|
كتاب الطهارة
وهي تطلق لغة على النزاهة من الأدناس، وعلى رفع الأخباث،
واختصت شرعاً بالوضوء والغسل والتيمم عند تأثيرها في استباحة
الصلاة، وهو المعنى الأكمل المستقر عليه اصطلاح علماء الخاصة
والمعني بالطهور في قولهم عليه السلام :لا صلاة إلا بطهور، والنظر
في أطرافها الخمسة:
الطرف
الأول
فيما تشرع له
لا ريب في توقف استباحة الصلاة وإن كانت مندوبة سوى صلاة
الجنازة، والطواف الواجب مطلقاً بخلاف المندوب، ومس كتابة القرآن
عليها، وتوقف صوم الجنب لشهر رمضان وقضائه ، وكذا الحائض
والمستحاضة الكثيرة الدم على الغسل منها، وكذا دخول المسجدين ،
واللبث في المساجد ووضع شيء فيها، ومشاهد الأئمة عليه السلام
وبيوتهم أحياءاً وأمواتاً إلا مسجده صلى الله عليه وآله بالنسبة
إليهم عليه السلام فهو كبيوتهم، وقراءة العزائم حتى البسملة
بقصدها ، والجواز في المسجدين الأعظمين.
والتيمم بدلاً من الوضوء والغسل في محلّهما عند حصول الشرائط ،
ويختص بخروج الجنب والحائض من المسجدين، ولا يراعى تعذّر الغسل إذ
هو ظاهر الأخبار والأصحاب لإطلاقها.
وينحصر وجوبها فيما ذكر من الأمور حيث تجب أو تكون مشروطة بها
وإن لم يدخل الوقت، والأقوي في غسل الجنابة الوجوب النفسي بالمعنى
المشهور والوجوب الغيري بما ذكرناه وفسّرناه به، والاقتصار على
القربة مفتاح السلامة ، والاحتياط إلا عند الوجوب للغاية فيراعى
الإستباحة هنالك.
وقد تجب بالعارض كالنذر وشبهه فإن عيّن حينئذ أحدها تعين ، وإن
خيّر مطلقاً تخيّر بين الوضوء والغسل حيث يجد الماء ويقدر على
استعماله، وإن أدرج التيمم في التخيير اشترط عدم الماء كما يشترط
عند تعيينه بالخصوص ،وإن أطلق الطهارة فالأفرب حمله على الطهارة
المائيّة الرافعة للحدث أو المبيحة للصلاة، لأنها الفرد الأكمل ،
ولا يجزي التيمم إلا مع التعذر لذلك الفرد ،ولا يجزي وضوء الجنب
مع بقاء جنابته في تأدية النذر، ويكفي غسل الجمعة بل سائر الأغسال
المندوبة، أما مع تعيينها فلا اشكال في انعقاد نذرها.
وأما ما تستحب له فالوضوء لندبي الصلاة والطواف وإن اتصفت
بالوجوب الشرطي تجوزاً، وقراءة القرآن، وحمل المصحف، ودخول المسجد
، وصلاة الجنازة، والسعي لقضاء الحاجة، وزيارة المقابر، وعقيب
الحدث لإستمرار الطهارة واستدامتها، وأفعال الحج ومناسكه كلها من
مبدئه إلى ختامه، ولمعاودة الجماع، ولدخول المسافر لأهله، وعند
الغضب ، ولسجدة الشكر، ولنوم الجنب على طهارة، ولجماع الحامل،
وللتأهب لصلاة الفرض، وكذا لو خرج بلل مشتبه بعد الإستبراء، ومع
الأغسال المندوبة، ولتكفين الميت قبل اغتسالة، ولجماع غاسله قبل
الغسل أيضاً، ولذكر الحائض، وجماع المحتلم، وللتجديد.
وجاء للمذي، والوذي، والتقبيل بشهوة، ومس الفرج، ولخروج بلل
مشتبه بعد الإستنجاء، وللمتوضي قبله في البول وفي الغائط ولو
استجمر بالأحجار، وللرعاف، والقيء، والتخليل المصاحب للدم إذا
استكرههما الطبع، وللزيادة على أربعة أبيات من الشعر الباطل،
وللقهقهة في الصلاة عمداً، ولمصافحة الكافر، وجاء في مس الكلب
أيضاً، وللنوم على طهارة، ولكتابة القرآن من المحدث والحائض.
والغسل للجمعة ، ووقته من طلوع فجر ذلك اليوم إلى الزوال
أداءاً، وما قرب منه فهو أفضل، ثم يقضي مع فواته إلى آخر السبت
مؤكداً، ولو قضاه في سائر الأسبوع أجزأه، واجتناب قضائه ليلة السبت
أحوط، ويقدمه يوم الخميس لعوز الماء ، ولا يجزي التقديم لخوف
الفوات مطلقاً، ويسوغ هذا التقديم وإن تمكن من القضاء، وتأخير
المعجل له أفضل، كما أن أول أوقات القضاء أفضل، ولفرادى شهر رمضان
كلها، وفي كل ليلة من العشر الأواخر، ويتأكد في أول ليلة منه،
وكذلك في أول أيام السنة، وإن قلنا بأنه أول المحرم، وفي النصف
منه، وفي سبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين أول
الليل ،وآخره، وليلة عيد الفطر، ويومي العيدين ، ووقته كغسل
الجمعة، ويقضي لو فات أيضاً، وليوم المولد وهو سبعة عشر من ربيع
الأول، ويوم المبعث وهو يوم سبعة وعشرين من رجب، وليوم الغدير وهو
اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، ولدحو الأرض وهو اليوم الخامس
والعشرون من ذي القعدة، ويوم المباهلة ، وقد جاء فيه انه اليوم
الثالث والعشرون من ذي الحجة ، والرابع والعشرون والسابع والعشرون،
والتاسع والعشرون فإيقاع الغسل في هذه الأيام كلها أكمل، ويوم عرفة
، وهو اليوم التاسع منه ناسكاً وفي الأمصار، ووقته قبل الزوال
وبعده، ويوم التروية ، وهو اليوم الثامن منه أيضاً، والنيروز وهو
تحويل الشمس إلى برج الحمل، وليلتي نصف رجب وشعبان، وللإحرام،
والطواف، ولأول رجب، وآخره، ولزيارة أحد المعصومين عليه السلام
حياً وميتاً، ولسائر مناسك الحج فقد جاء في جميعها الغسل كما جاء
الوضوء، ولصلاة الحاجة، وللإستخارة بجميع أقسامها، ولدخول الحرم
ومكة ومسجدها وكعبتها، ولدخول المدينة المنورة ولحرمها ومسجدها،
وللتوبة عن فسق أو كفر، ولتزين المرأة لغير زوجها، وللسعي إلى رؤية
المصلوب عمداً بعد ثلاثة أيام، ولترك صلاة الكسوفين عمداً مع
الإستيعاب، والوجوب فيه غير بعيد كما حققناه، وللمولود حين ولادته،
وللإستسقاء ، وقتل الوزغ ، ولأخذ التربة الحسينية من الضريح أو ما
قاربه، وللمباهلة كيومها، ولقطع الحيض بالدعاء عمّن ضاق عليها
الوقت لطوافها أو لزيارتها النبي صلى الله عليه وآله ، والغسل في
الليالي الباردة للنشاط في صلاة الليل.
ويجوز التيمم للنوم بدلاً ندباً مع القدرة على الماء، وكذا
للصلاة على الجنازة، والتيمم بدلاً عن هذه الأغسال المندوبة كلها
حيث يفقد الماء، وكذا عن الوضوءات المندوبة وللكون على طهارة.
وينبغي تقديم أغسال الفعل إلا التوبة والسعي إلى رؤية المصلوب،
واستحبابها عام في الرجال والنساء وإن رخص في ترك الغسل للنساء
سفراً لقلة الماء وللعليل من الرجال.
وهي تتداخل تقدمت أسبابها أو تأخرت، وخصوصاً مع انضمام الواجب
إليها ، وإذا اغتسل بعد الفجر أجزأه إلى آخر النهار وعند غروب
الشمس لطلوع الفجر، وفي اشتراط التيمم للصوم وبعد الناقض الأصغر
قبل الفجر كلام ، والأقرب عدم وجوبه نعم لا يشترط بعده، ويشرع
تجديد التيمم كالوضوء فيستحب أن يصلي بتيمم آخر وإن لم ينتقض
استحباباً مؤكداً.
الطرف الثاني
في أسبابها
والموجبات لها ونواقضها
فللوضوء خروج البول والغائط من المخرج الطبيعي، ومن غيره مع
انسداده واعتياده وبدونهما فلا، والريح كذلك لا من قبل المرأة ولا
من الذكر، والنوم المزيل للإحساس وهو الغالب على السمع والبصر، وهو
المغطي للعقل، وإن كان في الصلاة أو قاعداً لم ينفرج، وللإغماء
الناشئ من المرتين، واستعماله لكل مزيل للعقل أحوط، والإستحاضة مع
القلّة أو التوسط لرجوعها إليها في الصلوات كلها، وإضافة الغسل
للغداة أحوط، ولا ينقض الطهارة غير ذلك من الخارج من السبيلين إلا
أن يخالطه الناقض ، ولا من لمس النساء وقلّم الظفر وحلق الشعر وأكل
لحم الجزور وممسوس النار ومس فرج البهيمة.
وللغسل: الجنابة بما تتحقق به من الأمور الثلاثة الآتي ذكرها،
والدماء الثلاثة للمرأة، والموت، ومس الميّت الآدمي بعد برده وقبل
تغسيله، وكل هذه أسباب للتيمم بدلاً منها أيضاً.
وتتداخل أسباب الوضوء ، وكذا الغسل على الأظهر، فإن نوى
الخصوصيّة استتبعت حكمها، وغسل المستحاضة المتحيرة لا يتداخل مع
غسل الحيض، ولو أطلق الإستباحة أو الرفع في الوضوء مع امكانه وفي
الغسل أجزأ من غير وضوء ، وإن كان عليه ما فيه الوضوء عندهم وهو ما
عدا غسل الجنابة، أما غسل الأموات فلا يجامعه غيره لسقوط التكليف
به بالموت ، ووضوؤه لما قلنا به ندب، ولا فرق في انتفاء الوضوء مع
غسل الجنابة بين من أجنب مع نقض الوضوء وبين غيره فلا يستحب في
حال.
ويجب على المتخلي حيث يضرب الخلاء لاستحبابه قبل طهارتي الصغرى
والكبرى ستر العورة قبلاً ودبراً، وهي في الرجل الدبر والذكر
والانثيان وليس الأليتان منها، والأحوط ستر موضع العانة ولو
بالإبعاد عن الناظر المحترم، وفي المرأة والخنثى سوى ما ظهر منهما،
وغسل البول بالماء خاصة مرتين ، وأقله في كل غسلة مثلاه، والتثليث
للغسلات فيه مؤكد بل لا يبعد وجوبه ويكتفى هنا بزوال العين، ،ولا
يجب الدلك، وغسل الغائط مع التعدي، ولا معه تجزي مسحات ثلاث بطاهر
غير محترم ولا محرم ولا مطعوم، مزيل للعين ولا عبرة بالأثر إلا في
الماء، أما الريح فمغتفر فيهما، ويحرم بالروث والمطعوم والمحترم
ولا يجزي في التطهير.
ويحرم استقبال القبلة، وهي ما يجب توجه المصلي إليها اختياراً
واستدبارها مطلقاً، ولا يحل الجلوس إليها في كنيف بُني على ذلك ،
وينحرف مستقبلها ومستدبرها وجوباً، ويجوز لواجد ما يتمكن فيه من
تمام المخالفة وإن كان مكروها.
ويستحب سترالبدن كله بالجلوس في أستر موضع أو بالبعد وتغطية
الرأس وتقنيعه والجمع بينهما أكمل، وتقديم اليسرى دخولاً واليمنى
خروجاً، ونزع ما فيه اسم الله تعالى من الخاتم أو آية من القرآن،
والتسمية والدعاء بالمأثور داخلاً وخارجاً ومستنجياً ، وفي جميع
حالاته إلى أن يخرج ، والمبالغة في الاستنجاء حتى تزول الرائحة إذا
أمكن، ودلك البول، ولو لم ينق بالثلاثة وجب الزائد، ولو نقي بدونها
أكملها وجوباً ، ويستحب الوتر، والجمع بين المطهرين معاً في
المتعدي وغيره، والاستبراء للرجل عند وجود الماء، ويجب عند فقده
بمسح ما بين المقعدة إلى أصله ثم ينتره ثم عصر الحشفة ثلاثاً، وهذا
أكمله، فلو وجد بعده بللاً مشتبهاً لم يضره ، وبدونه يعيد الوضوء
دون الصلاة الواقعة قبله، ومسح بطنه قائماً عند الفراغ بيمينه، ولا
يستحب للمرأة الإستبراء عرضاً، فلا تنسحب فيها الفائدة لو فعلته،
ولا تعبأ بما خرج منها مشتبهاً، والاعتماد على الرجل اليسرى وفسح
اليمنى، والإقتصار في الإستجمار على الأرض أو ما أنبتت.
ويكره ضرب الخلاء بولاً وغائطاً في الشارع، والمشرع، ومواضع
اللعن، وفناء الدار، وتحت المثمرة من الأشجار بالفعل، وفيء النزّال
وما يتأذى به، وجحرة الهوام، واستقبال النيرين واستدبارهما، والريح
كذلك بولاً وغائطاً، وقائماً ومطمحاً بالبول، وفي الصلبة ، والكلام
بغير ذكر الله أو آية الكرسي أو آية الحمد لله رب العالمين أو
حكاية الأذان حتى الحيعلات أو لحاجة يضر فوتها، وإطالة اللبث، ومسّ
الذكر باليمنى ومصاحبة دراهم بيض، والمصحف، والسواك، والأكل سيما
إذا كان المأكول خبزاً أو تمراً، أمّا الشرب فلا مستند له، وعلى
القبور وبينها، والتحريم فيهما ليس ببعيد، والبول في الماء الجاري
والراكد، وإن كان في الجاري أخف كراهة، وكذلك التغوط، والاستنجاء
باليمين فإنّه من الجفاء، وباليسرى وفيها خاتم فصه من حجارة زمزم
أو عليه اسم الله تعالى أو اسم محمد صلى الله عليه وآله أو اسم أحد
الأئمة المعصومين عليه السلام أو آية من كتاب الله تعالى.
ولا يكتفى في الأحجار بما نقص عن الثلاثة وإن كان ذا جهات
ثلاثة ، وليس الاستنجاء بشرط في صحة الوضوء وإن كان من البول،
وتستحب الاعادة لو تركه في البول، وكذا لا تشترط طهارة غير محل
الأفعال نعم يعيد الصلاة لو صلّى بدونها في موضع إعادتها لو صلّى
بنجاسة، ويجب أن تكون الأحجار طاهرة والسنة أن تكون أبكاراً ، ولو
استعمل نجساً لم يجزه وتعين الماء لخروجه عن نجاسة الاستنجاء وإن
كان بالغائط.
وتنتقل أحكام الاستنجاء إلى ما ينتقل إليه الخروج بحيث يكون
مخرجاً، ويختص الخارج من الحدثين بالاستنجاء لأن ما سواهما يقال
عليه الغسل، وربما جاء اطلاقه علي غسل المني إذا بال قبل الغسل،
والصقيل الذي يزلج عن النجاسة غير مطهر، ولو تعذر الاستنجاء بما
يستنجي به شرعاً فالموضع باق على النجاسة ويعفى عنه لتعذر إزالته
وتصح الصلاة حينئذٍ ثم يغسل عند الامكان ولا تجب عليه إعادة
الصلاة.
الطرف الثالث
في الكيفية
المتعلقة بالثلاثة وفيه ثلاثة فصول:
(الفصل الأول)
في الوضــوء
وتجب فيه ثمانية:
{الأول: النية} المشتملة على الوجوب حيث يلاحظه في محله وإن
كانت ملاحظته غير شرط حيث يكون متعيّناً، وعلى القربة ،وهي الركن
الأعظم في النيّة، ولو فسّرت بأدنى مراتبها وهو طلب الثواب والخوف
من العقاب، والإستباحة وهي شاملة للمرتفع حدثة ولمن يستمر، وإن
أضاف الرفع معها في موضع إمكانه كان أقوى وأحوط.
وباقي القيود لا مستند لها، ومحلها القلب ، ولا يستحب الجمع
بينه وبين اللسان، ولا تعتبر في رفع الخبث ، وإن توقف عليها الكمال
واستحقاق الثواب لأنه لكل شيء نيّة، وهي تخرج المباحات عن مرتبتها
وتلحقها بالعبادات .
ويستحب تقديمها عند مندوبات الوضوء السابقة عليه كغسل اليدين
حيث يستحب، أو عند المضمضة أو الإستنشاق لتنصرف تلك الأفعال إلى
الوضوء بها، وإيلاؤها لغسل أول الوجه أولى ولو بتجديدها، ويجب
الإستمرار على حكمها بحيث لا يحدث نيّة تنافيها إلي آخره ، ولا تجب
الإستدامة الفعليّة لتعسرها بل لتعذرها ، فلو نوى القطع بطل حينئذ
لا قبله فيعيد النيّة لباقي الأعضاء إن لم تفت الموالاة المعتبرة
شرعاً وإلا إستأنف ، وهي مراعاة الجفاف كما سيجيء تحقيقه ، وتبطل
بضم ما يُنافيها كالرياء، أما ما يلزمها من التبرّد أو التنظيف
فلا.
والمرفوع من الحدث هو القدر المشترك في المنع من الصلاة، ونيّة
الخصوصية ملغاة، ولو جمع بين النفي والإثبات في حدثين واقعين كأن
قال:( أتوضأ لرفع حدث البول دون الغائط ) وهما واقعان أو( لإستباحة
صلاة الظهر دون العصر) بطل، أما لو قصد رفع حدث معيّن أو استباحة
صلاة معينة ولم ينو غيرهما لم يضر، وحصل الرفع والإستباحة لما لم
يتعرّض له .
وعلى ما قلناه من الإستدامة الحكمية لا يضر عزوب النية في
الأثناء ، ولو استند إلى غفلته عمداً إلا أن ينوي ما يبطل ضمه
ابتداءاً، ولو غلط في تعيين الحدث أو الصلاة التي لا يتصور وقوعها
كاستباحة صلاة طواف وهو بغير مكة فالأقوى الصحة، أما لو تعمّد ذلك
فالبطلان قوى، وذلك لأن الغرض من الصلاة الإستباحة لا الوقوع
بالفعل.
والجزم معتبر في النية لإبتنائها على ذلك فتبطل بالتردد،
والجزم من الشاك في الحدث مع كونه متيقن الطهارة لغو لا يعبأ به ،
كما أن التردد من معاكسه مبطل بغير اشكال لأنه لا شك في حدثه، ولو
نوى استباحة موقوف الكمال كفى بخلاف استباحة الممتنع كنية الحائض
الإستباحة، ولو ظهر انقطاعه بعد الوضوء لأن النية ممتنعة الإستباحة
.
ولا يجوز تفريق النيّة على الأعضاء ولا إفراد الأعضاء كلٌّ
بنيّة لرجوع ذلك إلى تفكيك الأجزاء عن الكل، وهو عبادة واحدة ، ولو
قصد فيها الإستباحة المطلقة أو الرفع المطلق، ولو نوى من وجب عليه
الوضوء الندب لم يجز وبالعكس مجز لإطلاق الوجوب على المندوب كثيراً
فيثمر التأكيد، ولو نوى في الغسلة الثانية الوجوب ولم تكن مندوبة
لم تشرع وخرج ماؤها عن الوضوء، ولو نوى بها الندب أو الإباحة
فصادفت لمعة لم تصبها الأولى فالأقرب الأجزاء، ولو صادفت نية
التجديد الحدث فكذلك ، ولو صادف الوقت الناوي ندباً أجزأ إن كان
خطئأً ، ولم يجز مع التعمّد، ولا اعتداد بتقرّب الكافر ولا تصح منه
الطهارة لأن من شروط صحتها الإسلام، بل الأقوى عدم وجوب الطهارة
عليه لأنّهم غير مكلّفين بالفروع من الصلوات وغيرها من العبادات
حتى يستكملوا العقائد الخمس، ولو كانت ذمية زوجة لمسلم وقد طهرت من
الحيض أو النفاس أمرها بإيقاع صورته الشرعية فإن امتنعت جاز وطؤها
وإن منعنا الوطئ في المسلمة حتى تغتسل، وسيأتي في تغسيل الميت ما
يدل على جواز تغسيل الذمّي والذمّية للمسلم والمسلمة وذلك مما يصحح
بعض العبادات له.
{الثاني غسل الوجه} وهو أوّل الفروض بعد النية، وليس معنى الوجه
اللغوي بمعتبر، بل حدّه من قصاص شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن في
الطول وما اشتملت عليه الإبهام والوسطى عند استدارتهما من القصاص
إلى الذقن وجرت عليه الإصبعان فهو الوجه، وما دخل فيه من العذار
والعارض وبعض مواضع التحذيف داخل، وأما الصدغ فخارج، والعبرة
بمستوى الخلقة، وغيره يحال عليه، وتجب البدأة بأعلاه ، ولا يجب
تخليل ما خف من الشعر ولا ما كثف لأنّ ما أحاط به الشعر ليس على
العباد أن يطلبوه ولا أن يبحثوا عنه بل يجرون عليه الماء، ويجب غسل
ما استرسل من اللحيّة احتياطاً.
والواجب في الغسل مسمّاه ولو كان دهناً مع صدق الجريان عرفاً،
هذا عند الاختيار وعند قلّة الماء وعوزه يجزي غسل الوجه وحدّه ومسح
باقي الأعضاء وإن كانت مغسولة.
{الثالث غسل اليدين} مرتباً بينهما من المرفقين مدخلاً لهما
بالأصالة منتهياً إلى أطراف الأصابع، والناكس اختياراً لا طهارة
له، واللحم النابت والأصابع الزائدة منهما يجب غسلها إن كانت تحت
المرفق أو فيه، واليد الزائدة كذلك، ولو كانت فوق المرفق غُسلت مع
عدم تميّزها عن الأصلية من باب المقدمة وإلا فالأصلية لا غير،
والجلدة المتدلية عن محل الفرض إلى غيره ساقطة الغسل، بخلاف العكس
لدخولها في المغسول وجوباً، والمشتركة بين المرفق وما فوقه يغسل ما
حاذى المرفق منها خاصّة، ومقطوع بعض اليد المغسولة يغسل الباقي
منها، والمقطوعة من المرفق يجب غسل ما بقي من عضده، والأظفار من
اليد وإن طالت، ويجب تخليل ما تجافى منها إن كان تحته ما يمنع وإلا
فلا، ولا يجب تخليل ما بينها وبين الأصابع وإن كان مستحباً، وكذا
يجب تحريك ما يمنع وصول الماء إلى البشرة من خاتم وغيره، وإن كان
غير مانع استحب تحريكه، والأحوط تخليل الشعر النابت على اليدين فإن
العفو إنما هو عمّا تحت شعر الوجه كما هو الظاهر، وإن كان ذا رأسين
أو أزيد فالأحوط وجوب غسل جميع الأعضاء على كل منهما والإعتبار في
ذلك بعلامة الميراث المشعرة بالتعدد والإتحاد، ولو احتاج إلى توضية
غيره له في الغسلتين لعذر فالنية من القابل لا من الفاعل، ولو نوى
الفاعل معه كان حسناً، ولو لم يتبرع على المعذور متبرّع وجبت
الأجرة عليه مع المكنة من صلب ماله وإن كان مريضاً، فإن تعذّر
توقّع المكنة وإلا قضى، ولا يجب على الزوج فعل ذلك لزوجته ولا مؤنة
المعين لها وإن وجب عليه ماء الوضوء.
{الرابع مسح مقدّم الرأس} من مستوي الخلقة والأنزع يحال عليه،
والواجب مسمّاه ولو اصبعاً، والأحوط للمختار مقدار ثلاثة أصابع ،
واختصاص الاصبع بحالة الضرورة والبرد، ولا بأس به مقبلاً ومدبراً
والأفضل الإستقبال، ويحرم الإستيعاب عند اعتقاد رجحانه، وابطاله
للمسح غير بعيد وكذا تكراره، ولو غسل موضع المسح لم يجز ، وكذا
المسح على الحائل وإن كان شعراً حيث لم يختص بالمقدّم، ولو استرسل
ومسح عليه لم يجز، وكذا عند جعودته حيث يخرج بمدّه عن حدّه، ويجب
ببقية بلّة الوضوء ، ولا يجوز الإستيناف ولو بعد الجفاف ، ويكفيه
ما على لحيته وأشفار عينيه عند جفاف الأعضاء ، ولو جفّ بالمرّة وجب
استيناف الوضوء من أصله، ولو تعذّر البلل لإفراط الحرّ وشبهه فإن
أمكن الصب على اليسرى وتعجيل المسح بها لقرب رطوبتها من المسح وجب
فإن تعذّر جميع ذلك اغتفر الإستيناف وأجزأه ثم يتبعه بالتيمم
احتياطاً.
{الخامس مسح الرجلين} من رؤوس الأصابع إلى الكعبين أو بالعكس
كما سيجيء ، وهما قبتا القدمين وينتهيان بالمفصل دون عظم الساق
فتثبت لهما البداية والنهاية ، واستيعاب المسح لهما علي هذا
التقدير ليس فيه خروج عن التحديد، وتجزي المعيّة في مسحهما بل هي
الأفضل ، فإن عدل إلى الترتيب بدأ باليمنى وجوباً، ولا يجب
الإستيعابان، والأحوط المسح بكفّه كله من رؤوس الأصابع إلى الكعبين
سواء حصل الإستيعابان أم لا، ولا بأس بالمسح على النعلين لبروز
الواجب منهما، ويجب بالبلّة أيضاً كالرأس ، ولا يجزي الغسل أو ما
استلزمه من المسح إلا للتقية ، ومعها يتعيّن فلا يجزي المسح وإن
سلم من تبعته، ولو دارت التقيّة بينهما فغسل موضع المسح أجزأ
كالمسح، ولو عدل إلى المسح في التقيّة فالبطلان ظاهر، ولا يبطل
الوضوء بزوالها حتى ينتقض بأحد النواقض ، ولا يشترط فيها عدم
المندوحة، ولا يجوز المسح على الحائل كالعمامة ولا الطلا ولا على
الخف إلا لضرورة ولا يضر زوالها، والتقية الشديدة المخوفة على
النفس والمال المضر بالحال مسوغة له لا بأدنى تقيّة كالغسل، وحيث
يمكن الغسل وتندفع به التقيّة فلا يصار إليه، ولو دارت التقيّة
بينهما وجب الغسل، ولو قطع بعض الرجل مسح على الباقي، ولو قطعت من
الكعب مسح المفصل كما فلنا في العضد ، وما جاء من الغسل فيه فمحمول
على التقية أو على المسح.
{السادس الترتيب} بين الأعضاء المذكورة حسب ما بدأ الله به في
الكتاب ، الأول فالأول، وهي المتابعة في السنّة، فيغسل وجهه أولاً
ثم اليد اليمنى ، ثم اليد اليسرى ، ثم يمسح الرأس ثم الرجلين، ولا
يقدّم شيئاً بين يدي شيء فيخالف ما أمر به، ولا تجزي المعيّة، وما
ورد من التوضؤ بماء المطر الوارد على بدنه منزل على ترتيبه عند
غسله به أو على التقية ، ولو خالف وجبت الاعادة على ما يحصل معه
الترتيب، ولو تخلّفت لمعة تزيد على قدر الدرهم في العضو المتقدم
فيمسح عليها ثم يغسل العضو الذي بعدها، فإن كانت أقل من ذلك أجزأه
المسح عليها من غير إعادة ولو بإستيناف ماء جديد، وصور النكس
المتعددة لا يصح شيء منها لمكان المخالفة، ولو قدم الشمال على
اليمين حتى غسل اليمين أجزأه غسل الشمال مرّة أخرى، والأفضل العود
عليهما مرتباً، ولا يعذر الجاهل ولا الناسي في تركه ولا في غيره من
أفعال الوضوء ولو قدر لمعة لأن الطهارة لا يغتفر اغتفالها.
{السابع الموالاة} ووجوبها فيه في الجملة مما اتفق عليه النص
والفتوى، والإختلاف إنما وقع في المراد منها، وهي مراعاة الجفاف
الناشئ عن نفاد الماء في الأثناء المتعلق بجميع الأعضاء، ويكتفي في
تحققها بمطلق البلل وإن كان على عضو متقدم مع المتابعة وعدمها، ولو
فرّق ولم يجف فلا إثم ولا ابطال إلا أن يفحش التراخي فيأثم مع
الاختيار أما البطلان فلا إلا مع الجفاف المخصوص، ومع العذر فلا
تحريم ولا ابطال ما بقي ذلك البلل في البعض، ولو التزم الإتباع
بنذر وشبهه فأخل به ففي الصحة نظر ، والأقرب بقاؤها مع الإثم
بالإخلال ووجوب التكفير مع التعيين، وكذا ناذر الوضوء المستحب في
العبادة المشترطة به ثم يجردها عنه فإنّه يبرأ من نذرها، ولكن
يكفّر بإخلاله بالوضوء لها ، والكفّارة لازمة للتعيين وبدونه
منتفية أيضاً، والمتابعة في وضوء المستحاضة وصاحب السلس والمبطون
وجوبها غير بعيد تقليلاً للحدث زمن ايقاعها وكذا تجب في أغسالها.
{الثامن المباشرة} له بنفسه بحيث يتولّى الغسل والمسح إما بدلك
العضو أو غمسه في الماء أو إيصاله إليه، فلو ولاه غيره اختياراً
بطل، ولو اضطر إليه لمرض ونحوه وجب ولو ببذل أجرة يقدر عليها
لدخوله تحت الخطاب.
ويلحق بذلك بحثان:
البحث الأول: في
مستحباته وسننه
وهي كثيرة، سابقة ولاحقة:
فمنها السواك؛ وهو في الأصل من سنن الرأس لكن نسب لكثير من
العبادات مثل الطهارة، والصلاة، والطواف، وقراءة القرآن، والعبادات
اللسانية من الدعوات والأوراد، وهو من المؤكدات حتى لو نسيه أعاده
وتمضمض عقبه ثلاثاً، ويقدّم على المضمضة والاستنشاق، ويتأكد ولو
كان صائماً أول النهار وآخره، ولكنه يتجنّب الرطب على الأحوط،
وآلاته كثيرة والمكروه منها عود الرمّان والريحان ، والمستحب منها
الأراك والزيتون وقضبان الشجر وتجزي المسبحة والإبهام لفاقد الآلات
وسيما إذا فجأه الصبح، وليكن عرضاً ووتراً لأن الوتر محبوب من كل
شيء، ويكره في الحمام وفي الخلاء ، ويستحب تعدد المساويك بعدد
الصلوات وأن يكتب على كل واحد منها علامة تلك الصلاة ، ويستاك
بجميعها في الغداة ، ويكره تركه ، ويتأكد فعله بعد ثلاثة أيام ،
وعند كل صلاة وفي السحر وعند القيام من النوم مطلقاً، ويسقط
استحبابه عند ضعف الاسنان من الكبر.
ومنها : التسمية؛ وأفضلها {بسم الله الرحمن الرحيم} ثم اتباعها
بالمأثور حتى عند النظر إلى الماء.
ومنها : وضع الإناء على اليمين ، ولو كان بين يديه وغسل يديه
ثلاثاً مطلقاً لوضوئه عن الحدث فمن النوم مرة ومن البول والغائط
مرّتين، ثم يأخذ الماء باليمين ويغسل الوجه بها، ويغسلها بعد
ادارته إلى اليسرى ، وإن شاء اغترف باليسرى لها والأمران سواء،
وقصر غسل الوجه على اليمين ، ولا يستعين باليسرى إلا لضرورة أو
تقيّة فما ورد من جوازه فمحمول على أحد هذه الوجوه.
والمضمضة ثلاثاً ثم الاستنشاق كذلك بست غرفات مع سعة الماء،
ومع عدمها كل ثلاث بغرفة، وتثنية غسل الأعضاء لطالب الاسباغ إذا لم
يتأت بواحدة وإلا فمباحة والثالثة بدعة مبطلة ، وإن لم يمسح
بمائها، وبدأة الرجل بظاهر ذراعية والمرأة بعكسه بل الوجوب ليس
ببعيد كما هو الظاهر من تلك الأدلة، ولا فرق بين الغسلة الأولى
والثانية ، وتتخير الخنثى المشكل وذو الثقب الخالي من الفرجين في
الفضيلتين، وليكن الوضوء بمد، وتضع المرأة القناع في الصبح والمغرب
، وسيما في الأول، ولاتنقص المسح عن ثلاث أصابع، وتقديم غسل
الرجلين عليه لو احتيج إليه للنظافة أو التبرّد، فإن أخره تراخى به
عن المسح شيئاً وإن لم يتراخ أعاد المسح بعده استحباباً، والدلك
للأعضاء المغسولة، والحكم بالوجوب قوي جداً، وضرب الوجه بالماء إن
حضر شيء من النعاس أو كان الوقت بارداً، وافاضة الماء على مسترسل
اللحية، وتقديم الاستنجاء من البول والغائط على الوضوء، وتحريك ما
لا يمنع وصول الماء، والدعاء عند كل فعل فُعل بما ورد من المأثور،
وبعد الفراغ يقرأ القدر، ويقول: {الحمد لله رب العالمين اللهم إنّي
أسألك تمام الوضوء وتمام الصلاة وتمام رضوانك والجنّة}، وإشراب
العين ماء الوضوء وفتحها عنده والإسباغ في مائه وسيّما في السبرات.
ومكروهاته التوضؤ في إناء فيه تماثيل، أو مفضض، وفي المسجد من
حدث البول والغائط ولا بأس به من الريح والنوم، واستعمال المشمس
والآجن وما أدخل الجنب يده فيه قبل غسلها، وسؤر الحائض والجنب
الغير المأمونة ، وكذلك الوزغ والحيّة والعقرب والفأرة وسؤر ما لا
يؤكل لحمه والإستعانة، والتمندل، وتقديم الاستنشاق على المضمضة،
وترك الإسباغ مع وجود الماء وصبّ مائه في الكنيف، وترك المتابعة
والتسمية، أما التكرار في المسح فقد تقدّم بيانه وأنه محرّم،
والماء المسخن بالنار إذا لم يضطر إليه، وتخليل الشعر الذي في
الوجه كثيفاً أو خفيفاً إلا في حال التقيّة وما ورد من الأمر به
فهو ناش عنها .
البحث الثاني : في أحكامه وفروعه
قد مرّ أن حقيقة الغسل لا تحصل إلا بالجريان فهو واجب
اختياراً، واخبار المسح والدهن كناية عن أقلّه، أما المسح فالإصابة
بإمرار الماسح مع عدم الجريان، والتباين بينهما يكون كلياً كما في
الكتاب والسنّة، ويقوم المسح مقام الغسل عند قلّة الماء فيما سوى
الوجه كما قد بيّناه فيما سبق، ومن كان على أعضائه جبائر أو طلاء
أو لصوق تمنع من وصول الماء إلى البشرة غسلاً ومسحاً وجب عليه
ايصال الماء إلى ما تحتها إن أمكن ولم يكن هناك ضرر شرعي أو عرفي
ولو بالنزع، ويكفي التكرار والتروي في غير موضع المسح، وإن تضرر
بذلك أو تعذّر مسح على الجبائر والطلاء ولو في موضع الغسل، وإن
تضرر بذلك اقتصر على غسل ما حولها سواء كان التجبير مستوعباً العضو
أو لم يكن، ولو تضرر بغسل ما حولها انتقل إلى التيمم، ولو كانت غير
مجبّرة غسلها إن أمكن وإلا مسح عليها وغسل ما حولها، فإنّ تعذّر أو
تضرر انتقل إلى التيمم، وذو القروح الكثيرة إن أمكن غسلها من غير
تضرر وإلا انتقل إلى التيمم، والأحوط عند الإشتباه الجمع بين
غسلها وبين التيمم للجمع بين الأخبار المتعارضة فيها، ولو كانت
نجسة وضع الطاهر عليها ومسح، ولو تعذّر الطاهر طهرها بالماء أولاً
ثم مسح عليها، والمسح عليها في موضع الغسل رخصة وليس بعزيمة
فالغسل حينئذٍ أفضل، ولو زال العذر لم تبطل الطهارة كما مرّ في حال
التقية، ولو حلق ذو الشعر بعد الغسل لم تجب الإعادة ، ولا يجب
تجفيف ماء الرأس والرجلين في المسح إذا غلب ماء الوضوء إلا إذا خيف
صدق الغسل، ويحرم مسح الأذنين وغسلهما إلا للتقية، وكذلك التطوق،
والخبر الوارد بذلك محمول عليها، أو أنها سنة غيرالتطوق تؤخذ من
ذلك الخبر.
والسلس ومن يجد البلل بعد البلل كالخصي يجمع بين الصلاتين
بوضوء واحد، وإن توضأ لكل صلاة وجمع فهو أحوط، وصاحب البطن الغالب
إن وجد فترة قطع صلاته وتوضأ وبنى واغتفر جميع ذلك منه، وان استمر
لم يقطع ويتوضأ لكل صلاة ويبالغ في الجمع، ولا يقطع صاحب السلس
ويبني نعم يتحفّظ باستعمال كيس مصون يضع فيه الذكر، والخصي ينضح
ثيابه في النهار مرّة أو مرّتين، والشاك في كل من الحدث والطهارة
بعد تيقن الآخر يأخذ باليقين للقاعدة المقررة العامة وللنصوص
الواردة بالخصوص الناهية عن أن يحدث وضوءاً حتى يستيقن فلو أراد
فعله نوى التجدد كحالة اليقين، ولو تكافئا كان محدثاً ووجب الوضوء
عليه، ولو استفاد من التعاقب والإتحاد يقيناً بعد التأمل صار إليه
وأخذ به وخرج من هذا الباب، ولو دخل بيقين الطهارة بعد الحدث، ثم
عرض له الشك في أثناء الصلاة صار محدثاً ، ووجبت عليه الطهارة
والإستئناف للصلاة، وبعد الفراغ لا يلتفت وتجب عليه الطهارة لما
استقبل من الصلاة وذلك للنص لا للقاعدة المشهورة لأنه حقه أن يكون
محدثاً كالناسي للطهارة بيقين.
ولو شك في أثنائه أو بعد الفراغ منه قبل الإنصراف المتعارف في
نيّة أو في حدث أو في شيء من أجزائه أو من ترتيبه أعاده على وجه
محصل للترتيب والموالاة عندهم، وإن توقف على الاستئناف استأنف،
وبعد الانصراف لا يلتفت إلا إذا شك في الأثناء، وبعد الدخول في
الصلاة في المسح وقد بقيت بلّة يستحبّ له اعادته والمضي في صلاته.
ولو تيقن ترك واجب منه أتى به وبما بعده مطلقاً ولو أخلّ
بالموالاة الواجبة استأنف، ولو ذكر المنسي بعد الصلاة أعادها وقتاً
وخارجاً، ولو تردد بين وضوئين واجبين أو مندوبين رافعي الحدث أو
مبيحي الصلاة أجزأ، ولو تردد بين واجب ومجدد فهو موضع اشكال،
والأقوى الإجزاء كما في الأولى والأولى الإعادة، ولو تعددت الصلاة
فكل صلاة عن طهارتين صحيحة وغيرها فاسدة، وعند اشتباه الصلاة يأتي
بما يعلم معه البراءة ويسقط التعيين هنا كالناسي لصلاة مشتبهة من
الخمس، ولا فرق بين المسافر والحاضر ولا بين فساد طهارة وما زاد
عليها إذا أتى بالمحتمل.
ويشترط في الماء الملك أو ما في حكمه، والطهارة فيعيد لو تطهر
بالنجس مطلقاً، وبالمغصوب مع العلم وهو الأحوط للناس أيضاً، ولا
يعيد الجاهل بالغصب بخلاف الجاهل بالحكم، وتصح الصلاة به وإن بقي
عليه بلل، ويمسح بمائه إذا علم بعد الفراغ من غسل اليسرى وقبله
يتمّه بغيره إن أمكن وإلا بطل، نعم يضمنه بالمثل، والشراء الفاسد
كالغصب مع العلم بالفساد، أما لو كان الإناء مغصوباً أو آلة الصب
مغصوبة أو ذهباً أو فضّة أو كان أحدهما مصباً للماء فالأقوى الصحة
وإن أثم، أما المكان المغصوب فالأحوط البطلان مع العلم أو جهل
الحكم، ولو استعمل الماء المغصوب في الإزالة الخبثيّة طهر وأثم
وضمن، وغسل الأموات كالطهارة الحدثية وان انضمت إليها الخبثية.
ولا تبطل الردة الوضوء على الأقوى، ولا خروج المقعدة الخالية
ولو خرجت ملطخة بالعذرة ثم عادت من غير انفصال فالأقوى الصحة
والأحوط البطلان.
والمراد باليد المغسولة قبل الوضوء هو الكف من الزند، ولو
أدخلها قبل غسلها كره، وفي استحباب الغسل بعد ذلك لها فيه كلام،
فإن قلنا به حسب بمرّة فيبني عليها ويستحب العدول إلى إناء آخر أو
له اذا اتصل بالكثير فيبقى استحباب الغسل بحاله، ولا يستحب غسلها
من الريح، والقول بتعميم هذا الغسل حتى من الكثير والجاري قوي جداً
، ولا فرق بين كون النائم مشدود اليد أو مطلقها مستورة أو مكشوفة
مستور العورة أم لا، ولا بين نوم الليل ونوم النهار، والنية غير
مشترطة فيه وكذلك التسمية نعم تستحبّان، وتتداخل الغسلات لو اجتمعت
الأسباب والأقل يدخل تحت الأكثر، والمتوضي مكشوف العورة ولم يكن
هناك ناظر غير مضر كشفها ومع الناظر يأثم ولا يبطل الوضوء على
الأقوى .
(الفصل الثاني)
في الغســل
ومباحثه ستة:
البحث
الأول: في الجنابة وفيه ثلاث مقامات :
قد ثبت أن لها سببين:
{الأول}إنزال المني مطلقاً ولو من قبل الخنثى المشكل من الذكر
والفرج، والأحوط الاعتداد بذلك من أحدهما، ويتميز عند الإشتباه من
الصحيح بالشهوة والدفق وفتور الجسد ، وفي المريض تكفي الشهوة،
والغلظ والبياض في مني الرجل أكثري كما أن الرقّة والصفرة في مني
المرأة كذلك، ،وما قيل من أن رائحته كالطلع والعجين فلا أعرف له
دليلاً سوى الوجدان الغالب، ولو علم كونه منياً وجب الغسل وإن فارق
هذه الصفات ، ولا عبرة به عند الإشتباه وتخلفها عنه، ولو خرج من
غير الطبيعي فكالحدث الأصغر في اعتبار المعاودة وعدمها، ولو وجده
على جسده أو ثوبه المختصّ به وجب الغسل ، ولو شاركه غيره مع حصره
وجب عليهما، والظاهر أنه باجتماعهما يقطع بجنب، وعلى القول بسقوطه
بالاشتراك فلا يأتم أحدهما بصاحبه ، ولا يكمل بهما عدد انعقاد
الجمعة، ويعيد الواجد في المسألة الأولى كل صلاة وصوم وطواف يعلم
عدم سبقها ، والأحوط أن يعيد ما لا يعلم سبقه، ويقضي بنجاسة الثوب
أو البدن في أقرب أوقات الإمكان، ولو حبس المني بآلته فلا غسل،
ومثله مالو احتلم ولم يخرج، ولا غسل على المرأة بخروج مني الرجل
إلا أن تعلم خروج منيها معه، ومع الشك والإشتباه فهي كالرجل.
{السبب الثاني الجماع} في قبل المرأة
مع غيبوبة الحشفة، وفي دبرها ودبر الغلام على الأحوط، ولا فرق في
الحشفة بين البارزة والملفوفة غليظة كانت أم رقيقة، ويكفي قدرها من
مقطوعها مع الإنزال وعدمه فاعلاً وقابلاً، ولا يجب بوطئ البهيمة،
والخنثى المشكل لو أولج و أولج فيه من رجل أو واضح يجب عليه بغير
اشكال، ولا يجب بأحد الأمرين إلا أن يوطأ دبراً على القول به وعلى
الأحوط، ولو توالج الخنثيان فعدم الوجوب هو المحقق من الدليل وذلك
مع عدم الإنزال، وفي الميتة يجب به، ولو استدخلت ذكر الميت وجب
عليها الغسل.
وتتعلق أحكام الجنابة بالصبي والصبيّة بحصول الإيلاج وإن تأخر
وجوبه إلى البلوغ، وقبله يستحب تمريناً ويستبيح به ما يستبيح
المكلّف لو فعله ندباً، والكافر قد عرفت أنّه غير مكلّف بالفروع من
العبادات ولا تصح منه إلا في بعض المواضع النادرة كما قلناه في
تغسيل الكافرة الذمية للمسلمة والكافر للمسلم فإذا فعل موجبها
وأسلم وجب عليه الغسل فإن الاسلام لا يجبه بل يبقى مجنباً، وكذلك
باقي الأحداث بهذه المنزلة، والإرتداد لا يسقط وجوب الغسل ولا
ينقضه لو تقدم في الأصح.
وربما توجّه (سبب ثالث للجنابة) وهو الماء المشتبه الخارج من
الجنب بعد غسله إذا لم يستبرء بالبول إلا أن الأكثر أدخلوه في
المني ولذلك ثنوا القسمة.
المقام الثاني: في كيفية الغسل
تجب فيه النية أولاً مقارنةً لغسل الرأس أو متقدمة كما سلف،
والعنق والرقبة من الرأس، ثم الجانب الأيمن ثم الأيسر للإحتياط
ولاخبار غسل الموتى، فلو خالف الترتيب بين الرأس والجسد وجبت
اعادته بغير اشكال وإن كان ناسياً أو جاهلاً إلا لشبهة المذهب،
والمخالفة بين الجانبين موجبة للإعادة احتياطاً، وبقاء اللمعة من
الجانب الأيمن غير مخل بالترتيب فيجزيه المسح عليها من غير إعادة
سواء كانت دون درهم أو أكثر ، وكذا لو كانت في الرأس على الأظهر،
ويجب غسل الشعر فيه مع ما تحته من البشرة، ويجب تخليل ما يمنع وصول
الماء إلى البشرة.
ويسقط الترتيب فيه بالإرتماس ارتماسة واحدة بحيث يكون عند
فعلها خارجاً من الماء لا بمجرّد الكون تحت الماء، ولا ترتيب فيه
لا حكماً ولا نيّة، أما الإغتسال بالمطر الغزير والمجرى فلا يصح
إلا إذا رتّبه وليس بمرتمس ولا بكيفية ثالثة كما يعطيه ذلك النص.
ويستحب فيه البدأة بغسل اليدين ثلاثاً من الزندين أو من
المرفقين أو من نصف الذراع، والمراتب الثلاث مرتبة في الفضل
وأكثرها أكملها، ويستحب تثنية غسل الأعضاء، والتثليث أكمل، والدلك،
والأحوط أن لا ينقص الرأس عن الثلاث الأكف، ولا يغسل بدونها إلا من
ضرورة، ويستحب الدعاء بالمأثور بعد التسمية، وتخليل ما يصل إليه
الماء، والمضمضة والاستنشاق ثلاثاً ثلاثاً كما مر في الوضوء،
والغسل بصاع -وهو أربعة أمداد- إن انفرد بالغسل، وان انضم إليه
الوضوء كفاه خمسة أمداد، والموالاة وهي المتابعة لا مراعاة الجفاف،
ولا تجب إلا بالنذر وشبهه، والأحوط إلتزامها لدائم الحدث، وتقديم
الإستبراء بالبول ثم بالاجتهاد عقيبه، ولو تعذّر البول سقط فإن
الاجتهاد بغير بول لا يثمر شيئاً، ولا تسقط الإعادة بخروج البلل
المشتبه بعده، ومع البول تسقط إعادة الغسل، وبالإستبراء بعده يسقط
الوضوء ، ويجب تقديم إزالة النجاسة عن العضو والبدن مقدماً على غسل
الرأس ، ولا يكفي تقديمه على غسل العضو الذي هو فيه، ولا يكفي ماء
واحد عن الخبث والحدث بل يجب امرار الماء بعد زوال الخبث، والحدث
في أثنائه يبطله وإن كان أصغر إن لم يوالِ بين الأعضاء ، فإن والى
فالأحوط أيضاً الإعادة، وكذا في أثناء غيره من الأغسال ، ويعيد
فيها الوضوء أيضاً لو كان قد قدمه، أما الأغسال المسنونة فلا أثر
له فيها إذ لا يشترط فيها الطهارة من الحدثين ولهذا تجامع الحدث
المستمر، وليست بمبيحة في تلك الحال، والأحوط وجوب غسل العورة على
الطرفين معاً لما في تنصيفها من الإشكال، ولا يجب على المرأة نقض
الظفائر حيث يصل الماء إلى أصول الشعر بحيث يعمّه والبشرة نعم
يستحب، ولا يضر بقاء صفرة الطيب على الأجساد إذا علم وصول الماء
إلى البشرة، ولو وجد لمعة بعد الغسل غسلها ولو بالمسح عليها إن كان
مرتباً ، واستأنف إن كان مرتمساً، ولو شك في الإنزال بعد الجماع
استحب له الإستبراء، ولا استبراء على من لم ينزل، ولا على المرأة،
وتجب المباشرة إلا مع الضرورة كما في الوضوء ، وتكره الاستعانة
وكذا المياة السابقة في الوضوء المنبه على كراهتها، ويجب ماء الغسل
على الزوج لغسلها وكذا يجب اسخانه لو احتيج إليه لأنه من المؤن ،
وكذا أجرة الحمام لو توقف عليه الغسل لذلك.
المقام الثالث : في الأحكام والفروع الملائمة لهذه الواجبات
فيحرم قبل الغسل ما سلف مما تتوقف اباحته عليه كما بيّناه في
الأسباب، ولا فرق في العزيمة بين الجميع والبعض حتى البسملة، ومس
خط المصحف ولو نسخ الحكم، بخلاف منسوخ التلاوة وإن بقي الحكم، وكذا
يحرم مس ما نقش منه وكتب في الكتب والأواني وما ذكر شاهداً إلا أن
يخرج عن التلاوة، وكذا يحرم مس ما عليه اسم الله تعالى من درهم أو
دينار، ووضع شيء في المساجد، وأما أسماء الأنبياء والأئمة عليه
السلام فلم ينهض الدليل بتحريمه إلا أن الاجتناب أحوط، وحمل ما دل
على الجواز على التقية.
ويكره قراءة باقي القران ويتأكد فيما زاد على سبع آيات إلى
السبعين، وكذا حمل المصحف، ولمس هامشه، ومسّ الكتب السماوية
المنسوخة، والنوم ما لم يتوضأ أو يتيمم، والأكل والشرب مالم يتمضمض
ويستنشق ويغسل يديه، والوضوء أفضل.
ويكره الخضاب والدهن والجماع لو كانت جنابته عن احتلام، ولا
بأس بتكرار الجماع من غير غسل ولا وضوء وإن كان استعمالهما أفضل
،ولو اضطر إلى المقام بالمسجد وتعذّر عليه الغسل تيمم له، وتجب
عليه اعادته كلما أحدث ولو أصغر.
البحث الثاني:
في أحكام الحيض
وأحكام غسله
وهو في الكيفية كالجنابة، ويستحب معه الوضوء قبله، وكذا باقي
الأغسال، وبذلك فارقت غسل الجنابة لبدعيته معه.
والحيض هو الدم الأسود أو الأحمر الخارج من الرحم بحرارة وحرقة
غالباً، وله تعلق بإنقضاء العدة بحيث تراه بعد التسع الكاملة
الهلالية وقبل الخمسين، ومخرجه المعتاد الطبيعي معتبر في ترتب
الأحكام عليه وإن سمّي حيضاً، والحكمة فيه إعداد الرحم للحمل ثم
اغتذاؤه جنيناً ثم رضيعاً باستحالته لبناً ومن ثم قلّ حيض الحامل
بل قيل بعدمه مطلقاً أو انه مع الإستبانة خاصة، والمرضع قد تحيض
قطعاً.
وإذا حاضت المرأة في مقام الإعتدال كان في كل شهر مرة وما سواه
استرابة، ومع الاشتباه بالعذرة يختبر بالتطوق وعدمه فالأول للعذرة
والثاني للحيض، وبالقرحة بالخروج من الأيمن والأيسر ، فالأول
للقرحة والثاني للحيض كما هو الأظهر، وكل دم يمكن كونه حيضاً يحكم
به إلا مع مجاوزة العادة والاستظهار فيحكم بأنه استحاضة، وان انقطع
على العشرة فما دونها، وكذا الزائد على العادة إذا كانت العادة لا
تختلف عليها، وأقلّه ثلاثة أيام ولو في ضمن عشرة، وأكثره عشرة إلا
مع الإضطراب عند رجوعها إلى التمييز، وأقل الطهر عشرة ولا حدّ
لأكثره، ولا يشترط فيه النقاء بل الدم الزائد على العشرة إلى أن
تنتهي العشرة طهر في ما بين الحيضتين، أما الطهر المتخلل للحيضة
الواحدة فلا يكون أقله عشرة كما توهمه الأكثر بل هو طهر صالح لجميع
العبادات واتيان الزوج ولا يحسب في أطهار الطلاق، ولا يعتد به في
العدد.
وتثبت العادة باستواء مرتين عدداً ووقتاً وأخذاً وانقطاعاً،
ولو اختلفتا ثبت ما تكرر منهما إن وقتاً وإن عدداً ، ثم قد تتعدد
العادة على اتساق وعدمه ، وهي المرجع عند تجاوزها فالمستقيمة
تأخذ بها إن علمتها وإلا بالأقل فالأقل إلى آخر العادات، وربما
إكتفي بالتمييز طريقاً إلى العادة كما إذا استوى الدم القوي مرتين
مع تخلل ضعيف بينهما هو أقل الطهر فصاعداً.
والعادة بعد استقرارها مقدّمة على التمييز عند التعارض حتى مع
صفرة الدم وكدورته، والمتقدّم عليها بيوم أو يومين بمنزلتها، وكذلك
المتأخر والزائد على ذلك تختبره بالعلامات المميزة.
وشروط التمييز اختلاف اللون، ومجاوزة العشرة، وعدم نقص القوي
عن ثلاثة أيام وإن زاد على العشرة، فما بعد الثلاثة إلى العشرة حيض
كيف اتفق اذا لم يتجاوزها في غير ذات العادة، ولو تجاوز في ذات
العادة لها استظهرت بيوم أو يومين أو ثلاثة، إن كانت تختلف عليها
فيما سبق أحياناً، وإلا فلا استظهار بل تتعبّد عند انقضاء العدة ثم
تغتسل ويحكم بطهرها وإن بقي الدم، ومع مجاوزة العشرة لا شك في
استحاضتها، ولو استظهرت ذات السبعة فما فوقها إلى العشرة كان
مطابقاً لما سبق في عدد الاستظهار، ولا تقضي الصلاة أيام الاستظهار
في حال أعم من أن يتجاوز العشرة أو لم يتجاوز على إختلاف الأقوال .
والمبتدئة والمضطربة ترجعان مع التجاوز إلى التمييز المشار
إليه فيما سبق فإن فقدناه رجعت المبتدئة إلى عادة نسائها من
أقاربها وأقرانها من بلدها لشمول نسائها لهما، ولا ترتيب بينهما
وإن كانت الأقارب أولى، فإن فقدتهما فالروايات سبيلها وهي ستة أو
سبعة في كل شهر، وعشرة من شهر وثلاثة من شهر آخر، وإن أكثره عشرة
وأقله ثلاثة، أو العشرة ابتداءاً وبعد ففي كل شهر ثلاثة .
والمضطربة مع فقد التمييز ترجع إلي الستة أو السبعة لا غير،
هذا إذا أغفلت العدد والوقت، وذاكرة العدد خاصة تحسبه من مبدأ الدم
إلى أن تستوفيه ثم بعد هي مستحاضة، وما ثبت لها من الفروع والحالات
المتكلفة عند فقهائنا تبعاً لفقهاء العامة فتشريع لا يحل استعماله،
وإن ذكرت الوقت خاصة أخذت العدد من الروايات في ذلك الوقت وتحيضت
أيضاً برؤية الدم.
وأما الأحكام
فتحرم عليها كل عبادة شرطها الطهارة من الحدثين ولو نفلاً،
وكذا ما يستلزم دخول المسجدين والكون فيهما واللبث في باقي
المساجد، وجعل مشاهدهم عليه السلام كالمساجد ليس ببعيد.
وتتيمم للخروج من المسجدين لو فجأها الدم فيهما كما جاء في
الجنب، وكذا لو دخلت فيهما نسياناً مع سبق حيضها، ولا بأس بالأخذ
منها ، وإنما يحرم الوضع فيها إلا مع الضرورة، وقراءةالعزائم أو
شيء منها، ولو كان مشتركاً بينها وبين غيرها حرم أو كره والمدار
على القصد، ويُكره ما عداها ولكنه كمكروه العبادة لإذن الاخبار
بقراءة ما سوى العزائم، وتتأكد الكراهة فيما زاد على السبع أو
السبعين وتخف فيهما ومس كتابة القرآن ومنه المد والتشديد ،وكذا
ماعليه اسم الله تعالى ، واجتناب أسماء الأنبياء والأئمة عليه
السلام أحوط، ويحرم الإعتكاف والطلاق مع الدخول وحضور الزوج أو ما
في حكمه، ووطؤها قبلاً واجتناب ما بين السرّة والركبة على جهة
الإستحباب للتغليظ في ذلك أحوط، ويباح غير ذلك وإن كان الأفضل أن
تتذرع بالدرع ويستمتع بما فوقه.
ويجب عليها قضاء شهر رمضان، وفي النذر وشبهه إذا وافق الحيض
تردد، والوجوب أقرب، كما أن الأقرب عدم وجوب قضاء الصلاة غير
اليومية عند عروض أسبابها حالة الحيض، أما ركعتا الطواف فلاحقة
بالطواف في القضاء.
ولو عرض الحيض بعد التمكن من الصلاة قضت، ولو انقطع وقد بقي من
الوقت قدر الطهارة وركعة وجب الأداء، والوجوب دائر مدار وقت
الفضيلة كما هو المتيقن وترتبه على الإجزاء أحوط، ومع الإخلال
فالقضاء واجب، ولو تلت العزيمة فعلت حراماً وسجدت وجوباً، ولا بأس
باستماعها وسماعها مع سجودها وجوباً.
ويجب تعزير الواطي عالماً عامداً، ويثبت ارتداده مستحلاً، وعلى
ممكنته التعزير أيضاً، والأحوط له التكفير بدينار في ثلثه الأول
وبنصفه في ثلثه الثاني وبربعه في ثلثه الآخر، ولو تصدق على مسكين
بقدر شبعه أجزأه، ولو كانت أمته تصدّق بثلاثة أمداد طعاماً.
ويكره وطؤها بعد الإنقطاع وقبل الغسل وبعد غسل الفرج مع الشبق
وبدونه يحرم ، ولا تترتب عليه الكفارة المتقدمة وإن وجب تعزيره.
ولو عرض الحيض في أثناء الوطئ نزع فإن استدام لزمته تلك
الأحكام، ولو اشتبه الحيض بغيره من الدماء فالأحوط الإمتناع
تغليباً للحرمة، والقيمة غير مجزية في الكفارة على القول بوجوبها.
ويستحب لها الجلوس في مصلاها بعد الوضوء وغسل الفرج والتحشي
ذاكرة الله تعالى بقدر زمان الصلاة، وليكن تسبيحاً وتهليلاً
وتحميداً وجاء أوقراءة.
وهذه الأحكام متعلقة برؤية الدم للمعتادة وكذلك المبتدأة
والمضطربة فعلاً وتركاً.
ولتنوِِ في كل من الوضوء والغسل الرفع والإستباحة أوهما سواء
قدمت الوضوء أو الغسل عندهم والتزام التقديم أحوط، ولو أحدثت بين
الغسل والوضوء لم يقدح في الغسل، ولو كان المقدم الوضوء أعادته لا
غير، وفي أثناء الغسل كما مرّ في الجنب مع قوة الإجتزاء بالوضوء
هنا مع إتمام الغسل لإختصاص الدليل بالجنب.
البحث
الثالث:
في
الاستحاضة
ودمها في الأغلب أصفر بارد رقيق يلزمه الفتور غالباً لندور
غيرها ، فلو اتفقت في أيامها غير هذه فإستحاضة ، كما أن هذه
الصفات قد تُجامع الحيض لذات العادة، والضابط فيها انها كل دم
يخرج من الرحم وليس بحيض ولا نفاس ولا قرح ولا جرح ، ومنه ما زاد
على العادة والاستظهار وما تجاوز العشرة ، وما زاد على غاية النفاس
، وما نقص عن أقل الحيض ، وما تراه حالة الصغر واليأس، ولا يشترط
فيها امكان الحيض، والإشتقاق للغالب.
ولا يحرم عليها شيء من محرمات الحيض إذا أتت باللازم شرعاً وهو
الوضوء لكل صلاة مع تغيير القطنة وغسل الفرج لما لا يغمس منه، وذلك
مع تغيير الخرقة والغسل للغداة احتياطاً إذا غمس ولم يسل، وجميع
ذلك مع غسل للظهرين ومثله للعشائين مع الجمع بينهما إذا سال بحيث
تؤخّر هذه وتعجّل هذه فيحصل الجمع بدخول وقت الثانية، والمحقق منها
حالتان لا غير، فمع السيلان كبرى توجب هذه الأعمال والأغسال ، ومع
عدمه فصغرى لا تجب معها الأغسال، وصحة الصلاة موقوفة على الكل ،
وكذا صحة الصوم فتقضي لو تركت، ويتوقف الوطئ عليها، وعليها
الاستظهار في التحفّظ بقدر الامكان، ولو فجأها الحدث في الصلاة فلا
شيء، وانقطاع الدم لا حكم له إن كان للبرء، وإلا وجب ما كان سابقاً
إن غسلاً وإن وضوءاً، والشاكة في البرء كذات الاستمرار، ويجوز لها
دخول المساجد مع أمن السريان كالمجروح والسلس والمبطون، ولو اختلفت
دفعات الدم عملت على أكثرها ما لم يكن للبرء، ولتنوِِ الاستباحة
لوضوئها وغسلها لا الرفع ، وعند برئها تجوز نيّة الرفع، ولو نوت
رفع ما تقدّم أجزأها، ولتتبع الطهارة بصلاتها فإن أخرتها ولم يفجأ
الحدث لم يضر وإلا استأنفت الطهارة، ولو انقطع الدم في أثناء
الصلاة لم يضرأيضاً ، ولو إنقطع قبلها إحتاطت بالوضوء إن كان
السابق يوجبه وإلا فبالغسل ، ولو تركتهما رأساً صحّ لها الدخول
بتلك الطهارة التي هي عليها.
البحث الرابع:
في النفاس
وهو دم الولادة واشتقاقه من النفس التي هي الدم، ولا بد من
خروجه مع الولد ،ويكتفى بخروج جزء منه أو بعده إلى تمام العشرة في
غير ذات العادة، وفي ذاتها تعتبر بعادتها، ولو رأته قبل خروج بعض
الولد مقارناً له فهو استحاضة، وأقله مسمّاه وأكثره للمعتادة
عادتها ولغيرها ثمانية عشر يوماً، ولها الاستظهار في الحالين بيوم
أو يومين أو ثلاثة إن استمر كالحائض، ولو لم ترَ دماً إلا في آخر
العادة أو آخر الثمانية عشر لغيرها فهو النفاس، ولو رأته في أوله
وآخره خاصة فالدمان خاصة نفاس وما بينهما طهر في أثنائه، ولو تعدد
الولد فلكل نفاس منفرد، ويكفي في الولادة كونه مضغة أو علقة
احتياطاً، أما النطفة فلا، ولو انقطع الدم استبرأت بالقطنة
كالحائض، ولو كانت مبتدأة وتجاوزت ثمانية عشر عملت عمل المستحاضة ،
ولا ترجع إلى التمييز ولا إلى النساء، وكذلك المضطربة، وحكمها
كالحائض في المحرمات والمكروهات، وتخالف الحائض في أمور انهيت إلى
عشرة في المشهور ولا حاجة لنا في استقصائها، ولو وطأها فنفست أو
قارن الوطء النفاس ثم انقطع عند النهاية أو في أثنائه وتعمد البقاء
بعد العلم فكفّارة واحدة واحتمال ثلاث كفارات بعيد.
البحث الخامس:
في غسل الأموات
وأحكامه
ومجموعها خمسة:
{الأول} الإحتضــار :
ــ أعاننا الله عليه وثبتنا بالقول الثابت لديه ــ
ويجب الإعتداد للموت عند ظهور اماراته وقبل معاينته بالتوبة،
والأعمال الصالحة، والإكثار من ذكره قلباً ولساناً، والوصية لمن
عليه حق أو له، ويكره تمني الموت، والشكاية للمريض، بل ينبغي الصبر
على المرض احتساباً للأجر، وفي عيادة المريض في غير الرمد
والدماميل ووجع الضرس ثواب عظيم وخصوصاً في الصباح والمساء، وينبغي
الإذن للعائد في الدخول، وايذان اخوانه بمرضه، وأن يستصحب العائد
هدية معه والدعاء له، ووضع اليد على جبهته وترغيبه في التوبة،
وتذكيره بالوصية وتخفيف العيادة إلا مع التماس المريض ذلك، وأن يلي
أمره أرفق أهله به أو أصحابه، فإذا ظهرت امارات الموت رغّبه في حسن
الظن بالله، وتلا عليه الآي والأخبار المتضمنة لذلك، فإذا حضره
السوق وجب استقبال القبلة وتوجيهه لها بأخمصيه بحيث لو جلس لكان
مستقبلاً، ويستحب تلقينه الشهادتين والإقراربالأئمة الاثني عشر
عليه السلام وكلمات الفرج، ونقله إلى مصلاه إن اشتد به النزع،
فإذا مات اغمضت عيناه واطبق فوه، ومدت يداه إلى جنبيه، وكذلك ساقاه
وسُجي بثوب، ولا يُترك وحده، وليقرأ عنده القرآن وقراءة الصافات
تعجل الفرج له وكذلك يس تخفف عليه النزع ويحصل بها البركة، ويعجل
بتجهيزه فإنه كرامة له إلا مع الإشتباه فيصبر عليه ثلاثة أيام أو
ما دونها بحيث يترتب عليها وضوح أمره، أو يختبر بالعلامات الدالة
عليه، ويكره أن يحضره جنب أو حائض.
{الثاني}في التغسيل :
وأولى الناس به أولاهم بميراثه إمّا لزيادة إرثه أو لحجبه،
وتجب المساواة في الذكورة والأنوثة إلا في ما استثني كمن لم يتجاوز
سنه ثلاثاً من الصبي أو خمساً من الصبية، وإلا الزوجين والمالك
ومملوكته غير المزوجة ولا المكاتبة ، والأحوط اعتبار كونها أم ولد
لإنتقالها بموت سيدها لورثته، والزوج أولى بزوجته حتى من المالك.
ويجب أن يكون الغاسل مكلفاً بالبلوغ والعقل ومسلماً إلا أن
يفقد فتغسله أهل الذمّة بتعليم المسلم الذي لا يمكنه المباشرة ،
والأحوط إعادة الغسل بوجود مستكمل الشرائط قبل الدفن.
ويجوز لذوي الرحم وهم المحارم نسباً ومصاهرة التغسيل لغير
المماثل من وراء الثياب عند عدم امكانه، والخنثى المشكل تغسله
محارمه ولا يغسلهم إلا مع فقد المماثل، ولا تغسل الخنثى مثلها، ومع
فقد ذوي الرحم يسقط التغسيل، والأجانب لا يشرع غسلها ولو من وراء
الثياب، ولا يجزي في ذلك تغميض العينين، ولا يكفي عن تغسيلها غسل
مواضع التيمم.
والأفضل للزوجين أن لا يغسل أحدهما الآخر إلا من وراء الثياب
وليس ذلك بشرط، وإنما يغسل المسلم ومن بحكمه من الأطفال وان كان
سقطاً له أربعة أشهر، وما دونها يلف في خرقة ويدفن بلا غسل، وذو
الأربعة تثبت له الاحكام كلها حتى القطع الثلاث والتحنيط ولا يتوقف
على بلوغ ستة.
وحكم الصدر كالميت في التغسيل والتحنيط والتكفين ، يُلف في
ثلاثة أثواب ، وكذلك عظامه أجمع يثبت لها ما يثبت للميت، ولا
يُغسّل الكافر حتى لو كان مخالفاً إلا للتقية ويغسله تغسيل
المخالفين، والخوارج والغلاة والمجسمة والمجبرة بمنزلة أولئك وإن
أظهروا الاسلام، والشهيد إذا مات في المعركة أو خارجها ولم يُدرك
وبه رمق لا يُغسّل ولا يُكفّن، وهو مختص بالشهادة بين يدي الامام
عليه السلام أو نائبه الخاص، وإن جرد كفن، ولا فرق بين المقتول
بحديد أو غيره بالغاً كان أو غير بالغ جنباً كان أو غير جنب.
ويجب تغسيل كل قطعة فيها عظم وتلف وتدفن، ومن أريد قتله حداً
أو قصاصاً غسّل وكفّن وحنّط قبله وأجزأه عن ذلك بعد موته بذلك
السبب.
وتجب إزالة النجاسة عن بدنه أولاً، وتستر عورته إن كان من
يغسّله باصراً وليكن بقميصه إن كان عليه وإلا بخرقة توضع على
عورته، ولو جرّد من القميص وجمع على عورته ليحصل التمكين من
التغسيل تأدت السنة بذلك.
ويستحب شق القميص لينزع إلى العورة وإن كان مملوكاً للوارث إلا
أن ذلك حق عليه حتى لو امتنع من ذلك ألزم به مراعاة لحرمة الميت،
ووضعه على ساجة، ويستقبل به القبلة وجوباً كحالة الإحتضار إلا أن
يتعذّر ذلك، وتحفر له حفيرة تجاه القبلة ليقع ماء الغسل فيها
وتُعلى جهة الرأس لينحدر الماء عنه بسرعة، وليكن تحت ظل ساتر من
سقف ونحوه، وليكن مستور الجهات أيضاً لكراهة التغسيل في الفضاء،
ولتليّن أصابعه برفق ولا تغمز مفاصله بعنف، ثم تُغسل يداه ثلاثاً
من المرفقين أو من نصف الذراع أو من الزندين كما مرّ في الجنب.
ثم تجب النية -لأنه غسل لا غسالة وان ارتفع به الحدث والخبث-
من الغاسل، وهما الصاب والمقلّب، ويجب تغسيله ثلاث غسلات أولاهن
بماء السدر، ثم بماء الكافور، ثم بماء القراح الخالص منهما،
والأحوط بقاء الإطلاق في الماء من الأولين لأن المضاف في الحقيقة
غير مطهّر، ولا يقدر السدر بقدر وكذا الكافور وإن استحب أن يكون
قدره ثلاثة مثاقيل، وكيفيته كغسل الجنابة، ولا يجب الوضوء قبله بل
ولا يستحب إلا للتقيّة، والترتيب بين هذه الأغسال واجب كوجوبه بين
الأعضاء، ولا يجزي هنا الارتماس لإختصاصه بالجنب الحي، ولو فُقد
الخليطان غسّل ثلاثاً بالقراح احتياطاً، والمحرم لو مات غُسِّل
بالسدر والقراح وأبدل من الكافور بالقراح احتياطاً.
ويستحب غسل الرأس أولاً برغوة السدر وفرجه بالحرض والسدر
ثلاثاً أمام الغسل بماء السدر، ثم غسل فرجه أيضاً بالحرض والكافور
ثلاثاً أمام الغسل بالكافور، ثم غسلهما بالقراح ثلاثاً أمام الغسل
بالقراح، والبدأة بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، وتثليث كل عضو ،
واضافة شق الرأس الأيمن إلى الأيمن من البدن والأيسر إلى الأيسر،
وغمز بطنه في الغسلتين الأولتين قبلهما إلا الحامل وقد مات ولدها،
وغسل يد الغاسل مع كل غسلة، ووقوفه عن يمينه لا مضغوطاً بين رجليه
إلا للتقية، وصب الماء في حفيرة وهي التي حفرت لغسله أو بالوعة غير
بالوعة النجاسة فإنها كالكنيف في المنع، وينشف بثوب صوناً للكفن عن
الإبلاء.
ويكره اقعاده وقلم أظافره وترجيل شعره وحلق عانته، والاخبار
غير قاصرة عن التحريم فالإجتناب لها اجتناب المحرمات أحوط، ولو
انفصل منه شيء وضع معه في كفنه.
ويكفي في الغسل إمرار الماء ، ولا يكفي الغرق في الماء عن
الغسل لفقد النية والخليط، ولو خرجت منه نجاسة في الأثناء أو بعد
الفراغ أجزأه غسلها من غير استئناف، ولو عدم الماء يُمم ثلاثاً،
ولو وُجد لغسلة واحدة فهو للأولى ويُمم للأخيرتين، وكذا لو وجد
لغسلتين اختص التيمم بالأخيرة، ولو خيف من غسله تناثر لحمه
كالمحترق والمجدور كان كفاقد الماء ييمم، ولو كان التناثر ناشئاً
عن الدلك سقط وغُسّل بصب الماء عليه، والمقتول يغسّل دمه وتربط
جراحاته بالقطن والتعصيب ثم يصب الماء عليه ولا يبالغ في الدلك،
فإن أبين الرأس غسل أولاً ثم الجسد ثم وضع القطن فوق الرقبة تحت
الرأس ويحمل في الكفن.
وليس لماء الغسل حد بل ما يطهره، ويستحب الإكثار منه إلى ست
قرب أو سبع.
ولا يجب التغسيل إلا على الولي عيناً ولا يصير كفائياً على
الغير إلا إذا فقد الولي أو كان غير حاضر، ولا يجوز تغسيل الغير له
ولو تبرعاً إلا باذنه، لكن يستحب مباشرة غسل الميت لغيره استحباباً
عينياً، وليكتم ما يرى من الميت إلى أن يدفن وهو معنى تأديته
الأمانة فيه، ويستحب الرفق به وأن لا يغمز له مفصلاً، ويكره بماء
أسخن بالنار إلا أن يخاف الغاسل على نفسه البرد أو يكون حال تقيّة.
ويستحب أن يغسل رأسه ولحيته بالخطمي أمام السدر، وأن يلف
الغاسل على يديه خرقة عند غسل بدنه ، ويجب عند غسل العورة إلا في
تغسيل الزوجين فيستحب في جميع الحالات، وليجنّب منخريه ومسامعه
الماء في الغسلات كلها، وإذا صب الماء على العضد لم يقطع الصب حتى
ينتهي إلى آخره وهذا على سبيل الإستحباب.
{الثالث} في التكفين :
ويجب فيه ثلاثة أثواب وجوباً تخييرياً بين كونها لفافتين
وقميصاً أو ثلاث لفافات يدرج فيها أو قميصاً ومئزراً ولفافة،
وكلّما أمكن القميص فهو أفضل، وإن جمع بين القميص واللفافتين
والمئزر كان أحوط.
ويجب أن تكون تلك الأثواب من جنس ما يصلّى فيه، ويحرم في
سواها، طاهرة من النجاسة، ساترة للبدن، غير مغصوبة، والمراد ما
يصلي فيه الرجل لا المرأة على المشهور فلا يجزي تكفينها في الحرير
على القول بجوازه فيها إليها، ولا يجزي الثوب الواحد إلا لضرورة،
وكلما تعذّر سقط وجوبه من تلك الأثواب.
ولا يجوز التكفين في جلد ما يؤكل لحمه لأنه لا يعد في الأثواب،
ولا في الحرير، ولو تعذّر غيرهما دفن بغير كفن، أما المغصوب فلا
يجوز مطلقاً ، ولو كان الحرير غالباً على القطن بحيث يكون مستهلكاً
فكالحرير.
ويستحب في القطن الأبيض إلا في الحبرة، ويستحب أن يزاد الرجل
والمرأة على تلك القطع الواجبة خرقة لشد الفخذين، وليكن طولها
ثلاثة أذرع ونصفاً فصاعداً في عرض شبر تقريباً يشد طرفاها على
الحقوين ، ويلف الفخذان بما استرسل منها لفاً شديداً بعد وضع قطن
تحتها، والرجل يزاد عمامة والمرأة مقنعة وخرقة للثديين، وفي بعض
الأخبار المرسلة زيادة المرأة نمطاً ، وأما الحبرة اليمانية
العبرية فسنّة للرجل والمرأة، ويستحب أن تكون زائدة على الثلاثة
الأثواب، وتتأدى السنة بكونها أحد الأثواب الثلاثة أيضاً، وجاء
الحث عليها حتى انها توضع معه على النعش أو في قبره إذا لم يلف
فيها.
ويكره التكفين في الحرير الممتزج مما يجوز فيه التكفين، وفي
السواد وعمل الأكمام للأكفان المبتدأة، أما في غير المبتدأة فلا
بأس ببقائها وإنما تقطع الأزرار منها.
ويستحب كتابة اسمه وأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً
رسول الله صلى الله عليه وآله على اللفافة والقميص بتربة الحسين
عليه السلام ، وأما أسماء الأئمة عليه السلام فلم نقف على مستنده،
نعم يستحب كتابة القرآن ودعاء الجوشن، ودعاء العرش ، وتستحب اجادة
الاكفان والمغالاة في أثمانها وإن ماكس الوارث تقديماً لحقه.
ويكره أن يكون من كتّان، وكذلك لا يجوز التكفين في كسوة الكعبة
وتكره المماكسة فيه إلا أن يتعدّى في السوم.
ويستحب التبرع بكفن الرجل المؤمن ، وأن يكون مما صلى فيه أو
أحرم، وأن يستعد المؤمن قبل موته ويجعله معه في بيته ، ويكثر من
النظر إليه ، وأن يكون من طهور المال.
ويستحب التخضير للميت استحباباً مؤكداً وإن اشتدت التقيّة
استعملت سرّاً، وهو أن يشق له جريدتان خضراوتان قدر كل واحدة
ذراعاً أو قدر عظم الذراع أو نصف ذراع، فإن فقد النخل فمن السدر ثم
من الخلاف ثم من الرمان ثم من شجر رطب.
وكيفية التكفين واجبة وسننه أن تُفرش الحبرة أولاً وتُذر عليها
ذريرة ثم اللفافة فوقها ،ثم القميص ،ثم المئزر ، ثم يضع الميت فوق
الجميع، فيؤزره بالإزار أولاً ويستحب أن يكون عريضاً يستر من صدره
إلى قدمه ويجزي في تأديته واجباً أن يكون من السرة إلى الركبة، ثم
يلبس القميص فوقه، ثم تلف عليه اللفافة، ثم تلف عليه الحبرة، وذلك
بعد تحنيطه في مساجده السبعة بالكافور، والأحوط أن يضيف كل مفصل من
مفاصله ، وأن يضع في اللبة وفي الإبطين، وفي باطن القدم ، وفي
موضع الشراك على جهة الإستحباب، فإن كان محرماً لم يحنّط.
ويجزي في التحنيط مسمّاه من الكافور الخالص وأقله في الفضيلة
مثقال، وأوسطه أربعة دراهم ، وأكمله وزن ثلاثة عشر درهماً وثلث ،
ولو جعل الأوسط أربعة مثاقيل كان أحوط، وكافور التغسيل غير داخل
فيه.
ويستحب أن يخلط بالتربة الحسينية على مشرفها السلام وإذا أردت
أن تلفّه بتلك اللفافة فابدأ بالشق الأيسر ويمد على الجانب الأيمن،
ثم يمد الأيمن على الأيسر.
وكيفية التعميم له أن تثنيها على رأسه بالتدوير وتلقي فضل الشق
الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن، ثم تمد على صدره، وقبل أن
تلبسه قميصه تأخذ شيئاً من القطن وتجعل عليه شيئاً من الحنوط وتحشو
به دبره، وتضع شيئاً من القطن على قبله، وتجعل عليه شيئاً من
الحنوط أيضاً، وتبدأ بجهته في التحنيط، وتمسح تلك المفاصل كلها فإن
فضل منه فضل وضع على صدره، ولا يجعل في فمه، ولا في منخره، ولا في
عينيه ولا في مسامعه، ولا على وجهه قطن ولا كافور، وحنوط المرأة
والرجل سواء.
وأما كيفية وضع الجريدتين معه في التخضير فأشهرها رواية وفتوى
أن تجعل احداهما من جانبه الأيمن وتلصقها بجلده، والأخرى من الأيسر
بين القميص والإزار، وجاء جعل احديهما عند ترقوته تلصقها بجلده ثم
تمد عليه قميصه والأخرى عند وركه، وجاء أيضاً واحدة عند ركبته تلصق
إلى ساقه والأخري تحت إبطه الأيمن ما بين القميص والإزار، ولا يجوز
أن يقرب الميت شيء من الطيب ولا البخور إلا الكافور.
ويستحب اغتسال الغاسل قبل تكفينه غسل المس، فإن لم يغتسل أجزأه
غسل اليدين من المرفقين أو الزندين ثلاثاً مع غسل الرجلين إلى
الركبتين.
وكفن الميت من أصل تركته، ويقدّم على الدين المقدم على الوصية
، وعلى المنجزات في مرض الموت وإن كانت من الأصل ، وكذلك على حج
الاسلام وعلى الحقوق المالية التي تخرج من الأصل، ولو كان الكفن أو
أصله مرهوناً فالأقرب تقديم الكفن أيضاً لأن استيفاء الدين مما
يفضل عن الكفن، أما العبد الجاني فحق الجناية مقدم ولو جنى بعد
الموت ولم يكن كُفن إلا منه تعارض سبق تعلق الكفن بعينه ولحوق تعلق
الجناية وهو الأقوى لأن للكفن جهة بيت المال وسهم السبيل من
الزكاة، ولو فقدا قدّم حق الجناية.
والقدر المخرج من الأصل هو الواجب، والزائد بالوصية من الثلث
إلا مع اجازة الورثة، ولو استوعب دينه بطلت الوصيّة ولم تكف اجازة
الوارث نعم إن أجاز ذلك الديّان نفذ لكنها تنفيذ لفعل الموصي فيبقى
قدر الكفن الزائد في ذمته للديان .
ولا تجوز الزيادة على الندب في العدد وإن قلّت القيمة إلا في
جودة الصفة وإن كثرت، وتدخل العمامة في كفن الموصى بالمندوب ونفي
كونها من الكفن يُراد به الواجب فيزول الاشكال في عدم القطع
بسرقتها، ولو لم يخلف كفناً ولا بيت مال ولا زكاة دفن عارياً ولا
يجب على المسلمين بذل الكفن بل يستحبّ مؤكداً، وكذا الماء
والخليطان وجميع المؤن الواجبة كالكفن من أصل التركة.
وكفن المرأة الدائمة العقد على الزوج وإن كانت ذات مال، والماء
والخليطان من أصل مالها، ولو كان معدماً إلا ما ورثه منها ففي
وجوبه في حصته من الإرث أو من أصل مالها وجهان والأقوى الثاني لأنه
لا إرث إلا بعد الكفن.
ولو تنجّس الكفن غسل ما عليه فإن كان بعد طرحه في القبر قرض ان
لم يمكن الغسل، ولو استلزم القرض عدم الستر سقطا معاً ودفن
بنجاسته.
والنفساء لا يرقى دمها تدخل في سراويل من الجلود وتلبس الكفن
فوقه.
ويجب تغطية رأس المحرم ووجهه بالكفن كالمحل وكذا رجلاه، ولا
توضع الجريدة مع المخالف ولو قلنا بتغسيله وتجهيزه، وتوضع مع الصبي
والمجنون ، وإن تعذّر وضعها في الكفن وضعت في القبر فإن تعذّر غرست
على قبره.
{الرابع} في الصلاة عليه:
وهي فرض عيني على الولي كالتغسيل والتكفين، وهو الأولى بميراثه
بأن يباشرها إن كان أهلاً لذلك أو يأمر من هو أهل لها جماعة أو
فرادى، وعلى غير الولي فرض كفائي وهو كل مسلم عالم بذلك متمكن من
الحضور لإقامتها بعد إذن الولي له.
ولا تجب إلا على من بلغ التكليف بحيث خوطب بالصلاة الشرعية ،
وتستحب على من بلغ ست سنين، وعلى من دون ذلك بدعة لا تجوز إلا في
حال التقية.
ويشترط حضور الميت ولو كان موضوعاً في قبره فلا صلاة على
الغائب ، ولا تحل إلا على المسلم ومن بحكمه ، ويصلى على المنافق
والناصب والمخالف لمكان التقية ويدعا عليهم بعد الرابعة.
ولو اشتبه المسلم بالكافر اختبر بكماشة الذكر وعدمها فلا يصلّى
إلا على الأول ومع فقد هذه العلامة يجمعهما في الصلاة وينوي بها
على المسلم.
ويُصلى على الشهيد والنفساء والمبطون والغريق والمقتول في
الدفاع عن نفسه أو حرمه أو ماله و قاطع الطريق والمقتول حداً أو
قوداً أو الغال من الغنيمة وقاتل نفسه.
ولا صلاة على الغلاة ولا الخوارج والمجسمة لكفرهم ولا على ولد
الزنا إذا لم يظهر الاسلام، ويصلّى على المجهول في دار الاسلام.
والأولى بالصلاة عليه والتقدم الأحق بالإرث والأكثر نصيباً فيه
إلا الأب فإنّه أولى من الإبن والزوج أولى مطلقاً، والذكر أولى من
الأنثى، والحرّ مقدم على العبد إلا أن يعتق قبل الصلاة، وله أن
يقدم غيره، وليس لغيره التقدم بغير اذنه ولو أوصى إليه الميت
بالصلاة.
ويجب أن يأذن للإمام إذا حضر فإن لم يأذن صلى الامام بغير إذن،
ولو تعذّر الوالي فالأفقه لمكان النيابة عنه، ولا عبرة بالأقرأ ولا
بالأسن هنا، ويستحب تقديم الهاشمي إذا جمع الشرائط.
ويجوز للمرأة ايقاعها ، وتؤم النساء فيها وإن كانت فريضة إلا
انها لا تتقدمهن، وكذلك العراة لا يتقدم أمامهم بخلاف غيرهم فإنه
يبرز ، وإن كان المأموم واحداً، ولتتأخر النساء عن الرجال وجوباً،
ويستحب انفراد الحائض عن صف النساء.
ولو اجتمعت الجنائز روعي في تقديم أوليائهم ما يراعى في أولياء
الميت الواحد، ولا يجوز للمأذون الإستنابة إلا باذن الولي.
وكيفيتها أن ينوي ويكبّر ويشهد الشهادتين ثم يكبّر ويصلي على
النبي وآله صلى الله عليه وآله ثم يكبر ثالثة ويدعو للمؤمنين
والمؤمنات ثم يكبر الرابعة ويدعو للميت إن كان مؤمناً ويلعنه إن
كان مخالفاً أو منافقاً ، ويدعو للمستضعفين بدعائهم وللمجهول
بالحشر مع من يتولاه وفي ابن الست لأبويه ثم يكبّر الخامسة ويقتصر
في المخالف على الأربع إلزاماً له بما يعتقد.
ويجب جميع ما ذكر مع الاستقبال والقيام والستر، ولا تشترط
الطهارتان، ويجب جعل رأس الميت على يمين المصلّي وهو مستلق على
قفاه.
ويجب تأخير الصلاة عن التغسيل والتكفين، ويقدمها مع التمكن على
الدفن، ولو لم يكفّن وضع في قبره ووضع عليه اللبن وسترت عورته به
وصلي عليه.
ولو دفن بغير صلاة صلي على قبره إلى ثلاثة أيام، وكذا من فاتته
الصلاة عليه وإن كان الاقتصار على الدعاء في الصورة الأخيرة أحوط
لأخبار النهي عن الصلاة عليه.
ولا يشترط فيها العدد ولا الجماعة وإن استحبا، ويكفي الواحد
وإن كان امرأة، أما الصبي المميز فلا تكفي صلاته في سقوط الواجب
الكفائي ، وتجزي صلاة الفاسق وصلاة الجالس لعذر لكفايتها.
ولو تبين بعد الدفن جعل رأس الميت على يسار المصلي لم تعد، ولو
كان قبله أعيدت، ولا قراءة فيها ولا استفتاح ولا استعاذة ولا تسليم
إلا للتقية.
والتكبيرات كلها أركان، وتنعقد بالأولى ، ويحصل الانصراف
بالأخيرة، ولو أدرك المأموم بعض التكبيرات أتم ما بقي ولاءاً، ولو
رفعت الجنازة أتم ولو على القبر.
ولو لم يكبر المأموم مع الإمام حتى كبر أخرى فإن تعمد أثم،
وإلا فلا اثم عليه ويتم بعد الفراغ، ولو سبق المأموم بتكبيرة فما
زاد عمداً أثم ، ونسياناً لا اثم ، ويستأنفها مع الامام أو بعده،
ولو أدركه بين التكبيرات لم ينتظر تكبيرة اخرى بل يتابعه وتكون
تكبيرة الإمام من بعد ثانية للمأموم.
ولو حضرت جنائز فالأفضل أن يجعل لكل واحد صلاة، ولو جمعهم جاز،
ويجعل الرجل مما يلي الإمام والعبد بعده ثم الخنثى ثم المرأة، ولو
جعلت الفضيلة لجهة القبلة جاز أيضاً، ومستنده هو الصحيح ، والجمع
بالتخيير قائم فتتبع الفضيلة النيّة.
ولو كان هناك صبي تشرع الصلاة عليه ندباً قدّم على المرأة لشرف
الذكورية ، ولا يخص ذلك بما اذا كانت الصلاة عليه واجبة بل مطلقاً
، ولو كان رجالاً ونساءاً جعلهنّ صفاً مدرّجاً ووقف على الوسط، ولو
حضرت جنائز في أثناء صلاة الأولى تخيّر المصلي بين الاستئناف عليها
وبين التشريك فيما بقي من التكبيرات ثم يأتي بوظيفة كل منهما عند
اختلافهما ، فلو حضرت في الثانية نوى التشريك فيها ثم يتشهد ويصلي
على النبي صلى الله عليه وآله ودعا للمؤمنين وهكذا حتى يتم ما بقي
على الثانية، ويقدم الصلاة الحاضرة ندباً لو اجتمعتا واتسعتا وإلا
قدم المضيقة حتماً، ولو تضايقتا قدمت الحاضرة.
وتجوز في جميع الأوقات حتى في الأوقات التي يكره فيها ابتداء
النوافل.
وتستحب أمور منه اعلام المؤمنين بموته، والتشييع، وأن يمشي
المشيّع خلفها وهو أفضل مراتب التشييع أو إلى أحد جانبيها، ويكره
التقدّم عليها إلا لذي الجنازة، ويحرم في جنازة الكافر لإستقبال
ملائكة العذاب لها ، وتربيعها بالحمل كيف اتفق وأفضله أن يبدأ
بمقدم السرير الأيمن وهو الذي يلي يمين الميت ثم يدور من ورائه إلى
رجله اليمنى ثم رجله اليسرى ثم يده اليسرى، ووضع اليمين على الكتف
الأيمن واليسرى على الكتف الأيسر، وقول المشاهد (الحمد لله الذي لم
يجعلني من السواد المخترم) ويمشي القصد، ويستحب الإسراع إذا خيف
على الميت، والتفكر في أمور الآخرة.
ويكره التحدّث بأمور الدنيا ورفع الصوت بالبكاء والضحك والركوب
إلا لضرورة ، وقول المشيع (ارفقوا به)، والمشي أمامها إلا للتقية
سيما جنازة المخالف، والجلوس حتى توضع في اللحد.
ومن المستحبات أيضاً الطهارة من الحدث ولو بالتيمم، ووقوف
الامام عند وسط الرجل وصدر المرأة أو عند صدر الرجل ورأس المرأة
فان اجتمعتا حاذى لصدرها ووسطه، ونزع نعليه ورفع اليدين في كل
تكبيرة والوجوب في ذلك ليس ببعيد، والوقوف للامام حتى ترفع
الجنازة، وايقاع الصلاة في المواضع المعتادة لذلك، وترك تعدد
الصلاة إلا لأهل الفضائل والمناقب إن لم ينافِ التعجيل ، وإذا كانت
الصلاة فرادى يغتفر التعدد وتقديم الافضل إلى الامام.
ولا يستحب لرائي الجنازة القيام، ويجوز التيمم مع وجود الماء
وإن لم يخف الفوات.
ويستحب اتخاذ النعش في جنائز النساء ولا يُحمل ميتان على سرير
واحد إلا لضرورة، ولا يضع رداءه في غير جنازته ، ويستحب الإحتفاء
سيما في جنائز المعظمين.
{الخامس} في الدفن :
ويجب لموتى المسلمين وجوباً عينياً على الولي وكفائياً مع
فقده، وتجب معاونة الولي لو عجز عن ذلك بنفسه ، وأن يكون في حفيرة
قبراً أو لحداً بحيث تكتم الرائحة وتحرس البدن عن صغار السباع
وكبارها، ولا يجوز في الأبنية ولا بأس بالسراديب لإشتهارها من
زمنهم عليه السلام إلى زماننا هذا، ولو تعذّر الحفر لصلابة الأرض
استعمل له من البناء ما يستره.
ويجب أن يكون في أرض مباحة ولو بإعدادها للدفن فإن توقف على
اشتراء الأرض وجب أخذها من أصل المال، ولو أمر بدفنه في أرضه
المملوكة له وجب وأُجري من الثلث إن وجد محل معد للدفن مجاناً.
ولو تعددت الأمكنة لذلك روعي الأقرب فالأقرب إلا إذا كان في
الأبعد مزية كجوار الصالحين أو القرابة والرحم أو كثرة الزائرين.
ويجب ان يكون مستقبلاً بمقاديم بدنه القبلة مضطجعاً على يمينه
ويسقط هذا عند تعذره وعند اشتباه القبلة، ولا يكفي التوجه إلى
القبلة المنسوخة، ويجب مع الاختيار أن يكون لكل ميت قبر بالاستقلال
، وعند الضرورة لا بأس بدفن الميت والميتين والثلاثة في قبر واحد.
ويستحب تعميق القبر قامة أو إلى الترقوة، ويستحب اللحد وهو أن
يحفر القبر مما يلي القبلة إلا مع رخاوة الأرض أو كون الميت بادناً
وحينئذٍ فالشق أفضل.
وينبغي وضعه أولاً على الأرض ثم نقله ثلاثاً ، ولا فرق بين
الرجل والمرأة، وانزاله في الثالثة سابقاً برأسه إن كان رجلاً،
والمرأة تؤخذ عرضاً من جهة القبلة إن أمكن، وحفاء النازل في القبر،
وكشف رأسه، وحل أزراره والدعاء له عند وضعه فيه، وقراءة الحمد
والمعوذتين وآية الكرسي، وأن يكون رحماً في المرأة بعد إذن الولي،
وأما الرجل فيواريه أولى الناس به إلا أن يكون أباه فلا ينزل في
قبره، نعم يأذن لمن يضعه في قبره، وتغشية قبر المرأة بثوب، ويجوز
تعدد النازل واتحاده، وكونه وتراً أفضل وأمر ذلك إلى الولي، وحل
عقد الكفن من عند الرأس والرجلين وشداد الوسط إن كان، وجعل تربة
الحسين عليه السلام بحذاء وجهه، وتلقينه بما سلف في الإحتضار
والدعاء له بالثبات، وتحريك منكبه عند التلقين، وشرج اللبن،
والدخول من قبل الرجلين وكذلك الخروج، وفي قبر المرأة من عند
الرأس، وهيل التراب بظهور الأكف مسترجعاً، ولا يوضع فيه من غير
ترابه، ورفع القبر أربع أصابع مفرجات مربعاً مسطحاً، ويحرم تسنيمه
إلا للتقية وكذلك تخديده بالمعجمة، وصب الماء عليه من قبل رأسه
دوراً مستقبلاً للقبلة ثم صب الباقي في الوسط، ووضع اليد عليه
مؤثرة في التراب أو الطين، والترحّم عليه، ويتأكد في حق الهاشمي
ومن لم يصل عليه، وتلقين الولي أو مأذونه بعد الإنصراف بأرفع صوته
مستقبلاً للقبر مستدبراً للقبلة، ويجوز العكس لإطلاق الأدلة، وهذا
هو التلقين الثالث، وليس عند التكفين تلقين وإن أثبته البعض،
والتعزية بالدعاء للحي بالسلوة والصبر والرضاء بقضاء الله تعالى
وللميت بالرحمة والمغفرة والجنة.
ويجوز النوح على الميت والبكاء والندب بما هو فيه من الصفات
الحسنة والمزايا الفاضلة، وقد ورد جواز النوح على أهل الفضل والشرف
وبذل الأجرة على ذلك والوصية به والوقف عليه، ويحرم اللطم والخدش
وجز الشعر وتشويه الخلقة واظهار السخط والنياحة بالباطل.
وليتميّز المصاب بوضع الرداء، وإما ارسال طرف العمامة أو جعل
مئزر فوقها فلم نقف على مستنده سوى الشهرة بين الطائفة ويكره بغير
ذلك.
ويستحب أن توضع لبنة أو شبهها عند رأس القبر ليعلم بها، ووضع
الحصى عليه سيما الحمر، وترك فرش القبر بالساج إلا لضرورة، وترك
تجصيصه وتجديده بعد اندراسه ولا بأس بتطيينه ابتداءاً وكذا البناء
على قبور أولي الشرف والمزيّة سيما الأئمة عليه السلام فهي كتجديد
المساجد وعمارتها، وترك هيل ذي الرحم على رحمه فإنه يورث القسوة،
وترك النقل من محل موته، لا سيما عند شد الرحال، إلا إلى أحد
المشاهد المشرّفة بالنبي والآل عليه السلام، وإلى حرم مكة
والمدينة.
ويكره الجلوس على القبر والاستناد إليه والمشي فوقه إلا
للتنزيل والزيارة، ودفن ميتين في قبر ابتداءاً وقد مرّ الكلام عليه
واستظهرنا التحريم إلا لضرورة.
ولا يجوز النبش لدفن آخر ولا التغوط بين القبور وعليها، وبناء مسجد
على القبر، والصلاة عليه، ولا بناء مسجد في المقابر، ويكره المقام
عندها والتظليل إلا المشاهد الشريفة.
ويُحرم نبش القبر إلا في مواضع قد استثنوها وأكثرها لا مستند
له سوى الإعتبار، والمروي منها من لم يجهز بالتغسيل والتكفين ولا
الصلاة عليه، ومن لا احترام لقبره كاللوطي ونحوه، أو للنقل إلى أحد
المشاهد المشرّفة للخبر المرسل، ولا يحل في غيرها لعموم المنع منه.
ويحرم شق الثوب على غير الأب والأخ للرجال، ويحل للنساء على
سائر أرحامها وقرابتها.
ويحرم دفن غير المسلمين في مقابرهم إلا الذمية الحاملة من مسلم
حملاً يلحق به فليستدبر بها القبلة احتياطاً.
ولو تعذر الأرض كالميت في البحر ثُقل أو جعل في خابية ويوكأ
رأسها ويُرسل.
ولو ماتت الحامل دون الحمل شق جوفها من الجانب الأيسر واخرج
وخيط الموضع، ولو مات هو دونها قطع من النساء القوابل واخرج أو من
الزوج أو من المحارم حيث لا مماثل ولا زوج، ولا دية مع تعذّر
خروجه إلا بذلك.
والمصلوب يجب إنزاله بعد ثلاثة أيام ويُغسّل ويُكفّن ويُصلّى
عليه ويُدفن فإن تعذر انزاله صُلي عليه وهو مصلوب وروعي استقبال
القبلة ولو مابين المشرق والمغرب ، وعدم مزايلة(1) مناكبه بحيث
يقوم على منكبه الأيمن إن أمكن وإلا فعلى منكبه الأيسر، وكذا من
خيف عليه النبش والحرق يوضع في خابية ويوكأ رأسها ويُرسل في البحر.
ويستحب الدفن في البقاع المباركة المتقاربة ولو بالنقل إليها
إذا لم يخش الفساد على الميت، وأفضلها الحرمان أو أحد مشاهد
المعصومين ومسجد بيت المقدس ومقابر الشهداء والصالحين، واجتناب
الدفن في المساجد في هذه الأعصار أحوط والتحريم غير معلوم لظواهر
اخبار شاهدة به.
ويستحب جمع الأقارب في مقبرة، ويجوز أن يختص بقبر وحده ولو في
منزله ، ومع عدم هذا الإختصاص للمزايا المذكورة فالمسبلة أولى من
الدفن في الملك، ودفن النبي صلى الله عليه وآله في بيته من خواصه،
ثم السابق إلى المسبلة أولى ممن لم يسبق فإن تساووا وتعذر الجمع
فالقرعة، ولو دفن في أرض مشتركة بين الورثة لم يكن لهم قلعه حتى لو
كان بعضهم غائباً ويعوض من لم يرضَ بقيمة الأرض أو بأجرة مستمرّة
إلى بلائه ، ويقدّم مختار المسبلة على مختار الملك من الورثة.
ويستحب عمل طعام لأهل الميت ثلاثة أيام، ويُكره الأكل عندهم
إلا إذا كان عن وصية فلا كراهة.
وتتأكد زيارة القبور سيما يوم الاثنين والخميس والسبت والجمعة
قبل طلوع الشمس، فيضع الزائر يده عليه ويدعو ويترحّم ويقرأ شيئاً
من القرآن، وأفضله القدر سبعاً أو باضافة المعوذتين لها وآية
الكرسي بعد الحمد والتوحيد احدى عشر مرة، وعند دخوله يسلّم على أهل
القبور بالتسليم المشهور وهو: ( السلام عليكم من ديار المؤمنين
أنتم لنا فرط ونحن إن شاء الله بكم لا حقون) أو ( السلام عليكم يا
أهل الجنّة) .
وتستحب الصدقة عند القبر عن الميت، وسيما عشيّة الخميس،
والأعمال الصالحة من العتق والصلاة والصيام والدعاء والحج وكل فعل
حسن، وأن الميت ليكون في ضيق فيوسّع عليه بها.
وبقيت هنا آداب كثيرة إلا أنها نادرة الفتوى والدليل.
البحث السادس :
في غسل مس الميت
وبتحقق مس الميت الآدمي بعد البرد بالموت وقبل التطهير بالغسل،
أو بمس قطعة فيها عظم قد أبينت من حي أو ميت ، ولا يكفي العظم
وحده، لكن العظام كلها بحكم الميت في جميع الأحكام، ولو خلت القطعة
من العظم فلا غسل وإن وجب الغسل بمسّها مع الرطوبة وتعديتها مع
اليبوسة أحوط، ويجب غسل العضو اللامس كسائر الأخباث ، كما يجب غسل
البدن كسائر الأحداث الكبرى، ويستحب معه الوضوء.
ومس ما تمّ غسله من البدن موجب للغسل حتى يقع على جميع البدن.
ولا غسل بمس غير الآدمي، نعم ينجس العضو اللامس مع الرطوبة لا
مع عدمها، ولا فرق بين المسلم والكافر ولا بين الميمم وغيره.
وأما مغسول الكافر والشهيد ومن قدّم غسله قبل قتله قصاصاً أو
حداً فلا غسل بمسّه، ولو مات بسبب غير القتل أو قتل بغير ما اغتسل
له وجب الغسل بمسّه، وفي انتقاض هذا الغسل بالحدثين أو أكبرهما
كلام أقربه عدم النقض.
|