بعد الرفع من الأولى معتدلاً، والدعاء بين السجدتين بعد الاستغفار وقبله، والتكبير للثانية معتدلاً ، والتكبير أيضاً بعد رفعه منها معتدلاً، والتورّك في الجلستين ، وهو أن يجلس على وركه الأيسر مخرجاً رجليه من تحته جاعلاً ظهر اليسرى على الأرض وظاهر اليمنى على باطن اليسرى، ووضع اليدين على الفخذين مبسوطتي الأصابع، وترك الجلوس على الجانب الأيسر، وترك الإقعاء بين السجدتين، وهو أن يقعد على عقبيه ويعتمد بصدري قدميه على الأرض، وكذا يكره الإقعاء في جلسة الإستراحة إلا انه أخف كراهة، والإعتماد على يديه عند قيامه من السجود سابقاً برفع ركبتيه وبسط أصابع الكفّين حال القيام والعجن  بهما مكروه، وكذا النفخ في موضع سجوده، ولو تولد عنه حرفان بطل إن كان متعمداً وإلا سجد للسهو، ولا يكره السجود على المروحة والسواك ولا على العود إذا استقرّت الجبهة عليها، ويجوز تسوية المسجد والحصى للسجود في أثناء الصلاة ومسح الجبهة من التراب، وتأخيره إلى أن يفرغ من الصلاة أفضل.

    ويستحب أن يقول عند قيامه في كل ركعة ولو كان متشهداً (بحول الله وقوته أقوم وأقعد)، أو (بحولك وقوتك أقوم وأقعد وأركع وأسجد)، وجاء التكبير للقيام أيضاً فهو بالخيار بين هذا الذكر، وليقله جالساً قبل أن ينهض.

    البحث الثالث: في الأحكام

    لو وقعت الجبهة على أزيد من لبنة جرّها إن أمكن، وإلا رفعها وسجد، ولو نسي حتى رفع استدرك السجود ولو في السجدتين معاً، ولو لم يذكر حتى دخل في ركن آخر فالصلاة باطلة لتركه الركن، ولو وقعت على لبنة فما دون استحب جرها إلى المتعدل، ولو كان على مالا يصح السجود عليه رفعها على وجه لا ينتصب فيه للجلوس، ولو وقعت على ما لا يصح السجود عليه وذكر بعد رفع رأسه فالأقرب الصحة، والإعادة أحوط، وكذا لو ظنّه مما يصح عليه السجود فظهر خلافه.

    ولو كان بيده مسجده يضعه ويرفعه تقيّة فالأقرب انه غير مبطل إلا ان السجود على ما يتقى منه أولى، أما لو علم انه مما لا يصح السجود عليه ثم اتفق انه سجد عليه ناسياً أعاد صلاته، ويحتمل البناء وإعادة السجود خاصة، ولو كان عبثاً فالظاهر انّه ليس بفعل كثير.

    وحد الجبهة ما بين قصاص الشعر إلى الحاجبين، وعرضاً ما بين الجبينين، وليس ما بين الحاجبين منها، فلو أراد السجود فسقط بلا قصد أجزأته ارادته، ولو لم يرده فسقط فالأقوى عدم الإجزاء، ولو نوى ترك السجود فسقط لا للسجود لم يجزه والأحوط البطلان، ولو سجد فعرض له وجع ألقاه على جنبيه ثم عاد للسجود فإن تطاول انقلابه لم يجزه وإلا أجزأه لبقائه على النية، وربما استشكل بلزوم زيادة سجدة إن كان قد صدق مسمّى السجود فيبطل والأقوى الأول، ولو وقعت الجبهة على الأرض ثم ارتفعت ووقعت ثانياً بغير اختياره فهل تعد الأولى سجدة ويعفى عن هذا الرفع؟ الأقوى العفو إذ لا عمد ولا سهو.

    السابع: التشهد

    وهو واجب على رأس الثانية مطلقاً وفي الثلاثية والرباعية تشهدان، وهو واجب غير ركن حتى الصلاة على محمد وآله صلى الله عليه وآله فيه، وله عبارتان أحوطهما وأفضلهما ( أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد)، ويجب على القادر تأديته بالعربية ،ولغير القادر العاجز عن التعلّم ترجمته، والأخرس ومن بحكمه ما مرّ في تكبيره وقراءته و أذكاره، ولا يجوز حذف شيء منه سوى (وحده لا شريك له)، فقد جاء بدونها ، وكذا (عبده) فكأن الوجوب فيها تخييري، ولو أضاف الرسول إلى الضمير عند حذف (عبده) لم يجز.

    ويجب مراعاة الجزء الصوري وهو الترتيب، والعربية بحسب الإمكان، وكذلك الموالاة بمعنى الإتباع المعتاد، وأن لا يتخلله كلام خارج عنه، والجلوس له إن لم يكن يجب عليه القيام في الصلاة كالعاري عند وجود المطلع أو عدم أمنه وكذلك الحائض والماشي لعذر، وجاء القيام فيه التقية، وتجب الطمأنينة بقدره.

    ويستحب في التشهد الأول أن يقول (بسم الله وبالله، والحمد لله، وخير الأسماء لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، وأشهد أن الله ربي نعم الرب، وأن محمدا صلى الله عليه وآله نعم الرسول، اللهم صلّ على محمد وآل محمد، وتقبّل شفاعته في أمته، وارفع درجته، الحمد لله رب العالمين ــ مثنى أو ثلاث ــ) ، وفي التشهد الثاني ذلك كله إلى نعم الرسول، ويزيد عليه استحباباً: (التحيات لله والصلوات الطيبات الطاهرات الزاكيات الغاديات الرائحات السابغات الناعمات ، لله ما طاب وزكى وطهر ، وما خلص وصفى فلله)، ثم يكرر التشهد إلى الساعة ثم يقول ( وأشهد أنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور) إلى قوله في رواية أبي بصير (ولا تزد الظالمين إلا تبارا) .

    ويستحب أن يقول:( سبحان الله) سبعاً بعد التشهد الأول وقبل القيام منه، واعلم أن مورد التحيات المذكورة التشهد الذي يخرج به عقيبه من الصلاة، فلا تحيّات في التشهد الأول في الرباعية والثلاثية ، فلو أتى بها فيه فالظاهر عدم الجواز، نعم جاء في مسنوناته كلما ذكر الله به وذكر نبيه وآل نبيه فهو من الصلاة.

    وليكن الجلوس فيه التورّك كما تقدم، ولتكن فيه الإليتان على الأرض، وللتورّك صور في كلمات القدماء والمتأخرين، والأظهر ما قلناه في السجود، هذا في حق الرجل، أما المرأة فتجلس متربعة بالتربّع المشهور متضامّة.

    ويكره الإقعاء بل ظاهر بعض الأخبار التحريم، ويضع اليدين على الفخذين كهيئتهما بين السجدتين، وينظر إلى حجره، ويدعو فيه للدين والدنيا، كما يجوز في أحوال الصلاة، إلا أن المأثور فيه أفضل أدعيته، وأن يأوّل وضع الرجل اليمنى على اليسرى بإماتة الباطل وإقامة الحق.

    الثامن: التسليم

    وهو آخر أجزاء الصلاة لأنه تحليلها، والوجوب والدخول فيه قويان إلا أن يأتي بـ(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) قبله لأن صيغته الواجبة هو (السلام عليكم)، والأحوط إضافة (ورحمة الله وبركاته)، وأما الصيغة المذكورة قبله أعني (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فليستا من الواجب في شيء وإن أشعرت به بعض الأخبار، وعلى القول بالإتيان بها وجوباً أو استحباباً فمحلها التقدّم على (السّلام عليكم).

    ويجب الجلوس فيه بقدره، والطمأنينة، ومراعاة أمر الصيغة مادةً وهيئةً.

    ولا تجب نيّة الخروج به لإنصرافه إليه ، وإن كان جزءاً من الصّلاة ، ولا ينافيه الإلتفات فيه لإختصاصه بهذا الحكم.

    وسننه أن يكون على هيئة المتشهد جلوساً أو قياماً لتبعيته له ونظراً ووضعاً لليدين، وتقديم قوله (السلام عليك أيها النبي) لندبيته في التشهد، وكذلك (السلام علينا)، والأقوى ما قدمناه من أن هذا التقديم واجب والترتيب بينهما معتبر، وأن يقول فيه: (السلام على جميع أنبياء الله وملائكته ورسله، السلام على الأئمة الهادين المهديين) ثم يسلّم الإمام واحدة إلى القبلة مؤمياً بأنفه لمن خلفه من المأمومين، وكذا المنفرد لكن يومئ بمؤخر عينيه، وإن كان المأموم والإمام في صف سلّم عن جانبيه كما فعله موسى بن جعفر عليه السلام ، والمأموم كالإمام إن لم يكن على يساره ولا حائط، وإلا سلّم تسليمتين عن جانبيه وثالثة يقصد بها الرد على الإمام.

    ثم انه يقصد بالتسليم والإيماء حالة الإنفراد الملائكة التي هي كتبة الحسنات الكائنة على يمينه حيث أن الصلاة حسنات، وأما الإمام فكذلك مع المأمومين والمأموم كذلك مضيفاً لهم الإمام ومن على يمينه ويساره، ولو قصد المصلّي الأنبياء والأئمة والحفظة مع المذكورين جاز، والظاهر أن هذا الرد غير واجب لعدم قصد المصلّي التحيّة المحضة.

تتمّـــة

    المرأة كالرجل في جميع أحكام الصلاة إلا ما استثني لها فيما تقدّم، وكذلك ما عليها مما تنفرد به، وأنها تجمع بين قدميها كما سمعت في قيامها وركوعها، وتضم ثدييها إلى صدرها بيديها، فإذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها ولا ترفع عجيزتها، فإذا أرادت السجود بدأت بالركبتين قبل اليدين، ثم تجلس على إليتيها حيثما تجلس في التشهد لا كما يجلس الرجل، ثم تسجد لاطية بالأرض باسطة ذراعيها، ضامّة بعضها إلى بعض، ولتضم فخذيها وترفع ركبتيها من الأرض، فإذا نهضت للقيام لم تعتمد على يديها، ولا ترفع عجيزتها أولاً، بل تقوم على قدميها، وتجعل يديها على جنبيها، ثم تنسل انسلالاً، ولا تكشف عن جبهتها في السجود بما يزيد على الواجب.

( الفصل الثاني )

في مستحبات الصلاة

    وقد سبق كثير منها في ضمن أفعالها الواجبة متعقباً لذكرها، والمذكور هنا ثلاثة:

    الأول : ما يستحب قبل الدخول في الصلاة

    وهو التأهب لها قبل حضور وقتها بالطهارة في الأعضاء وما يتمكن من فعله من الشرائط، والمشي إليها في المسجد خاضعاً ذليلاً، على سكينة ووقار قلبي، قائلاً مائة مرّة (لا إله إلا الله والله أكبر معظماً موقّراً مسبّحاً مقدّساً كبيراً، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبّره تكبيرًا، بسم الله وبالله، ومن الله، وخير الأسماء كلها لله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) ثم يأتي بالأدعية المأثورة بعد دخوله المسجد، وتوجهه إلى القبلة مثل (اللهم إليك توجّهت ولمرضاتك طلبت) ومثل (يا محسن قد أتاك المسيء) ومثل (بالله أستفتح وبالله أستنجح وبمحمد صلى الله عليه وآله أتوجّه) إلى غير ذلك من الأدعية المأثورة في الكتب المبسوطة.

    الثاني : ما يستحب فيها

    وهو أن يكبّر سبعاً ويحمد الله سبعاً، ويهلل سبعاً، ويسبّح سبعاً، ومنها القنوت على الأظهر في كل ثنائية فريضة كانت أو نافلة، قبل الركوع، لا بعده، إلا للتقية، أو لتدارك نسيانه إلا في الغداة والوتر، ويتأكد في الجهرية، وللإمام، وفي مفردة الوتر، إلا أن قنوتها الإستغفار، وفي غيرها الدعاء بعد كلمات الفرج، وهي أفضل ما يقنت به، ويقنت في الجمعة عند استكمال شرائطها الآتية في الركعة الأولى قبل الركوع، وهو قنوتها الأعظم وفي الثانية بعده على الأشهر.

    ويستحب الجهر به، إلا للمأموم فيخفت به كأذكاره، والتكبير له، ورفع اليدين تلقاء وجهه، مبسوطتين مضمومتي الأصابع وبطونهما إلى السماء، ويسقط هذا الرفع للتقية، ويجزي عنه الرفع للركوع، وأقلّه تسبيحات خمس أو ثلاث أو البسملة ثلاثاً.

    وأما المسنونات من الأدعية القنوتية فكثيرة جداً، ولكل إمام قنوت بل قنوتات سيما الوتر.

    ويتابع المأموم فيه امامه حيث كان مسبوقاً، ويرجع الناسي لو هوى إلى الركوع ولما يتمه، فإن أتم الركوع أو دخل فيه قضاه بعده ثم إن لم يقضه حينئذ قضاه بعد الصلاة جالساً مستقبلاً، ولو ذكر بعد انصرافه قضاه ولو في الطريق قائماً.

    ويجوز الدعاء فيه حيث يكون متعلقة مباحاً للدنيا والدين، فإن دعا بالمحرم بطلت صلاته، وكذا إن قال (آمين )، ويجوز بالترجمة لمن لم يقدر على العربية، وخير الدعاء ما جرى على لسانه.

    ويجوز الدعاء للمؤمنين كما يجوز على المخالفين، ويجوز اطالته مع سعة الوقت، سيما في صلاة الغداة يوم الجمعة، والنظر فيه إلى باطن كفيه ، والجمع بين موضع سجوده وباطن الكفين أحوط.

    الثالث : ما يستحب بعدها

    وهو أن يكبّر ثلاثاً رافعاً بها يديه وهو من أهمه، ويقال على الجميع التعقيب، ثم يأتي بالدعاء المأثور، ويستحب تسبيح الزهراء (عليها السلام) بأن يكبّر أربعاً وثلاثين ثم يحمد ثلاثاً وثلاثين ثم يسبح ثلاثاً وثلاثين، وقد جاء تقديم التسبيح على التحميد، والجمع بالتخيير حسن وإن كان المشهور أولى، وجاء الأمران عند النوم، وأن يختمه بالتهليل.

    ثم يأتي بالتعقيبات المختصّة والمشتركة في الصلوات كلها وكذلك في النوافل، وهي كثيرة يطول بها الإملاء، فإن ضاق الوقت اقتصر على أهمها، وينبغي تقديمه على النوافل إلا المغرب فيكتفي بالأقل منه ثم يعقّب عقيبها، وفضل التعقيب بعد الفريضة على ما بعد النافلة كفضل الفريضة على النافلة.

    ومنها سجود الشكر، وأفضله بعد الفريضة قبل النافلة حتى في المغرب، وما ورد فيه أنه بعد الأربع محمول على التقيّة لأن فضل السجود بعد الفرائض عليه بعد النوافل كما قلناه في التعقيب للخبر المهدوي الصحيح.

    ويستحب التعفير بين سجدتي الشكر على الجبين والخد والمبالغة بالدعاء فيهما، وأقلّها أن يقول شكراً شكراً ثلاثاً أو شكراً لله، أو بدلها حمداً مع اضافة الله، وبدونها، بعد الأدعية المأثورة فيها وأكملها مائة فصاعداً.

    وليكن في حالتي التعقيب والسجود على طهارة وعلى هيئة الصلاة، مع اجتناب ما يجتنب في الصلاة لأنه يضر به ما يضر بالصلاة، وينبغي أن يترجم الإمام للمأمومين معنى التسليم بالأمن والسلامة من العذاب والنار.

    وأفضل الآلات التي يعد بها التسبيح هو التربة الحسينية على مشرفها السلام، فإن ادارة الحبّة منها بالذكر يستحق سبعين حسنة، وغير مسبح يعبث بها ثلاثين، وانه يكتب له ثواب المسبّح إذا كانت معه وإن لم يدرها، وليكن عددها أربعاً وثلاثين حبّة عدد التكبير، وجاء ثلاثاً وثلاثين، وبعدها تربة الحمزة سيد الشهداء، وبعدها بالأصابع، سيما للمرأة فإنها مسؤولات، ولا يجوز بغيرها كالحصى ونحوه، لأنه من التشريع ولا من السبح االمتخذة من غيره ولو من اللؤلؤ الرطب لحصر التسبيح فيه في الصحيح عن القائم عليه السلام كما في التهذيب والإحتجاج.

(الفصل الثالث)

 في منافيات الصلاة مما يوجب تحريماً وابطالاً، أو تحريماً، أو سلب ثواب

    وفيه بحثان:

    البحث الأول : في مبطلاتها

    وهي كثيرة فمنها ما يبطل الطهارة عمداً وسهواً وجهلاً اختياراً واضطراراً كالحيض والنفاس والإستحاضة التي لم يتطهر لها وهي العائدة بعد انقطاع الحيض وبعد العشرة، وكل حدث سابق أو سبق إليه بغير اختياره، ولا يجوز البناء على ما مضى بعده إلا في المبطون حيث انه يتوضأ ويبني ، وللمتيمم إذا فجأه الحدث فوجد الماء بعده أو يكون الزمن زمن تقية.

    وبالخروج عن التكليف بالجنون والإغماء والردّة لكن الأولين عائدان إلى الحدث كما سمعت في النواقض، وبمثل انقاذ الغير من الهلكة عند الاحتياج إليه في ذلك، وفعلها قبل الوقت بحيث لا يدخل عليه وهو فيها أو عند كونه عامداً مطلقاً، والفعل الكثير الممتحية به صورة الصلاة عادة ومثله السكوت الطويل، والأكل والشرب، وتعمّد كشف العورة أو بعضها، وتعمّد التكفير وهو وضع احدى اليدين على الأخرى قارئاً أو غيره بحائل أو غيره، اليمنى أعلى أو أسفل إلا للتقية اعتقد ندبه  أو لا، فوق السرّة أو تحتها، وضع الكف على ظهر الكف أو لا.

    وتعمّد الإنحراف عن القبلة وإن لم يبلغ حد اليمين واليسار ولو سهواً إلا أن يخرج الوقت فلا قضاء ولو كان مستدبراً، والكلام بحرفين فصاعداً مالم يكن قرآناً أو ذكراً لله أو دعاءًا مباحاً، والحرف المفهم بمنزلة الحرفين، وذو المدّة كلام ، وكذا من أنّ في صلاته وإن كان أصله الذكر، والمكره عليه كالناسي، والأحوط أنه يُعيد كالعامد.

    ولا تبطل بالإيماء لمن لم يكن فرضه وإن أفاد معنى الكلام، وإيماء الأخرس عوض الكلام كالكلام، وكذا حركة لسانه بما يُفهم، وكذا كل إيماء يجري مجرى التكلّم لخرس أو غيره، ولا يبطل الكلام ناسياً على الأظهر إلا أن يخرج به عن اسم المصلي لطوله، ولو حصل من التأوّه أو النفخ أو التنحنح وكان مفيداً فهو كلام وإلا فلا.

    والتسليم المخرج من الصلاة كالكلام فتبطل بتعمّده لا بنسيانه، والمتكلّم بظنّ الفراغ من الصلاة والمسلم كذلك كالمتكلّم ناسياً، ولو قال (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) فإن قصد القراءة والخطاب للغير فموضع اشكال، والإحتياط بالإعادة لا يخفى حسنه، أما قصد محض الافهام مع ذهوله عن القراءة فالبطلان قوي، ومثله الإفهام بالذكر إذا قصد به محض الإفهام، ومثله التسبيح، ولو تلفّظ بالقرآن قاصداً طلب محرم أو رفث بمحرمة بطلت وفي المحللة اشكال والأحوط الإعادة.

    وقد استثني من الشرب الممنوع فيها الشرب في الوتر لمريد الصوم حيث لم يستدبر القبلة، أو كان على الراحلة أو مسافراً ولو كان ماشياً ومستدبراً.

    وتعمّد القهقهة وهو الضحك الذي له صوت وإن لم يكن هذا الصوت الخاص، لا التبسّم حيث انه لا صوت له، والبكاء على ميت ما لم يكن مندوباً للبكاء عليه كالبكاء على الحسين عليه السلام ومن ضاهاه فهو كالبكاء من خشية الله في الثواب والأجر، إلا أن يخرج به عن كونه مصلياً.

    وتعمّد الصلاة في المغصوب ثوباً أو مكاناً أو مصاحباً على الأحوط، وفي النجس كذلك ثوباً أو بدناً أو محل الجبهة في السجود بغير المعفو عنه وليس مضطراً كثوب المربية، وقد مرّ حكم الجاهل والناسي في ذلك.

    وتعمّد ترك واجب أو فعل متروك محرم أو زيادة، وفي الركن يبطلها ولو سهواً إلا الركوع والقيام مع الإمام سابقاً عليه وكذلك السجود قبله.

    ويبطلها أيضاً عدم تحصيل العدد، وعدم حفظ الأولتين، ونقص ركعة فما زاد ولم يذكر حتى أتى بالمنافي عمداً أو سهواً، أو زيادة خامسة ولو سهواً ولم يجلس على رأس الرابعة بقدر التشهد متشهداً، وكذا لو كان شاكاً في التشهد وقد تجاوز محلّه، وهذا في الرباعية، أما غيرها فتبطل مطلقاً إلا اتمام المسافر جاهلاً مطلقاً أو ناسياً وقد خرج الوقت فإنهما لا يبطلان.

    ولو رأى نجساً في أثنائها فقد مرّ حكمه، ولو نقله من مكان إلى آخر ولم يبادر إلي غسله ولا نزعه فكالمتعمّد، ولو وجد نجاسة وأمكن ازالتها بغير منافات كالإستدبار والكلام عمداً ولا كثرة فعل إستمرّ وأزالها ولا يضر لجهله بذلك الحال، غير أنه لا يشتغل بأفعال الصلاة حتى يغسلها أو يزيلها ولو بالقطع أو النزع.

    ولو قال في الرد على المسلم عليه فيها (عليكم السلام)، كان من الكلام المبطل لها، فيرد بـ(السلام عليكم) أو( السلام عليك)، أو يأتي به منكراً في الصيغتين، والأحوط رد كل تحية عرفية بالدعاء العرفي.

    ولا يكره السلام على المصلّي، لأنه من حقوق الإيمان فلا يترك إلا في المواضع المنصوصة بعدمه، وما دل على كراهة التسليم عليه فسبيله التقيّة.

    ولو ترك رد السلام أو رد الوديعة المطالب بها في الصلاة مع القدرة على أدائها من غير ابطال فالأقرب عدم الإبطال، لعدم تعلق النهي بشيء من الصلاة، وكذا ابقاء الدين الواجب القادر على أدائه بعد المطالبة سواء أتى بفعل من أفعال الصلاة في تلك الحال أو لا.

    أما المطالب بالوديعة أو الدين فيترك الأداء ويُصلي مع سعة الوقت بعد المطالبة فموضع خلاف واشكال، والمشهور البطلان، لكن دليله أصولي بحيث لم يقم عليه البرهان، وكذا الكلام عندهم في باقي العبادات الموسعة، كل ذلك مع التنافي بينها وبين أداء حق الآدمي، أما لو أمكن الجمع بينهما فلا ابطال، وحكم الخمس والزكاة كذلك عندهم، وإن لم يكن لهما مطالب لتحقق الفورية فيهما.

    ولو نوى المتخيّر في الأماكن الأربعة عدداً من قصر أو تمام فعدل عنه إلى غيره بغير موجب فالبطلان قوي وإن شرطنا تعيين العدد، ويمكن اختصاص البطلان إن عدل إلى الناقص لا إلى الزائد، كما لو نوى المسافر الإقامة في أثنائها فإنه يتم الصلاة كما سيجيء، وفي العكس الخلاف كمن نوى السفر في أثناء الصلاة التامّة بنية الإقامة أو بعد التردد شهراً.

    ولو نوى الصلاة بسورة معينة فله العدول إلى غيرها حيث يكون في محل العدول وليس فيه عدول، وكذا لو نوى المطولة فخففها.

    ويجوز نيات العبادات في حال الصلاة حتى نية الإحرام مقارناً بها التلبية بعد التسليم، سيما إذا كان من عزمه أن يحرم دبر الفريضة، وفي جواز التلبية قبل التسليم خلاف، من انها ذكر وثناء، ومن انها ليس الملحوظ بها الذكر بل هي عقد للإحرام، والأقوى عدم جوازها، نعم ورد جوازها في الصلاة في اجابة الولد لأمه دون أبيه لو نادته حيث يقصد بهذه التلبية اجابة الله لما ندبه إليه.

    ويجوز في الصلاة الإيماء لطلب الحاجة والأغراض، وضرب الحائط، والتصفيق، وعد الحصى، وتسويته، وتذكر الحاجة المنسية، وقطع الثالول ما لم يسل الدم، وحمل الصبي من الأم والمرضعة، واسكاته، وغسل الرعاف ان كان الماء عن يمينه وعن شماله أو من خلفه، فيغسله من غير أن يلتفت، وقتل البقّة والبرغوث والقملة وإن كان دفنها أفضل، وضم الجارية إليه، والحذف بالحصى لإعلام الغير والإصغاء إلى كلام الغير، إلى غير ذلك من الأفعال المستثناة بالدليل وإن كان كثير منها مكروه الفعل.

    ويحرم قطع الصلاة اختياراً إلا في مواضع مستثناة بالدليل، إما لوجوبها أو استحبابها، ومن هنا قسم قطع الصلاة إلى الأحكام الخمسة أو الأربعة، فقد يجب وقد يستحب وقد يباح وقد يكره.

    فالأول : قطعها لإنقاذ الغريق والمحترق والمتردي وشبهها حيث يتعين عليه ذلك فلو استمر عليها بطلت صلاته.

    والثاني: لإستدراك الأذان والإقامة والإئتمام بإمام العصر.

    والثالث: كقتل الحية التي لا يغلب على الظنّ أذاها وكاحراز المال الذي لا يضر فوته.

    والرابع :كاحراز المال الذي لا يبالي بفوته.

    وبالجملة فهذه الأقسام تابعة أحكامها لأحكام غاياتها، وما سواها محرم وعليه بُنيت القاعدة، وكلما كان من هذه المنافيات فعلاً للمكلّف فهو حرام ويُسمّى تركاً، اما عقص الشعر للرجل فالأقوى أنه حرام مبطل وإن كان المشهور الكراهة.

    البحث الثاني : في منافيات الأفضلية

    والمراد بها التروك التي كره فعلها الشارع وأحب نزاهة الصلاة عنها.

    وهي مدافعة الحدث ابتداءاً بخلاف ما لو عرض في الأثناء وأمكن اتمام الصلاة على وجهها فلا بأس به، ولا فرق بين البول والغائط والريح والنوم، ولا تجبره فضيلة الإمام والجماعة ولا شرف البقعة فتبقى الكراهة، وفي احتياجه إلى التيمم لضيق الوقت عند استعمال المائية فهو موضع نظر والأقوى الوجوب حينئذ.

    ومنها الدخول في الصلاة متكاسلاً أو مشغول القلب بغيرها، بل ينبغي ازالة كل شاغل عن الخشوع، وحضور القلب فإن الاقبال روح العبادة ، وأن للصلاة أربعة آلاف حد غير واجباتها ومحرّماتها.

    والتثاؤب، والتمطي، والعبث، وفرقعة الأصابع، فجاء انها حظه من صلاته، والتنخم والبصاق، والتنحنح إلا مع الحاجة إليه، والتبسّم، والتجشي، وتفريج أصابعه في غير ركوع، والأنين بحرف والتأوّه به، والإلتفات اليسير يميناً وشمالاً بحيث لا يبلغ حدهما، وما زاد على ذلك حرام مبطل إذا كان بكله أو بما اذا قلب وجهه عن القبلة، ولا يضره رؤية ما وراءه حالة ركوعه، ونفخ موضع السجود سيما إذا كان يؤذي من إلى جانبه، ولبس الخف الضيق، والجمع بين القدمين، وشد اليدين والتخصر، وهو جعل اليدين على الوركين، والأقرب انه وضعهما على الخاصرتين وانما ذلك التورك، ورفع البصر إلى السماء، وتغميض العينين حال الصلاة كلها إلا في الركوع، والسدل، وقد تقدّم معناه في اللباس، وفسّر بوضع الثوب على الرأس وإسداله، والاستناد بغير اعتماد، وتعمّد حديث النفس، بل ينبغي مدافعته مهما أمكن.

    ولا يكره التفكر في معاني كلام الله ولا معاني أذكار الصلاة، بل ملاحظة ذلك من السنن الأكيدة حتى جاء عدم قبول الصلاة بدونه، ما لم يسلبه الخشوع كما جاء فيمن انهمك في طلب علم النحو ومراعاة قواعده سيما النادرة، ولا بأس بتسميت العاطس بحمد الله تعالى والصلاة على محمد وآله ولا بأس بالدعاء المشهور في تسميت العاطس بغير الصلاة، وكذا يستحب ذلك للعاطس نفسه.

    ويستحب الإكثار من الصلاة على محمد وآله في قيامه وقعوده وركوعه وسجوده ليكتب له مثل قيامه وقعوده وركوعه وسجوده.

    وينبغي رد القيء مهما أمكن، ولو ذرعه لم يقطعها، وكذا لو تعمده وإن كره كراهة مغلظة، وينبغي أخذ النخامة والبصاق في ثوبه أو أن يرميه تحت رجليه أو عن جانبيه لا إلى القبلة، ورمي القملة والبرغوث والهوام الجسديّة، وقد تقدّم جواز قتلها.

    وجوز عد الركعات بالحصى والأصابع وضبط الركعات بتحويل خاتم، وعد التسبيح والإستغفار بهما وبالمسبحة، ومناولة العاجز العصى، ودفع الغنمة عند دخولها عن الفساد، وقتل الحيّة والعقرب والإشارة باليد وبالرأس، ودفع المارة بينه وبين مسجده وقبلته، وفعل الخطوتين دون الثلاث متقدماً أو متأخراً وترك التخطي بالأقدام وإنما يجرّها جراً.

    ويستحب المسح في الصلاة للرأس والرجلين مع الشك وبقاء البلة، وكذلك المسح على اللمعة الباقية من الغسل والوضوء مع الشك وبقائها.

المقصد الثاني

في باقي الصلوات المفروضات وغيرها، وهو ذو فصول خمسة

(الفصل الأول)

في صلاة الجمعة

    ومباحثه أربعة:

    المبحث الأول: في ماهيتها

    قد عرفت انها ركعتان بالأصالة، لا ظهراً مقصورة، بل هي الركعتان اللتان فرضهما الله تعالى ظهر يوم الجمعة وتركها على حالها في الحضر عند استكمال الشرائط الآتي ذكرها، فليست بدلاً من الظهر أيضاً، لأن الظهر في الجمعة عند فقد الشرائط قد أضاف إليها ركعتين كسائر الأيام.

    ومع ذلك فقد اختلفوا في وقتها مبدءاً ونهاية حيث لم تكن ظهراً، والأقوى من تلك الأقوال أن مبدأه الزوال، ويمتد بقدر فعل الخطبتين والركعتين بعدها، وقد قدرت بمضي ساعة، ورخص ايقاع خطبتها في الظل الأول لتقع الركعتان عند تحقق الزوال، وقد صار بقاء الوقت من شروطها نعم لو خرج وهو فيها أتمها جمعة إماماً كان أو مأموماً، وهل يشترط مع ذلك ادراك ركعة أو يكفي التلبّس بالتكبير؟ وجهان، والأقوى الأول فلو قصر عن الركعة الثانية فالظهر، ولا يجوز العدول إليها.

    ولو علم ابتداءاً أو ظنّ عدم اتساع الوقت لها صلّى الظهر، ويكفي سعة الخطبتين وركعة كما لو خرج في الأثناء، والمأموم يكتفي بإدراك ركعة من الأولى وإن لم يدرك الخطبتين، ولا يشترط ادراك تكبيرة الركوع ، وإن كان الأحوط اعادتها ظهراً لو لم يدركها.

    ويجب السعي على البعيد قبل الزوال على وجه يدركها، ولو صلّى الظهر في تلك الحال لم تسقط الجمعة بل يجب السعي فإن أدركها وإلا أعاد، ولو شك أنه صلّى قبل صلاة الإمام أو بعدها أعادها، ولو صلى الظهر ساهياً ثم لم يدرك الجمعة بعد أجزأته صلاته، وهل يشترط في صحة الظهر فعلها بعد فراغ الإمام من الجمعة أو في وقت يعلم أنه لو سعى فاتته، قولان أقربهما الأول، أما من لم تجب عليه فيجوز له فعل الظهر قبل صلاة الجمعة.

    المبحث الثاني: في الشرائط وهي قسمان

    القسم الأول : في شرائط وجوبها والتكليف بها

    وهي البلوغ المتحقق بإحدى العلامات التي مرّ ذكر بعضها من السن، والإحتلام، والحيض، والحمل.

    والعقل، والذكورة، والحرية ولو ببعضه، والحضور أو ما في حكمه، والبصر، والسلامة من المرض والإقعاد والهمية، ومن البعد الزائد عن فرسخين، والأحوط فعلها لمن بعد بفرسخين، ولا يقدر البعد بدون ذلك لبعده عن ساحة الملائمة لهذا البعد.

    ومن شرائطه أن لا يخاف على نفسه الفتنة، أو على ماله المضر بحاله، وأن لا يشغله تجهيز ميت خوطب بتجهيزه ولو كان كفائياً، وتمريض قريب، أو حبس، أو مطر ولو بإبتلال النعال، ومثله الوحل.

    والإمام العادل، أو نائبه الخاص، وفي الغيبة الفقيه الجامع لشرائط الفتوى، ولو متجزياً تجزياً قريباً من الفقيه الجامع، أو عروض مانع يسقط الوجوب، لا الجواز، فتثبت الواسطة في وجوبها بين العيني والتحريم، فيرجع إلى التخيير، وإنما تجوز مع باقي الشرائط أجمع.

    وحيث اجتمعوا نووا الوجوب، وتجزي عن الظهر حينئذ كما لو كان العدد خمسة، بل هي أفضل الفردين، ولا يخرج الفقيه الجامع عن النيابة العامة وهي كافية في زمن الحضور أيضاً، سيما إذا لم يتمكن الإمام الحاضر من إقامتها، فهي كزمن الغيبة.

    القسم الثاني: في شرائط الصحة

    وهي سبعة:

    الأول : الكمال بالبلوغ، والرشد، إلا أنها تصح من الصبي تمريناً، أما من غير المميّز والمجنون فلا.

    الثاني : الذكورة في المشهور، والحق جوازها من المرأة لو حضرت وتجزيها عن الظهر، وتسقط الرخصة، ويلزمها فعلها، ولا تحسب من العدد، ومثلها المسافر والعبد.

    وهؤلاء إذا حضروها وجبت عليهم وانعقدت، إلا الصبي والمجنون والمرأة، ولو انعتق من العبد بعضه، وربما قيل:إن العبد كالمرأة فلا تنعقد به، ولا يتوقف على اذن المولى، والخنثى كالمرأة.

    وكل من انعقدت به الجمعة جازت إمامته فيها اذا استكمل الشرائط وإن لم يجب عليه الحضور في الأصل، فلو صلّى ظهره ثم حضر وأراد الإعادة نفلاً لم يجز إن تم به العدد، وإلا جاز لأنه من باب اقتداء المفترض بالمنتفل.

    الثالث : الإسلام في المشهور، فلا تصح من الكافر، والأظهر أنه من شرائط الوجوب أيضاً لما قدمناه من أنهم غير مكلفين بفروع العبادات.

    الرابع : الإتحاد فيما دون فرسخ، فلا تصح جمعتان بينهما دون فرسخ، فتبطلان لو اتفقتا في التحريمة، وتصح السابقة وإن كانت اللاحقة جمعة السلطان العادل، ولا عبرة بتقديم الخطبة أو التسليم.

    ولو اشتبهت السابقة باللاحقة أو نُسيت صلّى الفريقان الظهر، ولو جمع بين الجمعة الثانية والظهر لكان أحوط، ولو شك في السبق والمقارنة فالأقوى اعادة جمعة خاصة، ولا فرق في اعتبار الفرسخ بين مصر أو مصرين بينهما نهر أم لا.

    الخامس :الخطبتان، فلا تجزي الواحدة وإن اشتملت على ما تشتمل عليه الإثنتان، وهما بدل عن الركعتين في سائر الأيام.

    ولا بد من اشتمالها على (الحمد لله) بهذه الصيغة، والثناء عليه بما يليق به من الصفات الكاملة والمنزهة له عن سمات الإمكان، والصلاة على محمد النبي وآله صلى الله عليه وآله بلفظ الصلاة، والشهادتين، والوعظ، وقراءة سورة خفيفة في الأولى، وآية (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)  ــ إلى تمام الآية ــ في الثانية، ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله وأئمة المؤمنين، ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ويكفي الإجمال في التقية.

    ويجب تقديمهما على الصلاة، والقيام فيهما مع القدرة، فإن عجز جلس، والجلوس بينهما، واللفظ العربي، والأحوط إيقاعهما بعد الزوال، والطهارة من الحدث والخبث لأنهما صلاة، واجتماع العدد وإسماعهم، والترتيب بين أجزاء الخطبة.

    والأقوى وجوب الإنصات على العدد، وتحريم كل ما يحرم على المصلي في الصلاة، لكنه لو فعل شيئاً من ذلك لم تبطل الصلاة ولا الخطبة وكان مأثوماً.

    ويشترط اتحاد الخطيب والمصلي، ويستحب كونه بليغاً، مواظباً على أوائل الأوقات، مؤتمراً بما يأمر به، منتهياً عما ينهي عنه، صاعداً على منبر وشبهه، وكون المنبر على يمين المحراب، واعتماده على سيف أو قوس أو عصى والتعمم شتاءاً أو قيظاً، وارتداؤه ببردة يمانية أو عدنية، والسلام على الناس عند انتهائه في صعوده، وهذا السلام غير واجب الرد عند جماعة، والأحوط وجوب الرد، مستقبلاً لهم بوجهه لأن كلاً منهما قبلة للآخر، ثم الجلوس للإستراحة حتى يفرغ المؤذن حيث يكون الصعود قبل الأذان أوفي أثنائه، وله تأخير الصعود لما بعد الأذان لمجيء الأخبار بالأمرين، وأن يكون غير لحان ولا يستعمل الألفاظ الغريبة الوحشية للسامع أو ما تستنكره عقولهم.

    وتكره الصلاة من المأمومين في أثنائها ولو تحيّة أو نافلة ذلك اليوم، إلا أن يكون قد تلبّس بركعة منها فيتمّها.

    السادس : اجتماع خمسة أحدهم الإمام، لكنه في الوجوب التخييري والإجزائي.

وإنما تجب عيناً في السبعة لا غير، فلو انفضوا قبل تلبسهم بالصلاة أو قبل الخطبة سقط الوجوب، إلا مع عودهم أو بلوغ ذلك العدد من غيرهم، وإن كان في أثناء الخطبة أعاد مالم يسمعوه، وأما بعد التلبّس بالصلاة ولو بالتحريمة فيجب الإتمام على الباقي ولو كان واحداً.

    السابع : فعلها جماعة، فلا تقع فرادى ولو كثروا، ولو عرض للإمام مانع من التتمة قدموا من يتم بهم وجوباً، وإن لم يكن فيهم من يصلح للإمامة فالأقوى السقوط، أما لو فرغ الإمام وبقي مسبوق لم تعتبر الجماعة بعد ذلك ولو أمكن.

    ويعتبر في إمامها الكمال، والإيمان، والعدالة، والذكورة، وطهارة المولد، والفقاهة، وكونه أهلاً للنيابة، وأن يكون ممن تنعقد به وإن لم يجب عليه الحضور، والمسافر والعبد تنعقد بهما فتجوز امامتهما، والأحوط أن لا يكون أجذم أو أبرص وإن جوّزنا في المرأة إمامة غيرها على الكراهة.

    واشتراط اتحاد الخطيب والمصلي، إلا مع الضرورة كالإستنابة العارضة المضطر إليها، فلا شبهة حينئذ في الجواز لكن يشترط في الخطيب ما يشترط في الإمام، ولا يشترط في النائب أن يكون ممن حضر الخطبة وإن كان أفضل ، وكذلك يشترط في النائب أن يكون محرماً بصلاة الجمعة فلو ابتدأ التحريم حينئذ لم يجز اذا كانت الإستنابة في الأثناء، ولو كان مصلياً ظهراً كالمسافر والهم أو شرع قبل اجتماع الشرائط فالأقوى جواز الإئتمام به حيث يتعذر من تنعقد به إن قلنا بعدم اشتراط كونه من المأمومين كما هو ظاهر الإطلاق في نيابة صلاة الجماعة في غير الجمعة، ولو كان قد صلّى الظهر جاز الإقتداء به في صلاة العصر ابتداءًا إذا كانت الإستنابة قبل التحريمة، واستدامة إن كان مؤتماً بإمام الجمعة أو كان منفرداً على الأظهر.

    وهل يجب الدخول في مثل هذه الجمعة ابتداءاً؟ الأصح ذلك عند القائل بإنعقادها حال الغيبة وعند المانع ممتنع، ويمكن الدخول عند سبق إنعقادها بإمام الأصل ، وحينئذ يتحقق وجوب الدخول عيناً.

    وعند تشاح الأئمة في زمن الغيبة يقدّم الأفقه، فالأقرأ، فالأقدم هجرة، فالأسن، فالأصبح وجهاً، وكذا لو كان المنصوبون متعددين وأذن للجميع، ولو حضر الإمام الأعظم تعيّن لها بإذنه، والأقرب وجوب نية الإمامة هنا.

    البحث الثالث : في الأحكام والفروع المتفرّعة على انعقادها وجوباً

    فمنها :أنه يحرم البيع وما أشبهه بعد النداء، فلو أوقع وقع باطلاً لعموم فساد النهي، والمراد بالنداء الأذان الأول المتحقق بالزوال أو في الظل الأول بناءاً على جواز ذلك رخصة من الشارع سواء كان الخطيب أو الإمام صعدا المنبر أم لا، ولا يحرم على غير المخاطب بالسعي إلا أن يكون أحدهما مخاطباً فيحرم عليه للإعانة له.

    والأذان الثاني بدعة عثمانية قد شيّدها معاوية، ولا فرق في الثاني بين أن يكون قبل صعود الإمام أو بعد نزوله، ولا يختص المنهي عنه بالنزول المتعقبة له الإقامة، وهو الأذان الثالث المعبّر عنه الخبر به، إما لكونه بدعة الخليفة الثالث، أو لكونه ثالثاً بإعتبار الإقامة، ولا يجوز حمله على أذان العصر لمكان وجوب الجمع، لعدم ثبوت ذلك.

    وتجب الجمعة على أهل البادية كما تجب  على أهل الأمصار، ولا يتقيّد الوجوب عليهم بما اذا قطنوا، وليس المصر والقرية شرطين، والخبران الدالان على ذلك محمولان  على التقية.

    ولا فرق في العبد بين المدبر والمكاتب والقن، وكل مسافر يجب عليه التمام مخاطب بها وإن كان في عزمه الخروج من بلدها عند قضاء وطره.

    ولو شك المأموم حال تحريمه في بقاء الإمام راكعاً أو قد رفع رأسه أعادها ظهراً.

    ولا ترجح جمعة الإمام الراتب، ولا التي في المسجد الجامع أو في قصبة البلد على غيرها، ويحرم السفر بعد الزوال قبل فعلها بل الأصح التحريم بعد الفجر، إلا إذا كان شاخصاً في حج أو عمرة أو غزو أو في أحد سبل الخير.

    ولا تصح الخطبتان قبل حضور العدد، ولو صلّى الظهر سقطت عنه الجمعة ثم حضرها لم تجب، سواء كان بعد زوال عذره كعتق العبد وبرء المريض وحضور المسافر أم لا، نعم يستحب وسيما للمسافر، أما الصبي والخنثى المشكل لو بلغ الأول ووضح الثاني لم يجزه ما فعل من الظهر السابقة، ولو زال العذر في أثناء الظهر أتمّها ظهراً واستأنف الجمعة، ولو صلّى المكلّف بها الظهر وشك في وقوعها قبل الجمعة أو بعدها لم يجز، ولو تيقن فوات الجمعة لو سعى إليها لم يكفه فعل الظهر بل يصبر حتى يفرغ، ولا تحرم قراءة العزيمة في الخطبتين، فلو قرأها وجب السجود على المنبر إن أمكن وإلا نزل وسجد وسجد المستمعون.

    ويستحب الحضور على من بعد بأزيد من فرسخين، ولو أقيمت الجمعة عنده تخيّر بينها وبين غيرها، وكذا من بعد بفرسخين إلى فرسخ، ولكن هذا يجب عليه الحضور مع عدم جمعة عنده، ومن نقص عن فرسخ تعيّن عليه الحضور، ولو أمكن هنا إيقاع جمعتين للإختلاف في القبلة تخيّر العامي بين كل منهما.

    وتارك الإصغاء حالة الخطبة وفاعل الكلام أو أحد مبطلات الصلاة لا تبطل جمعته وإن أثم ونقص ثوابها، ويجوز تسميت العاطس ورد السلام إلا في حال التقية، ويكره التسليم عليه حالة الخطبة، ولو صلّى الجمعة وشك في بقاء الوقت أجزأت، والمصلي فيها خلف إمام لا يقتدي به تقية ينوي الظهر ويتمها بركعتين بعد فراغه، والأفضل أن يصليها قبله أو بعده.

    والممنوع بالزحام من سجود الركعة الأولى لا يركع ثانياً فإن تمكّن من السجود خلف الإمام سجد ونوى الأولى، ولو أطلق انصرف إلى الأولى، وإن عمل بالمروي من إعادة السجدتين بنية الثانية إن لم ينوهما للأولى كان أحوط وأولى، ويغتفر هنا زيادة الركن، والأحوط الإعادة حيث لم يعينهما للأولى، وليس للمزاحم السجود على ظهر غيره، ولو زوحم عن الركوع والسجود في الأولى صبر  إلى الثانية فإن أدركها أجزأ وإلا أتمّها ظهراً، والأحوط أن يستأنفها.

    ولا تجزي الجمعة بغير الخطبة، ومن لم يدرك الخطبتين من المأمومين ليس عليه أن يصلي بدلهما ركعتين، وما جاء من الأخبار بذلك محمول على الإستحباب، فلو لم يسع الوقت للخطبتين ولو خفيفتين تعينت الظهر، وعند الشيخ يصلي الجمعة ركعتين ثم يصلي ركعتين، والإحتياط بالجمع هنا بين الظهر والجمعة على هذا التقدير محل السلامة، وكذافي كل محل تفوت بعض الشرائط المختلف فيها لتعارض الأدلة.

    ولو شكّ المسبوق في سجدة منسية هل هي من ركعته المنفردة أو من ركعة الإقتداء سجدها وأتى بالمرغمتين، ولا تحسب بركعة ثم يتم ظهراً، ولو شك مقتدياً هل سجد واحدة أو اثنتين فلا حكم له لحفظ الإمام، ولو خطب جالساً مع القدرة بطلت الجمعة من الإمام ومن علم بذلك من المأمومين، ولو لم يعلم بعض المأمومين بجلوسه صحت جمعتهم لا غير، ولا بأس بالكلام بعد الفراغ من الخطبة إلى أن تقام الصلاة.

    البحث الرابع : في سنن الجمعة المتقدمة والمتأخرة والمقارنة وهي كثيرة

    وهي الغسل وقد تقدّم بيانه، وغسل الرأس بالسدر، والخطمي، وحلق الرأس، وتقليم الأظافر، وأخذ الشارب، والدعاء عندها، وتسريح اللحية، والتطيّب، واتيان النساء، ولبس الفاخر والأنظف، والتكبير، والدعاء عند الخروج بقوله: (اللهم من تهيأ وتعبأ ) ــ إلى آخره ــ، والمشي بسكينة ووقار.

    والتنفل بالراتبة في سائر الأيام وزيادة أربع ركعات أو ست لليوم، مفرقة: ست عند انبساط الشمس، وست عند ارتفاعها وست عند مقارنة قيامه، وركعتان عنده، أو ست بعدها، وركعتان عند قيامها، وله أن يصليها كلها مجتمعة بعد الزوال وقبله، والأخبار مختلفة في الأفضل من التقدم والتأخر وإن كان التأخّر أفضل إلا أن يتوقع الفوات معه فيكون تقديمها أفضل.

    أما قراءة الجمعة والمنافقين فيها فقد مرّ أن الأقوى وجوبه، وإن قرأ بغيرهما عدل ولو من التوحيد والجحد إلا مع تجاوز النصف.

    ويستحب للخطيب عند صعوده المنبر تلاوة شيء من القرآن، والدعاء لنفسه، وللمؤمنين، وأن يقصر الخطبتين لضيق وقت الخطبتين، وأن يدعو ما بين فراغه منهما إلى أن تستوي الصفوف، وكذا المأمومون لأنها الساعة التي يستجاب فيها الدعاء، وقد مرّ استحباب استقبال الناس الخطيب إلا البعيد عن السماع، والأقرب الوجوب.

    وينبغي جلوس الداخل حيث ينتهي إذا كان الإمام يخطب، ويكره له تخطي رقاب الصفوف إلا أن تكون بين أيديهم فرجة.

    ويستحب أيضاً يوم الجمعة قراءة النساء، وهود، والكهف، والصافات، والرحمن، ومريم، والتوحيد مائة مرة بعد الفجر ، والإكثار من العمل الصالح والصدقة والإستغفار مائة مرّة ، وزيارة النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليه السلام، والتسليم الخاص للنبي صلى الله عليه وآله ولفاطمة (عليها السلام) وللائمة عليه السلام إماماً إماماً.

    وسيأتي في الصلوات بيان الموظف في هذه الليلة واليوم وهي كثيرة، ومن أفضلها الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله ألف مرّة، وقراءة الدعوات الموظفة لليوم وما بعد الصلاتين وهي كثيرة يطول الإملاء بها.

    ويستحب تطريف الأهل بالفاكهة واللحم، ويكره فيه انشاد الشعر الغير الحق، ولا بأس بما اشتمل على الموعظة والدعاء والرثاء لهم عليه السلام والمدح، والحجامة سيما قبل الزوال وكذا إراقة الدم.

( الفصل الثاني )

في صلاة العيدين

    وهي فريضة واجبة بالكتاب والسنّة، بشروط أكثرها كشروط الجمعة صحة ووجوباً، ويسقط وجوبها بإختلال بعض الشرائط، ولا يسقط أصل مشروعيتها، بل تبقى مندوبة، وتصلّى حينئذٍ جماعة وفرادى، وهي ركعتان حال فرضها وندبها، ويكفي في عددها الخمسة، ولو فاتت فلا قضاء لها، إلا في صورة واحدة وهي مالم يثبت الهلال إلا بعد الزوال، فإنها تصلي من الغد قضاءاً عند استكمال شرائطها، ويتحقق فواتها بفراغ الإمام من صلاته المستكملة لشرائط الوجوب، والساقطة عنه يصليها ندباً وإن تمكن من صلاة الإمام.

    ولا يشترط الفرسخ بين فرضي العيد كالجمعة، أما ما بين النفلين أو النفل والفرض فلا يشترط اتفاقاً.

    وشرط إمامها الفقيه الجامع لشرائط الفتوى، ووقتها من طلوع الشمس إلى الزوال، وتسقط عن الصغير والمجنون والمريض والمرأة والمسافر والعبد، وما سوى هؤلاء لم يقم دليل على سقوطها وهو باقي التسعة كالهمّ والبعيد والأعمى.

    البحث الأول : النظر في ماهيتها وأحكامها وسننها

    أمّا الأول فهي ركعتان كسائر الصلوات، والخطبة بعدها كخطبتي الجمعة.

    وأول من قدمها عثمان ليمنع الناس من الإنصراف، لأنهم إذا صلّوا انصرفوا ويقولون ما نصنع بخطبته وقد أحدث ما أحدث، وتبعه مروان (لع) ثم هجرت هذه البدعة بين كافة المسلمين.

    والأكثر من الأصحاب لم يصرحوا بوجوب الخطبتين، والأقوى وجوبهما، كالجمعة ووجوب استماعهما.

    والتكبير فيها زائد على الموظف في اليومية خمساً في الأولى وأربعاً في الثانية بعد القراءة فيهما، ويقنت فيهما بعدد التكبيرات الزائدة وجوباً، واكمل دعائه المأثور وأكمل المأثور (اللهم أهل الكبرياء والعظمة) إلى آخره، حتى أوجبه البعض.

    ويحرم السفر بعد فجر ذينك اليومين، ويُكره في المشهور قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر.

    ولو نسي التكبير لم يقضه بعد الصلاة، والأحوط وجوب سجدتي السهو له، واذا شك في عدد بنى على اليقين، ولو أدرك بعضه مع الإمام أتمه لنفسه، وإن خاف فوت الركوع ركع معه وقضاه بعد التسليم على الأحوط، ولو أدرك الإمام في ركوع الثانية أتم بعد سلام الإمام بركعة إذ لا يشترط استدامة الجماعة كما في الجمعة.

    ولا يجب القيام في المشهور في الخطبتين، والأقوى اشتراطه واشتراط كل ما يشترط في خطبتي الجمعة.

    وتجب قراءة سورة بعد الفاتحة في كل من الركعتين لا كاليومية في الإستحباب عندي، وأفضل السور فيها سورة الغاشية، والأعلى، والشمس وضحاها، مخيّراً بينها في الأولى والأخرى لمجيء الأخبار بجميع ذلك.

    ولو اجتمع عيد وجمعة واستكملت شرائط كل منهما تخيّر من حضر العيد المفروض في حضور الجمعة وعدمه إذا كان قاصياً بغير اشكال، وأمّا غير القاصي فالأحوط له الحضور لوجوب حمل المطلق على المقيد.

    هذا إذا كان مأموماً، أما الإمام فيجب عليه الحضور كائناً ما كان فإن حضر معه من تنعقد به الجمعة من العدد والشرائط صلاها معهم وإلا صلاها ظهراً.

    البحث الثاني: في سننها ومندوباتها

    وهي الإصحار بها، ويتحقق بحيث لا يظله سقف، وذلك أقله، إلا بمكة المشرفة فمسجدها أفضل، ولو منع من الإصحار مانع سقط وصليت في المساجد وغيرها.

    وخروج الإمام حافياً ماشياً مشمراً سراويله متكئاً على عنزة ذاكراً لله عز وجل بسكينة ووقار مكبراً في خطواته، وكذلك المأمومون يستحب لهم ذلك.

    والغُسل وهو من الأغسال المندوبة المؤكدة، ولو اغتسل بعد الفجر أجزأه والأفضل له أن يكون اغتساله بعد طلوع الشمس، ويكون تحت سقف، ويتولى الماء بنفسه، ويدعو بالمأثور عنده، وكذلك يستحب التنظيف ثوباً وبدناً، والتطيّب ولبس الفاخر والتعمم شتاءاً وقيضاً وصيفاً، ويكون تعمم الإمام بعمامة قطن بيضاء يلقي أحد طرفيها على صدره والآخر بين كتفيه، والخروج بعد طلوع الشمس، وذلك أذان تلك الصلاة، وأن يطعم قبل خروجه في الفطر، وأن يكون على شيء من تمر أو زبيب أو حلواء أو سكّر ويضيف له التربة الحسينية، ويطعم اخوانه الحاضرين من ذلك، ويقتصر في التربة على قدر الحمصة، وفي الأضحى بعد عوده من المصلى من أضحيته، واخراج الإمام المحبسين فيها وفي الجمعة ليصلوها ثم يردهم إلى الحبس، والأقوى الوجوب لوجوب الصلاة عليهم.

    ويستحب أن يحث على الفطرة ويبين قدرها وجنسها ومستحقها ووقتها وكيفية الإخراج في خطبتي عيد الفطر، وذكر الأضحية والحث عليها ، وما يعتبر فيها في عيد الأضحى، وأن يقول المؤذن ثلاثاً : (الصّلاة).

    والأقوي استحباب التكبير للرجال والنساء في الفطر عقيب خمس صلوات على الأقوى، أولها المغرب ليلة الفطر، وفي الأضحى عقيب خمس عشرة للناسك بمنى، أولها ظهر يوم النحر، وعشرة لغيره، ويستحب أن يرفع يديه بالتكبير، أو يحرك أصابعه، ويستحب اضافة النوافل في الأضحى، ولو فاتت فريضة فقضاها قضى تكبيرها ولو خرج وقتها، ولو صلّى المسبوق أتى به بعد فراغه فلا يكبّر مع إمامه.

    وكيفية هذا التكبير ليس له مقدّر ملتزم به، بل يجزي مطلقه، وأفضله المأثور، والمأثور له صور عديدة يتخيّر المكبّر بينها، مصدرة إما بتكبيرتين أو ثلاث، ويزيد في تكبير الأضحى: (الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام)، ولا يشترط فيه الطهارة ولا الإستقبال.

    ويستحب الصلاة على الأرض والسجود عليها، وأن يجهر بالقراءة في قنوته، والتعريف في الأمصار، وهو الوقوف في الدعاء يوم عرفة وفعل الوظائف، خصوصاً المشاهد المشرّفة، وسيّما عند مشهد الحسين عليه السلام .

    ويكره الخروج بالسلاح إلا للحاجة، والتنفل أداءآً وقضاءاً قبلها وبعدها إلى الزوال إلا في المدينة بمسجده صلى الله عليه وآله فإنه يصلي فيه ركعتين قبل خروجه لصلاة العيد، ولا يكره قضاء الفريضة وربما جاء في المرسل ان النبي صلى الله عليه وآله يفعل ذلك في كل مكان شريف، والظاهر أنه تقية.

    ويتأكد الإصحار يها، ويستحب اخراج العواتق  من النساء والعجائز فيها للتعرض للرزق، وكذا يستحب تأخير صلاة الفطر شيئاً عن صلاة الأضحى في المشهور، والأخبار الشاهدة بخروج الرضا عليه السلام لصلاة عيد الأضحى تشهد بعكس الدعوى، ويكره نقل المنبر إلى المصلى، بل يعمل منبر في الصحراء من طين أو غيره.

    وأما رفع اليدين في التكبيرات في العيدين فموضع خلاف، والمشهور من الإستحباب هو المعتمد، ولو قدم التكبير على القراءة ناسياً أعاده ما لم يركع، ويجوز للتقيّة بل قد يجب، ومن السنّة فيها الخروج بطريق والعود بآخر.

    ويستخلف الإمام بالمصر من يصلي بضعفة الناس والعاجزين ولو في المساجد، ويستحب للنساء والعبيد والمسافرين وكل من سقطت عنه فعلها السعي إليها، إلا الناسك بمنى فإن الأولى له عدم فعلها، وكذا من فاتته الصلاة مع الإمام جماعة وفرادى.

( الفصل الثالث )

في صلاة الآيات

    والنظر في سببها وكيفيتها

    أما الأول : فالسبب هو الموجب لها حيث ما يتحقق ولو بالظن الراجح، وهو الكسوفان المتعلقان بالشمس والقمر ولو شرعيين، وإن كان الغالب ما حكم به المنجمون والزلزلة، والرجفة، والريح المخوفة، والظلمة الشديدة، وكل آية سماوية مخوفة، أما كسف كوكب لأحد النيرين أو لكوكب آخر فلا.

    ووقتها في الكسوفين من الأخذ في الإحتراق إلى الأخذ في الإنجلاء، وأداؤها إلى تمامه أحوط، وإذا تلبّس بها وجب عليه الإتمام وإن خرج الوقت.

    ولا بد في الكسوفين قبل الدخول فيها من سعة الوقت بحسب الظاهر، ووسعه بقدر ما يأتي بالطهارة وأخف صلاة، فلو لم يتسع لذلك لم تجب، ولو فرّط فلم يبقَ ما يسعها أتمها كائناً ما كان، فلو وسع الوقت ركعة أتم الصلاة بنية القضاء.

    وتجب الإعادة على من فرغ من صلاته ولم يأخذ في الإنجلاء وجوباً تخييرياً بينه وبين الدعاء لمجيء الأمر بهما.

    ووقتها في بواقي الأسباب مدة السبب، والأحوط انها كالزلزلة فتجب بمجرد السبب وإن لم يتسع الزمان، حتى قيل به في الكسوفين، وربما اشترط إدراك ركعة مع الطهارة فتجب أداءاً وهو أحوط، أما الزلزلة فهي أداء دائماً.

    ولو غاب القرص كاسفاً أو طلع القمر خاسفاً ثم سترته الشمس أو الغيم صلّى أداءاً استصحاباً لبقاء السبب، ويحتمل الرجوع إلى عدلين من أهل الرصد، فإن فاتت ولم يصلّها لوقتها وكان عامداً عالماً قضاها مطلقاً، والأقرب أن الناسي كذلك ويفترقان في الإثم، وأما الجاهل فلا قضاء عليه إلا مع الإستيعاب.

    والرصدي العالم بذلك مع عدم ظهوره والمخبر به من عدلين فكالعالم، أما لو حضر الوقت ولم يرَ ــ ولا مانع ــ فلا شيء.

    أما غير الكسوفين فلا قضاء مع الجهل قطعاً، ولا اعتبار هنا بحكم المنجم، ويجب على العالم بها وإن نسي.

    ولو جامعت الحاضرة قدمت على النافلة مطلقاً وإن اتسع وقتها، ويتخيّر إذا كانت الحاضرة فريضة واتسع الوقتان، مع أفضلية تقديم الحاضرة، ولو تضيقت إحداهما قدّمت المضيقة، وإن تضيقتا فالتقديم للحاضرة متعين، فإن فات الكسوف لم يكن عليه قضاء إن لم يكن فرّط فيها ولا في تأخير الحاضرة، وإلا فعليه القضاء، والأقرب وجوبه إذا كان فرّط في الحاضرة.

    ولو جامعت الجنازة أو الطواف أو العيد الواجبة بناءاً على الكسوف الشرعي نظراً إلى قدرة الله تعالى والمنذورة وشبهها فكالمكتوبة، ولو دخل وقت الفريضة وقد تلبّس بصلاة الكسوف وتضيق وقت الحاضرة عدل إليها ثم بنى على ما مضى من الكسوف من غير استيناف، وإن لم يتضيق الوقت أتم الكسوف.

    ولو دخل في الحاضرة مع سعة الوقت ثم تبين له الضيق عدل بنيته إلى الكسوف فتجب عليه إعادة القراءة إن كان قد قرأ ولا يجتزي بشيء إلا بتكبيرة الإحرام خاصة، ولا يضر الفعل الكثير هنا كإطالة أفعال الصلاة الواحدة، ولا تصح اختياراً على الراحلة ولا مع المشي، ويجوز وقوعها في الأوقات الخمسة.

    ولا تسقط عن أحد المكلفين رجالاً ونساءاً ، ولا عن المسافرين والمريض، وتصلي النساء مع الرجال جماعة استحباباً أما من يخشى معه الفتنة فتصلي فرادى أو مع جماعة النساء.

    ولا يجب على الحائض والنفساء القضاء، والأحسن جلوسها في مصلاها كالمكتوبة ذاكرة لله بقدرها، ولا يشترط في مشروعيتها الإمام، نعم تتأكد الجماعة فيها أداءاً وقضاءاً، وتستحب في المساجد.

    ولو أدرك الإمام أثناء الركوعات صبر حتى يدخل في الركعة الثانية مع سعة الوقت، وإلا صلّى على الإنفراد، ولو دخل بنية الندب كالمسبوق في اليومية ثم استأنف النية عند الثانية جاز، واحتمال الدخول وتلفيق الركوعات ضعيف، ولو دخل بظنّه الركوع الأول فتبين غيره استمر ندباً حتى يتم الركعة ثم يستأنف، ولا يعدل هنا إلى الإنفراد.

    ويجوز اقتداء المفترض فيها بالمتنفل وبالعكس حيث تكون الإعادة مستحبّة كما في اليومية، ولو تعمد الترك مع الإستيعاب في الكسوفين وجب الغُسل ثم القضاء، وتقضى هنا فرادى وجماعة وإن تأكد مع الإستيعاب الثاني.

    وأما الثاني: ففي الكيفية وبيان ما يشترط فيها وشروطها كاليومية، ويجب تعيين السبب في النية وزيادة أربع ركوعات في كل ركعة من الركعتين بناءاً على ثنائيتها، وأما على القول بأنها عشر ركعات فلا زيادة في الركوع وإنما هو نقصان من السجود، ويظهر الفرق في هذا النزاع في مواضع عديدة، ويتخيّر في السورة بين تبعيضها وتفريقها وبين تكميلها في كل ركعة، وعند تكميلها تعود قراءة الحمد، ومع عدمه فلا قراءة لهاسوى مرة واحدة في كل ركعة.

وأقل ما يجزيه في كل ركعة من الركعتين سورة كاملة، وأكثره وأكمله خمس سور أو تكرار سورة أو أكثر خمساً، والظاهر أن القران هنا كقران المكتوبة اليومية، والأقرب أنه إذا قرأ بعض سورة تخير فيما بين اكمالها وبين قراءة أخرى كاملة غيرها مبعضة فتتعين الحمد إن قرأ الكاملة.

    ولو قرأ في الركوع الثاني بعض تلك السورة التي قرأها في الأولى لا على الترتيب والتتالي فالمنع قوي لأمر الأخبار بالقراءة من حيث قطع، وهو مشعر بعدم جواز العدول من سورة إلى أخرى سواء كانت كاملة أو مبعضة، فلو بعّض في قيام الأول ثم أراد في الثاني استيناف ذلك البعض أو قراءة الأكمل وهو السورة بكاملها فاحتمال المنع قوي لظاهر تلك الأخبار، وحينئذ يشكل وجوب قراءة الحمد لعدم مصادفة اكمال السورة محلاً.

    ويستحب اختيار السور الطوال عند سعة الوقت وعند العلم بذلك أو الظن ولو بإخبار من الرصدي، وليكن ذلك في كل ركعة، ومساواة ركوعها لقراءته في الطول، وكذا سجوده، والتكبير كلما رفع رأسه، إلا في خامسها وعاشرها فإنه يقول: (سمع الله لمن حمده)، والقنوت على كل مزدوج ويجزي على الخامس والعاشر، وربما قيل:إن أقله على العاشر ولم نقف على مستنده إلا على بعض العمومات الواردة في تعيين القنوت.

    وتستحب اطالته بقدر القراءة ، وايقاعها تحت السماء، والجهر بالقراءة مطلقاً، والجماعة سواء احترق بعضه أو كله، وتتأكد مع الإستيعاب كما سمعت أداءاً وقضاءاً ولا تترجح فرادى مع احتراق البعض، والمشهور أن الإعادة مع عدم الإنجلاء مندوبة وقد عرفت أن الحق الوجوب.

    ويستحب في صلاة الزلزلة السجود بعدها، وقراءة: ( إنّ الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا)؛ الآية ثم يقول: (يا من يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه أمسك عنّا السوء).

الذهاب إلى التالي

 

<>