|
المقدمة
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد
لله الذي جعل أسرار الصّلاة في معاني ألفاظها وكلماتها، وجعل
ملاحظة تلك المعاني من المصلين من مكملاتها ومتمماتها، والصّلاة
والسّلام على محمد وآله مبينين تلك المعاني والأسرار من جميع
جهاتها.
وبعد: فيقول فقير الله الكريم حسين بن محمد بن أحمد بن إبراهيم أنه
قد التمس مني من تجب اجابته من الأخوان المؤهل للتعظيم والتكريم
الأخ الصفي الشيخ محمد علي بن الشيخ علي بن جعفر القاذروبي أن أؤلف
له رسالة مشتملة على معاني ألفاظ الصّلاة المفروضة قراءة وأذكاراً
ودعوات حسبما ورد عن الأئمة الهداة ، ليكمل بها تلك الصلوات، لما
ورد في ذلك من الحث في الروايات عن الأئمة الثقات، وسمّيتها بـ
(ذريعة الهداة في بيان معاني ألفاظ الصلاة) وسألت الله أن يُنتفع
بها في الحياة والممات ،وتكون سلّماً منصوباً يتوصل بها إلى أعظم
مرقاة ،وبالله أستعين إنه خير موفق ومعين.
نص
ألفاظ الأذان والإقامة
يستحب مؤكداً أن يتوجه المصلي بالأذان قبل الإقامة للصّلاة ،وهو
ثمانية عشر فصلاً بهذا النحو:
1 ـ (اللّه أكبر) أربع مرات.
2 ـ ( أشهد أن لا إله إلا اللّه)مرتان.
3 ـ ( أشهد أن محمّداً رسول اللّه) مرتان.
4 ـ (أشهد أنّ عليّا ولي الله) مرتان .
5 ـ (حيّ على الصلاة) مرتان.
6 ـ (حي على الفلاح) مرتان.
7 ـ (حي على خير العمل) مرتان.
8 ـ (اللّه أكبر) مرتان.
9 ـ ( لا إله إلا اللّه) مرتان.
وفصل الشهادة بالولاية مستحب ،وليس من أركانه.
ويجب أن يتوجّه بعد ذلك المصلي بالإقامة وهي سبعة عشر فصلاً
،وكيفيته ككيفيّة الأذان وترتيب الفصول ،إلا أنّه ينقص من التكبير
في أوله مرتين،ويزيد بعد (حي على خير العمل) بقوله (قد قامت
الصلاة) مرتين، و يتخيّر في التهليل في آخرها بين التثنية
والإفراد.
معاني ألفاظ الأذان
والإقامة
وقد افتتحتها بمعاني الأذان والإقامة لما بينهما من كمال الإرتباط،
ولنبدأ بالأذان ،وبه تنكشف معاني الإقامة لتشاركهما في أكثر
الفصول، ولنشرح تلك الألفاظ على الترتيب من فاتحتها إلى خاتمتها.
ففي كتاب معاني الأخبار والتوحيد مسنداً عن موسى بن جعفر عليه
السلام عن آبائه عليهم السلام عن الحسين بن علي عليه السلام
قال: كنّا جلوساً في المسجد إذ صعد المؤذّن المنارة فقال:" الله
أكبرُ الله أكبر"، فبكى' أمير المؤمنين عليه السلام وبكينا
لبكائه، فلمّا فرغ المؤذّن قال: أتدرون ما يقول المؤذن؟ قلنا: الله
ورسوله ووصيّه أعلم، فقال: لو تعلمون ما يقول لضحكتم قليلاً
ولبكيتم كثيراً ،فلقوله:" الله أكبر" معانِ كثيرة منها:
إنّ قول المؤذن :"الله أكبر" يقع على قدمه وأزليته وعلمه وكرمه
وجوده وعطاياه وكبريائه، فإذا قال المؤذّن :"الله أكبر" فإنّه
يقول: الله الذي له الخلق والأمر ،وبمشيئته كان ،ومنه كان كل شيء
للخلق، وإليه يرجع الخلق، وهو الأول قبل كل شيء لم يزل، والآخر بعد
كل شيء لا يزال، والظاهر فوق كل شيء لا يُدرك، والباطن دون كل شيء
لا يُحَد، وهو الباقي وكل شيء دونه فانٍ.
والمعنى الثاني:" الله أكبر" أي العليم الخبير ،علم ما كان وما
يكون قبل أن يكون.
والمعنى الثالث:" الله أكبر" أي القادر على كل شيء، يقدر على ما
يشاء ،القويّ لقدرته ،المقتدر على خلقه ،القوي قدرته قائمة على
الأشياء كلها، إذا قضى أمراً فإنّما يقول له: كن فيكون.
والرابع:" الله أكبر" على معنى حلمه وكرمه ،يحلم كأنه لا يعلم
،ويصفح كأنه لا يرى ،ويشكر كأنه لا يعصى، ولا يعجّل بالعقوبة كرماً
وصفحاً وحلماً.
والوجه الأخر في معنى" الله أكبر" أي الجواد جزيل العطاء، كريم
الفعال.
والوجه الآخر" الله أكبر" فيه نفي كيفيّته ،كأنه يقول: الله أجلّ
من أن يدرك الواصفون قدر صفته الذي هو موصوف به ،وإنما يصفه
الواصفون على قدرهم لا على قدر عظمته وجلاله ،تعالى الله عن أن
يدرك الواصفون قدر صفته علوّاً كبيراً.
والوجه الآخر" الله أكبر" كأنه يقول: أعلى وأجلّ، وهو الغني عن
عباده لا حاجة له إلى أعمال خلقه.
وأمّا قوله "أشهد أن لا إله إلا الله" فإعلام بأن الشهادة لا تجوز
إلا بمعرفة من القلب ،كأنه يقول: اعلم أنه لا معبود إلا الله عزّ
وجلّ، وأنّ كلّ معبود سوى الله باطل، وأقرّ بلساني بما في قلبي من
العلم بأن لا إله إلا الله، وأشهد أن لا ملجأ من الله إلا إليه،
ولا منجأ من شرّ كل ذي شر وفتنة إلا بالله.
والمرة الثانية: "أشهد أن لا إله إلا الله" معناه أشهد أن لا هادي
إلا الله، ولا دليل إلا الله، وأشهد الله بأنّي أشهد أن لا إله إلا
الله، وأشهد سكّان السماوات والأرضين وما فيهنّ من الملائكة
والنّاس أجمعين وما فيهنّ من الجبال والأشجار والدواب والوحوش وكلّ
رطب ويابس بأني أشهد أن لا خالق إلا الله ،ولا رازق ولا معبود ولا
ضار ولا نافع ولا قابض ولا باسط ولا معطي ولا مانع ولا دافع ولا
ناصح ولا كافي ولا شافي ولا مقدم ولا مؤخر إلا الله، له الخلق
والأمر،و بيده الخير كله، تبارك الله ربّ العالمين.
وأمّا قوله "أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "
يقول: أشهد الله أني أشهد أن لا إله إلا هو ،وأن محمداً عبده
ورسوله ونبيّه وصفيّه ونجيبه، أرسله إلى كافّة الناس أجمعين
بالهدى' ودين الحق ليظهره على الدين كله ،ولو كره المشركون، وأشهد
من في السماوات والأرضين من النبيين والمرسلين والملائكة والنّاس
أجمعين أني أشهد أن محمداً رسول الله وسيّد الأولين والآخرين.
وفي المرة الثانية "أشهد أنّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم " يقول: أشهد أن لا حاجة إلى أحد إلا الله الواحد القهّار،
الغني عن عباده والخلائق أجمعين، وأنه أرسل محمداً صلى الله عليه
وآله وسلم إلى الناس بشيراً ونذيراً ،فمن أنكره وجحده ولم يؤمن به
أدخله الله نار جهنّم خالداً مخلداً لا ينفكّ عنها أبداً.
وأمّا قوله: "حيّ على الصّلاة" أي هلمّوا إلى خير أعمالكم ودعوة
ربّكم، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ،وإطفاء ناركم التي أوقدتموها
على ظهوركم، وفكاك رقابكم التي رهنتموها بذنوبكم ،ليكفّر الله عنكم
سيئاتكم ،ويغفر لكم ذنوبكم ،ويبدل سيّئاتكم حسنات، فإنه ملك كريم
ذو الفضل العظيم، وقد أذن لنا معاشر المسلمين بالدخول في خدمته ،
والتقديم إلى ما بين يديه.
وفي المرة الثانية: "حيّ على الصّلاة" أي قوموا إلى مناجاة ربّكم،
وعرض حاجاتكم على ربّكم، وتوسلوا إليه بكلامه ،وتشفّعوا ،وأكثروا
الذكر والقنوت والركوع والسجود والخضوع والخشوع ،وارفعوا إليه
حوائجكم، فقد أذن لنا في ذلك.
وأمّا قوله: "حيّ على الفلاح" فإنه يقول: أقبلوا إلى بقاء لا فناء
معه، ونجاة لا هلاك معها ،وتعالوا إلى حياة لا ممات معها ،وإلى
نعيم لا نفاد له ،وإلى ملك لا زوال عنه ،وإلى سرور لا حزن معه
،وإلى أنس لا وحشة، وإلى نور لا ظلمة معه، وإلى سعة لا ضيق، وإلى
بهجة لا انقطاع لها، وإلي غنى لا فاقة معه، وإلى صحة لا سقم معها،
وإلى عزّ لا ذل معه، وإلى قوة لا ضعف معها، وإلى كرامة يا لها من
كرامة، وعجلوا إلى سرور الدنيا والعقبى ونجاة في الآخرة والأولى.
وفي المرة الثانية :"حيّ على الفلاح" فإنه يقول: سابقوا إلي ما
دعوتكم إليه ، وإلى جزيل الكرامة ،وعظيم المنّة ،وسني النعمة
،والفوز العظيم ،ونعيم الأبد في جوار محمد صلى الله عليه وآله
وسلم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
وأمّا قوله "الله أكبر*
الله أكبر" فإنه يقول: الله أعلا وأجلّ من أن يعلم أحد من خلقه ما
عنده من الكرامة لعبد أجابه وأطاعه، وأطاع من أمره وعرّفه ،وعبد
اشتغل به وبذكره وحبه والأنس به ،واطمئن إليه ،ووثق به وخافه،
ورجاه واشتاق إليه ،ووافقه في حكمه وقضائه ،ورضي به.
وفي المرة الثانية "الله أكبر*
الله أكبر" فإنه يقول: الله أعلى وأجلّ من أن يعلم أحد مبلغ كرامته
لأوليائه ،وعقوبته لأعدائه ،ومبلغ عفوه وغفرانه ونعمته لمن أجابه
وأجاب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومبلغ عذابه ونكاله وهو
أنه لمن أنكره وجحده.
وأمّا قوله "لا إله إلا الله" معناه: الله الحجة البالغة عليهم
بالرسول والرسالة والبيان والدعوة ،وهو أجلّ من أن يكون لأحد عليه
حجّة ،فمن أجابه فله النور والكرامة ،ومن أنكره فإن الله غني عن
العالمين، وهو أسرع الحاسبين.
ومعنى "قد قامت الصّلاة" في الإقامة أي حان وقت الزيارة والمناجاة
،وقضاء الحوائج ،ودرك المنى، والوصول إلى الله عز وجل إلى كرامته
وغفرانه وعفوه ورضوانه.
قال الصّدوق: إنما ترك الراوي ذكر "حيّ على خير العمل" للتقيّة.
وقد ورد في خبر آخر أنّ الصّادق عليه السلام سأله عن معنى "حيّ
على خير العمل" فقال: خير العمل الولاية، وفي خبر آخر: خير العمل
فاطمة عليهما السلام وولدها.
وهو الخبر الذي رواه الصّدوق في العلل ومعاني الأخبار أيضاً عن
محمد بن مروان عن الباقر عليه السلام قال: أتدري ما تفسير "حيّ
على خير العمل" قال: قلت: "لا"، قال: دعاك إلى البر ، أتدري برّ
من؟ قلت: "لا"، قال: دعاك إلى بر فاطمة عليه السلام وولدها
عليهم السلام .
وفي جامع الأخبار عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سأل النبي
صلى الله عليه وآله وسلم عن تفسير الأذان فقال: يا علي الأذان
حجة على أمتي ،وتفسيره إذا قال "الله أكبر*
الله أكبر" ،فإنه يقول: اللهم أنت الشاهد على ما أقول، يا أمة محمد
قد حضرت الصّلاة فتهيؤا ،ودعوا عنكم شغل الدنيا.
فإذا قال "أشهد أن لا إله إلا الله" فإنه يقول: يا أمة محمد أشهد
الله وأشهد ملائكته أني أخبركم بوقت الصّلاة فتفرّغوا لها، فإنه
خير لكم، فإذا قال "أشهد أنّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم " فإنه يقول: يعلم الله وتعلم ملائكته أني قد أخبرتكم بوقت
الصلاة،فتفرّغوا لها، فإنه خير لكم.
فإذا قال: "حيّ على الصّلاة" فإنه يقول: يا أمة أحمد دين قد أظهره
الله لكم ورسوله فلا تضيّعوه، ولكن تعاهدوه يغفر الله لكم، تفرّغوا
لصلواتكم فإنها عماد دينكم.
وإذا قال: "حيّ على الفلاح" فإنّ يقول :يا أمة أحمد قد فتح الله
عليكم أبواب الرحمة فقوموا وخذوا نصيبكم من الرحمة تربحوا الدنيا
والآخرة.
وإذا قال: "حيّ على خير العمل" فإنه يقول: ترحموا على أنفسكم فإنه
يقول: لا أعلم لكم عملاً أفضل من هذه ،فتفرّغوا لصلواتكم قبل
الندامة.
وإذا قال :"لا إله إلا الله" فإنه يقول: يا أمة أحمد اعلموا أني
قد جعلت أمانة سبع سماوات وسبع أراضين في أعناقكم، فإن شئتم
فاقبلوا ،وإن شئتم فأدبروا، فمن أجابني فقد ربح، فمن لم يجبني فلم
يضرّني.
ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم : يا علي الأذان نور فمن أجاب
نجى، ومن تحجّز خسف ،وكنت له خصماً بين يدي الله ،ومن كنت له خصماً
فما أسوأ حاله.
وفي العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم قال: قال أمير المؤمنين
عليه السلام :كنت أنا الأذان بالنّاس في الحجّ، وقوله "وأذّن في
النّاس بالحج" أي أعلمهم.
ومعنى "الله" أن يخرج الشيء من العدم إلى حد الوجود ،ويخترع
الأشياء من غير شيء ،فهذا معنى "الله" ،فذلك فرق بينه وبين المحدث
،ومعنى "أكبر" أي أكبر من أن يوصف في الأزل ،وأكبر من كل شيء لمّا
خلق الشيء، ومعنى قوله "أشهد أن لا إله إلا الله" إقرار بالتوحيد
،ونفي الأنداد ،وخلعها وكل ما يعبد من دون الله، ومعنى قوله "أشهد
أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إقرار بالرسالة
والنبوة ،وتعظيم لرسول الله ،وذلك قول الله تعالى "ورفعنا لك ذكرك"
أي تذكر معي إذا ذكرت.
ومعنى قوله "حيّ على الصّلاة" أي حث على الصّلاة، ومعنى "حيّ على
الفلاح" أي حث على الزكاة، وقوله "حيّ على خير العمل" أي حث على
الولاية، والعلّة أنها خير العمل أن الأعمال كلها بها، "الله أكبر*الله
أكبر
*لا
إله إلا الله
*محمد
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " فألقى معاوية "محمد رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم " من الأذان ، فقال: أما يرضي محمد
أن يذكر في أوله حتى يذكر في آخره.
معنى ألفاظ
الإقامة
ومعنى الإقامة هي الإجابة والوجوب، ومعنى كلماتها هي التي ذكرناها
في الأذان ،ومعنى "قد قامت الصلاة" قد وجبت وحانت وأقيمت.
ووجد بخط الشهيد الأول عن أبي الوليد عن الصادق عليه السلام في
قوله "قد قامت الصّلاة" إنما يعني به قيام القائم عليه السلام .
وهذه الأحاديث التي ذكرناها في معاني الأذان والإقامة ليست هي
معاني الألفاظ التي وضعت بحسب اللغة بل باعتبار المعاني المقصودة
بالتأويل المومئة إلى علل وضع هذه الفصول، ولهذا فسّرت بغاياتها.
وبين الألفاظ والمعاني اللغوية غاية البون والبعد ،ولكن الحقائق
الشرعية والمجازات الواقعة منهم في الألفاظ يجب اتباعها ،لأنهم
عليهم السلام أعرف بأوضاعها والمراد منها.
وإنما يصار إلى المعاني اللغوية حيث لا تعرف المرادات الشرعية
،وألفاظ الأذان والإقامة هي محل لهذه الأسرار، لأن بها ظهر ثمرة
تلك المقاصد المعتني بها الشارع ،وإلا فالمعاني اللغوية مطروحة
يعرفها البدوي والقروي ،فليس في تحصيلها مزيد كلفة، إلا أن أهل
الظاهر قد اكتفوا بها كما هو مشاهد ظاهر في أخبارهم عليهم السلام
، ومن هنا حكموا على تدبر المعاني من الكلمات من المستحبات دون
الواجبات .
معنى ذكر
التكبير
وحيث أن مفتاح الصلاة التكبير وتحليلها التسليم،وما بينهما مجموع
أجزائها، فلنبتدأ بالتكبير، وبيان معناه، لأن معناه ـ وإن تقدم
في الأذان والإقامة ـ إلا أنّ له معنى خاصاً في الافتتاح فوجد بخط
الشهيد قال: روى جابر بن عبدالله الأنصاري قال: كنت مع مولانا أمير
المؤمنين عليه السلام فرأى رجلاً قائماً يصلي، فقال له: يا هذا
أتعرف تأويل الصّلاة؟، فقال: وهل للصّلاة تأويل غير العبادة؟"
فقال: أي والذي بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة، ما
بعث الله نبيه بأمر من الأمور إلا وله تشابه وتأويل وتنزيل ،وكل
ذلك يدلّ على التعبد.
فقال: علمني ما هو يا مولاي، فقال: تأويل تكبيرتك الأولى إلى
إحرامك أن تخطر في نفسك إذا قلت: "الله أكبر" من أن يوصف بقيام أو
قعود، وفي الثانية :أن يوصف بحركة أو جمود، وفي الثالثة: أن يوصف
بجسم أو يشبّه بشبيه، أو يقاس بقياس، وتخطر في الرابعة: أن لا تحله
الأعراض أو تألمه الأمراض، وتخطر في الخامسة: أن يوصف بجوهر أو
بعرض أو يحلّ شيئاً أو يحلّه شيء، وتخطر في السادسة: أن يجوز عليه
مثل ما يجوز على المحدثين من الزوال والانتقال والتغيير من حال إلى
حال، وتخطر في السابعة :أن تحلّه الحواس الخمس.
وفي العلل عن أحمد بن عبدالله قال: قال رجل لأمير المؤمنين عليه
السلام : يا بن خير خلق الله ما معنى رفع يديك في التكبيرة
الأولى؟ فقال: قوله "الله أكبر" يعني الواحد الأحد الذي ليس كمثله
شيء، لا يقاس بشيء، فلا يلتبس بالأجناس ولا يلمس بالأخماس، ولا
يدرك بالحواس.
أدعية
التكبيرات السـبع
"أدعية التوحــيد"
يستحب بعد الإقامة وقبل تكبيرة الإحرام التوجّه بسبع تكبيرات
بينها ثلاثة أدعية،ولك أن تجعل تكبيرة الإحرام هي الأولى أو
الأخيرة منها،فتقول بعد التكبيرة الثالثة :
"اللّهم أنت الملك الحق المبين لا إله إلا أنت سبحانك إنّي ظلمت
نفسي فاغفر لي ذنبي إنّه لا يغفر الذنوب إلا أنت"
وتقول بعد التكبيرة الخامسة :
"لبيك وسعديك والخير في يديك والشره ليس إليك والمهدي من هديت لا
ملجأ منك إلا إليك سبحانك وحنانيك تباركت وتعاليت سبحانك ربّ
البيت".
وتقول بعد السابعة :
"وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة حنيفاً
مسلماً وما أنا من المشركين*
إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين*
لا شريك له*
وبذلك أمرت وأنا من المسلمين".
وفي رواية أخرى تقول :
"وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملّة إبراهيم ودين محمّد
صلى الله عليه وآله وسلم ومنهاج عليّ عليه السلام حنيفاً
مسلماً وما أنا من المشركين*
إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين*
لا شريك له
*وبذلك
أمرت وأنا من المسلمين"].
معنى أدعية التكبيرات السـبع
"ادعـية التوحــيد"
ومعنى أدعية التوحيد فـ"الملك "هو التام الملك الجامع لأصناف
المملوكات ،أو المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين، أو الذي يستغني
عن كل موجود في ذاته وصفاته ،أو هو القادر العظيم الشأن الذي له
التسلّط على كل من سواه بالإيجاد والإفناء.
ومعني "الحق" الثابت الذي لا يعتريه الزوال والإنتقال ،أو الحق هو
الموجود حقيقته المتحقق وجوده، والهيئة والحق ضد الباطل أيضاً ،لأن
ما سواه باطل.
" المبين" وهو المظهر حكمته بما أبان من تدبيره، وأوضح من تبيانه،
أو الذي أظهر الأشياء وأخرجها من العدم.
ومعنى" لبيك وسعديك" أي إجابة لك بعد إجابة، وإقامة على طاعتك بعد
إقامة ،وإسعاد بعد إسعاد، يعني مساعدة علي امتثال أمرك بعد
مساعدة، أو أن المعنى: أي إجابتي لك يا رب دون غيرك ،وهو مأخوذ من
"لبّ بالمكان " أو "ألبّ" إذا أقام به ،و"البّ على كذا "إذا لم
يفارقه.
ولم يستعمل إلا بلفظ التثنية للدلالة على التكبير، أي إجابة بعد
إجابة ،وهو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر، كأنك قلت :"ألبّ
ألباباً بعد ألباب ".
وقيل: معناه اتجاهي وقصدي يا ربّ إليك، من قولهم:" داري تلبّ دارك"
أي تواجهها، أو معناه إخلاصي لك من قولهم "حببت لباباً " إذا كان
مخلصاً محضاً ،أومن لبّ الطعام ولبابه.
وزاد في القاموس معنًا آخر فقال: معناه محبتي لك من "امرأة ملبّة"
محبّة لزوجها.
و معنى" سعديك" أي ساعدة طاعتك مساعدة واسعاداً بعد إسعاد،
والتثنية فيه كالتثنية في "لبيك" والإعراب واحد.
ومعني "الخير في يديك" أي بقدرتك، أو بنعمتك وإحسانك ،أو ببسطك
وقبضك فإنهما محض الخير إذا كانا منك ،أو النعماء الظاهرة والباطنة.
ويحتمل أن يكون المراد القدرة على الضرر والنفع والبلية والنعمة
إذعاناً بأن كل ما يصل إلى الله من العبد من الصحة والمرض والفناء
والفقر والحياة والموت وأشباهها فهو محض الخير والمصلحة.
ثم أنه أكده بقوله "والشر ليس إليك" أي لا ينسب إليك، بل هو منسوب
إلينا لسوء أعمالنا، وضعف قابليتنا،وما ينسب إليك من ذلك فهو محض
الخير والنفع والجود.
ومعني "المهديّ من هديت" يعني المهدي بالهداية الخاصة من هديته
،كما قال تعالى في الحديث القدسي: "كلكم ضال إلا من هديت".
ومعنى "عبدك وابن عبديك" أي" أنا عبدك" فيكون خبر مبتدأ محذوف،
و"ابن عبديك" خبر بعد خبر ،وإنما قال:" وابن عبديك" افتقارا ً
لفائدة الإضطرار ،والإفتقار إليه سبحانه والإستعطاف .
وربما قيل: إنما قال ذلك لأن المشاهد في أولاد العبيد أنهم أعزّ
عندهم من العبد الجديد لمكان التربية.
ومعنى "بين يديك" أي تحت قدرتك ،راض بما تفعله بي ،أو واقف بين
يديك، متوجه للعبادة منك، أي وجوده وحياته منك وبك أي بقائه وجميع
أموره بفضلك وقدرتك والخيرات الصادرة منه من الأفعال والمتروكات
بحولك وقوتك وعونك وهدايتك.
ومعنى" لك" أي مملوك لك ،وأعمالي خالصة لك ،وإليك ،أي مرجعة في
الدنيا والآخرة.
ومعنى "لا ملجأ ولا منجأ ولا مفرّ " أن هذه الثلاثة إما مصادر، أي
ليس التجاؤه ونجاته وفراره منك ومن عقابك وعذابك إلا إليك، أي لا
يقدر أحد غيرك على أن يخلصه مما تريده به.
أو أسماء مكان أي ليس محل الإلتجاء والنجاة والفرار منك إلا إليك.
" سبحانك وحنانيك" معناهما تنزيهاً لك عمّا لا يليق بك من الصفات
والألفاظ ،ومعناها في الحديث :أنعمة الرب، وستجيء الروايات بذلك في
تسبيح الركوع والسجود.
ومعنى "حنانيك "رحمة بعد رحمة، لأنّ الحنان بالتخفيف الرحمة ،ويصير
المعنى فيهما: أي أنزهك عمّا لا يليق بك تنزيهاً .والحال إنّي
أسألك رحمةً، أي "أنا أبدأً محتاجاً إلي رحمتك "،فإن الإمكان علة
للإحتياج ولا ينفك عنّي أبداً .
"تباركت" أي "كثر خيرك "من البركة ،وهي كثرة الخير، أو تزايده عن
كل شيء.
"وتعاليت" عنه في صفاتك وأفعالك، فإنّ البركة تتضمن معني الزيادة
،أو من بروك الطير على الماء ،وفي مجمع البيان :أن تباركت من
البركة بمعنى عظمة بركاته وكثرت.
ومعني "سبحانك ربّ البيت" أي أنزهك عن أن تكون في جهة من الجهات،
أو يكون البيت الذي توجهتُ إليه مسكنكَ ،وتحتاج إليه، بل أنت ربّ
البيت، أي أنزهك عن أن تكون في جهة من الجهات أو يكون البيت الذي
توجّهت إليه مسكنك وتحتاج إليه بل أنت ربه خلقته وكراً، وتعبدت
الخلائق بالتوجّه إليه.
ومعنى "وجّهت وجهي" أي وجهت قلبي "للذي فطر السّماوات والأرض" أي
الذي اخترعها بالإيجاد بعد العدم .
والصلة إمّا بيان أنه لا يستحق العبادة إلا من كان خالقاً لجميع
الموجودات، فكأنه قال: إنما صرفتُ وجهي ،وتوجهت بشرّ أشرّي إلى
الله ،وأخلصت العبادة له، وأعرضت عمّن سواه،لأنّه خالق السماوات
والأرض ،ومن كان خالقاً لهما فهو خالق لما سواهما ،أو المراد
بخالقهما وخالق ما فيهما ،أو هي للإشعار بأن توجهي إلى تلك الجهات
لكونه تعالى فيها لأنه خالق الأرض والسماوات و جميع الجهات، وخالق
المكان لا يجوز أن يكون فيه محتاجاً إليه.
وفي بعض الروايات بعد ذلك" عالم الغيب والشهادة" أي أخلص العبادة
لمن لا يخفى عليه شيء ،ويعلم ما ظهر للحواس ،وما غاب عنها، أي أخلص
العبادة لمن كان يستحقها، لأنّ من كان كذلك فهو مستحقها، لأنه لا
بد من الإخلاص في عبادته لأنه عالم بالبواطن.
وقوله :"على ملة إبراهيم" أي دينه وطريقته، وهو التوحيد الخالص في
الظاهر والباطن، وهو حال عن فاعل "وجهتُ" أي حال كوني على ملة
إبراهيم أو قائم مقام المصدر أي توجهاً كائنًا على ملة إبراهيم
مطابقاً لها.
وقوله "ودين محمد صلى الله عليه وآله وسلم " كأنّ العطف من قبيل
العطف التفسيري ،وإنما نسب إليه صلى الله عليه وآله وسلم لظهوره
منه وبسببه وبسبب الأئمة عليهم السلام من ذريته للخلق و"حنيفاً
مسلماً "حالان من الضمير في "وجهتُ" ،و"الحنيف" المائل عن الباطل
إلى الحق ،أي مائلاً عن الأديان الباطلة والطرائق المبتدعة، وعن
التوجه إلى غير جناب قدسه تعالى، والمسلم المنقاد لأوامره ونواهيه،
ومنه اشتق الإسلام.
قوله" وما أنا من المشركين" أي بالشرك الظاهر والخفي.
معنى
لفــظ الإستــعاذة
ومعنى الإستعاذة المفتتح بها القراءة ما ذكر في تفسير الإمام
العسكري عليه السلام حيث قال عليه السلام : أمّا قولك الذي ندبك
الله إليه ،وأمرك به عند قراءة القرآن " أعوذ بالله السميع العليم
من الشيطان الرجيم "فإن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن قوله"
أعوذ بالله" أمتنع بالله" السميع" لمقال الأخيار والأشرار ولكل
المسموعات من الإعلان والإسرار "العليم" بأفعال الفجار والأبرار
،وبكل شيء مما كان أو يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون "من
الشيطان" هو البعيد من كل خير"الرجيم" المرجوم باللعن والمطرود من
بقاع الخير.
والإستعاذة هي ما قد أمر الله به عباده عند قراءتهم القرآن، فقال:
"فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله".
وفي العلل لمحمد بن إبراهيم قال: قوله أعوذ بالله أي أمتنع بالله
من الشيطان الرجيم أي ترجمة بالنجوم الملائكة والدليل على ذلك قول
الله عزّ وجلّ :"ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيّناها للناظرين
وحفظناها من كل شيطان رجيم" أي يرجم بالنجوم.
معاني
ألفاظ سورة الحمد
وأمّا "بسم الله الرّحمن الرّحيم" فهي مفتتح القراءة ،وهي أعظم آية
من كتاب الله ،وجزء من كلّ سورة سوى سورة براءة.
وتفسيرها قد جاء عن الصادقين عليهم السلام مختلف كالمفسرين، إلا
أن أشهرها تفسيراً ما رواه في التوحيد والمعاني والعلل لمحمد بن
إبراهيم وتفسير العسكري عن الصادق عليه السلام قال: "الباء" بهاء
الله ،و"السين" سناء الله، و"الميم" ملك الله، و"الله" إله كل شيء،
و"الرحمن" بجميع خلقه ، و"الرحيم" بالمؤمنين خاصة.
وفي عدّة من الروايات في الكتب المذكورة في تفسيرها قال عليه
السلام : "الله" الذي يتاله إليه كلّ مخلوق عند الحوائج والشدائد
إذا انقطع الرجاء من كلّ من دونه ، وتقطع الأسباب من جميع من
سواه، "بسم الله" أستعين على أموري كلها بالله الذي لا تحق العبادة
إلا له المغيث إذا استغيث ،والمجيب إذا دعي.
وفي رواية كما في التوحيد والمعاني قال: يعني بهذ الإسم: إقرأ
واعمل بهذا العمل ،وفي آخر: يعني أسِمُ نفسي تسمية من صفات الله
وهي العبادة.
"الرحمن" قال في تفسير العسكري عليه السلام : هو الذي يرحم ببسط
الرزق علينا.
وفي رواية كما التوحيد والمعاني: العاطف على خلقه بالرزق لا يقطع
عوائده وإن انقطعوا عن طاعته.
قال "الرحيم" بنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا ،خفف علينا الدين
،وجعله سهلاً ،وهو يرحمنا بتمييزنا عن أعدائه.
وفي رواية: الرحيم بعباده المؤمنين في تخفيفه عليهم طاعاته،
وبالكافرين من عباده في دعائهم بالرفق إلى موافقته.
"الحمد لله" قال الإمام العسكري عليه السلام في تفسيره: قال
الله لعباده: قولوا: الحمد لله على ما أنعم به علينا.
وفي العلل قال عليه السلام : تفسير "الحمد لله رب العالمين"
الحمد يعني الشكر لله.
وهو أمر، ولفظه خبر ،والأمر مضمر فيه، ومعناه "قل الحمد لله رب
العالمين".
ومعنى "رب العالمين" خالق العالمين ،والعالمين كلّ مخلوق خلقه
الله، "الرحمن" بجميع خلقه، "الرحيم" بالمؤمنين خاصة.
وفي تفسير العسكري عليه السلام : يعني مالك الجماعات من كلّ
مخلوق وخالقهم، وسائق رزقهم إليهم من حيث يعلمون ،ومن حيث لا
يعلمون، يقلب الحيوانات في قدرته ،ويغديها من رزقه ،ويحوطها بكنفه
،ويدبر كلاً منهما بمصلحته، ويمسك الجمادات بقدرته، يمسك ما التصق
منها عن التهافت ،والمتهافت عن المتلاصق ،والسماء أن تقع على الأرض
إلا بإذنه، والأرض أن تخسف إلا بأمره.
"مالك يوم الدين" قال في تفسير العسكري عليه السلام : يعني القادر
على إقامته ،والقاضي فيه بالحق، و"الدين" الحساب.
وفي العيون وتفسير القمي: إن المراد بـ"يوم الدين" هو يوم الجزاء،
ويوم الحساب، والدليل على ذلك قوله تعالى: "وقالوا يا ويلنا هذا
يوم الدين".
"إياك نعبد" قال عليه السلام في تفسير العسكري: قال الله تعالى:
قولوا يا أيها الخلق المنعم عليهم إياك أيها المنعم علينا نطيع
مخلصين موحدين مع التذلل والخشوع بلا رياء ولا سمعة.
وفي رواية: لا يزيد منك غيرك.
وفي العلل في الحديث المتقدم صدره: "إياك نعبد" مخاطبة رسول الله
لله تعالى، "وإياك نستعين" مثل ذلك.
وفي تفسير العسكري في تفسيرها قال عليه السلام : على طاعتك
وعبادتك وعلى دفع شرور أعدائك.
وفي تفسير العياشي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
:أنّ الله منّ عليّ بفاتحة الكتاب من كنز الجنّة ،فيها "بسم الله
الرحمن الرحيم" الآية التي يقول الله فيها: "وإذا ذكرت ربّك في
القرآن وحده ولوّا على أدبارهم"،و"الحمد لله رب العالمين الرحمن
الرحيم" دعاء أهل الجنة حين شكروا الله حسن الثواب، و"مالك يوم
الدين" قال جبرائيل: ما قالها مسلم قط إلا صدّقه الله وأهل
سماواته.
"إياك نعبد" إخلاصاً للعبادة.
"وإياك نستعين" أفضل ما طلب به العباد حوائجهم.
"إهدنا الصراط المستقيم" في تفسير العسكري قال عليه السلام : يعني
أدم لنا توفيقك الذي أطعناك به فيما مضى من أيامنا حتي نطيعك كذلك
في مستقبل أيامنا.
وفي رواية يعني: أرشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك ،والمبلغ
إلى جنّتك ،والمانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب، وأن نأخذ بآرائنا
فنهلك.
وفي رواية أخرى "الصراط المستقيم" في الدنيا ما قصر عن الغلو
وارتفع عن التقصير واستقام في الآخرة ،طريق المؤمنين إلى الجنة.
وفي أخرى: هي الطريق إلى معرفة الله ،وهما صراطان: صراط في الدنيا
وصراط في الآخرة، فأمّا الصراط في الدنيا فهو الإمام المفترض
الطاعة ،من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرّ على الصّراط الذي هو
جسر جهنّم في الآخرة ،ومن لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه على
الصّراط في الآخرة ،فتردى في نار جهنّم .
وورد "الصّراط" أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف، فمنهم من يمرّ عليه
مثل البرق الخاطف، ومنهم من يمرّ عليه مثل عدو الفرس،و منهم من
يمرّ عليه ماشياً، ومنهم من يمرّ عليه حبواً، ومنهم من يمرّ عليه
متعلقاً فيأخذ منه شيئاً ويترك شيئاً.
"صراط الذين أنعمت عليهم" في تفسير العسكري عليه السلام قال: أي
قولوا "صراط الذين أنعمت عليهم" بالتوفيق لدينك وطاعتك لا بالمال
والصحة، فإنهم قد يكونون كفاراً أو فساقاً.
قال عليه السلام : وهم الذين قال الله تعالى "ومن يطع الله
والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين
.." الآية.
وفي رواية الحلبي كما في كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم عن
الصّادق عليه السلام قال: الصراط المستقيم أمير المؤمنين عليه
السلام ، ومثله في العيّاشي عن داود بن فرقد عن أبي عبدالله عليه
السلام .
"غير المغضوب عليهم" قال: هم اليهود الذين قال الله فيهم: "من لعنه
الله وغضب عليه" هكذا في تفسير العسكري عليه السلام .
وفي العلل ،وفي رواية الحلبي المتقدمة "غير المغضوب عليهم" قال
عليه السلام : يعني النصاب "ولا الضالين" يعني: اليهود والنصارى،
وفي رواية العياشي "المغضوب عليهم" النصاب، والضالين أهل الشكوك،
وفي تفسير العياشي أيضاً عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبدالله
عليه السلام عن قول الله تعالى "غير المغضوب عليهم ولا الضالين"
قال عليه السلام : هم اليهود والنصارى.
معاني
ألفاظ سورة التوحيد
وفي كتاب العلل قال: عنهم عليهم السلام تفسير "قل هو الله أحد"
وكان سبب نزولها أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم عن نسبة الله تعالى، فأنزل الله: "هو الله أحد" الواحد
"الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد"، فأمّا معنى
"الأحد" أنه ليس بذي ابعاض جوارح مختلفة مبعضة ،وليس فيها جوانب
ولا أطراف ومعنى "الواحد" أنه نور واحد بلا اختلاف، و"الصمد" الذي
لا مدخل فيه، "لم يلد" أي لم يحدّ مثل حدّ الإنسان، "ولم يولد" أي
لم يتخلل منه شيء، و"لم يكن له كفواً أحد" أي لم يكن له كفواً ولا
نظير.
وفي التوحيد عن الباقر عليه السلام في تفسيرها قال: "قل" أي اظهر
ما أوحينا إليك ونبأناك بتأليف الحروف التي قرأناها لك يهتدي بها
من ألقى السمع وهو شهيد، و"هو" اسم مكنى يشار به إلى غائب، فإنها
تنبيه على معني ثابت ،والواو إشارة إلى الغائب عن الحواس ،كما أنّ
قولك "هذا " اشارة إلى المشاهد عن طريق] الحواس، وذلك أن الكفار
ينبّهون عن الهتهم بحرف إشارة المشاهد المدرك فقالوا: "هذه آلهتنا
المحسوسة المدركة بالأبصار،فأشر أنت يا محمد إلى الهك الذي تدعوا
إليه حتى نراه وندركه ولانأله فيه"، فأنزل الله تبارك وتعالى "قل
هو الله أحد".
فـ"الهاء" تثبيت للثابت ،و"الواو" اشارة للغائب عن مدرك الأبصار
ولمس الحواس ،فإنه تعالى عن ذلك بل هو مدرك الأبصـار ومبـدع
الحـواس .
و"الله" معناه المعبود الذي له الخلق تعالى عن درك ماهيته والإحاطة
بكيفيته.
وتقول العرب:" أله الرجل" إذا تحيّر في الشيء، ولم يحط به علماً
،وأوله إذا فزع إلى شيء مما يحذره ويخافه، و"الإله" هو المسؤول ،و"الاله"
هو المتعال عن حواس الخلق.
وقال عليه السلام :الأحد الفرد المتفرد ،والأحد الواحد بمعنى
الواحد فهو المتفرّد الذي لا نظير له، والتوحيد الإقرار بالوحدة
،وهي الإنفراد المباين للأشياء ،الذي لا ينبعث من شيء،و لا يتخذ من
شيء ،ومن ثمّ قالوا: إن بناء العدد من الواحد، وليس الواحد من
العدد لأن العدد لا يقع على الواحد بل يقع على الاثنين.
قوله "الله أحد" أي المعبود الذي يتأله الخلق عن ادراكه ،ولا
الإحاطة بكيفيته ،فرد بالهيئة متعال عن صفات خلقه.
وقال عليه السلام : وحدثني أبي زين العابدين عن أبيه الحسين بن
علي عليهما السلام أنه قال: "الصمد" الذي قد انتهى سؤدده،"الصمد"
الذي لا يأكل ولا يشرب، و"الصمد" الذي لا ينام، و"الصمد" الدائم
الذي لم يزل ولا يزال.
ثم قال عليه السلام : الصمد السيد المطاع الذي ليس فوقه آمر
وناهي.
وقال عليه السلام : وسئل علي بن الحسين عليه السلام عن الصمد
فقال:" الصمد" الذي لا شريك له ،ولا يؤده حفظ شيء ،ولا يعزب عنه
شيء .
ثم ذكر معانٍ عديدة في الصمد يطول بها الإملاء، ومنها :أنه "لم يلد
ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" لم يخرج منه شيء كثيف كالولد ،ولا
شيء لطيف كالنفس، ولا تتشعب عنه البداوة كالسنة والنوم، والهم
والحزن، والبهجة والضحك، والبكاء والخوف، والرجاء والرغبة، والشآمة
والجوع والخوف والشبع، تعالى من أن يخرج منه شيء.
وساق الحديث إلى قوله: "ولم يكن له كفواً أحد"، قال الراوي سمعت
الصادق عليه السلام يقول: قدم وفد على الباقر عليه السلام
فسألوه عن مسائل فأجابهم ثمّ سألوه عن"الصمد" فقال: تفسير: في
الصمد خمسة أحرف، فـ"الألف" دليل على وحدانيته، و"اللام" دليل على
الهيئة، فإنه هو الله، و"الألف واللام" مدغمان لا يظهران على
اللسان ،ولا يقعان في السمع ،ويظهران في الكتابة، دليلان على أن
الهيئة بلطفه خافية، لا تدرك بالحواس، ولا تقع في لسان واصف، ولا
أذن سامع لأنّ تفسير "الاله" هو الذي له الخلق، تعالى عن درك
ماهيته وكيفيته بحس أو بوهم، بل هو مبدع الأوهام ،وخالق الحواس .
وإنما يظهر ذلك عند الكتابة دليل على أنّ الله تعالى أظهر ربوبيته
في ابداع الخلق ،وتركيب أرواحهم اللطيفة .
وساق الحديث إلى أن قال: وأمّا "الصاد" فدليل على أنه عزّ وجلّ
صادق، وقوله صدق، وكلامه صدق، ودعا عباده إلى اتباع الصدق بالصدق
ووعد بالصدق، وأما "الميم" فدليل على دوام ملكه، والله ملك الحق
وقوله عز وجل "لم يلد ولم يولد" يقول: لم يلد فيكون له ولد يريد
ملكه ،ولم يولد فيكون له ولد يشركه في ربوبيته وملكه، "ولم يكن له
كفواً أحد" فيعاديه في سلطانه.
معنى
ألفاظ سورة الجحد
(قل ياأيّها الكافرون)
وفي العلل قال عليه السلام : تفسير "قل يا أيها الكافرون" وكان
سبب نزولها أن قريشاً قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
تعبد إلهنا سنة ونعبد إلهك سنة، وتعبد إلهنا شهراً ،ونعبد إلهك
شهراً ،فأنزل الله تعالى "قل يا أيها الكافرون
*
لا أعبد ما تعبدون
*
ولا أنتم عابدون ما أعبد
*
ولا أنا عابد ما عبدتم
*
ولا أنتم عابدون ما أعبد
*
لكم دينكم ولي دين".
معنى
ألفاظ سورة القدر
وفيه أيضاً قال تفسير "إنا أنزلناه في ليلة القدر" قال الصادق
عليه السلام : أنزل القرآن في ليلة القدر إلى البيت المعمور جملةً
ثم نزل من البيت المعمور على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
مرةً احد عشرة سنة، "وما أدراك ما ليلة القدر" معنى ليلة القدر:
أن الله يقدّر فيها الآجال والأرزاق ،وما يكون في السنة من موت أو
حياة أو جذب أو خصب أو شدة أو رخاء أو خير أو شر، قوله "ليلة القدر
خير من ألف شهر" قال عليه السلام : إن رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم رأى في نومه كأن قردة تصعد منبره فغمّه ذلك فأنزل الله
عزّ وجلّ "إنا أنزلناه في ليلة القدر
*وما
أدراك ما ليلة القدر*
ليلة القدر خير من ألف شهر" تملكها بنو أمية ليس فيها ليلة القدر.
وقوله "تتنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام" قال
عليه السلام : هي تحية الإمام يتحيّ بها إلى أن يطلع الفجر ـ يعني
هذه الليلة ـ.
وفي المعاني عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال لي رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم : يا علي ما معنى ليلة القدر؟ فقال: لا
أعلم يا رسول الله ، فقال: إن الله قدّر فيها ما هو كائن إلى يوم
القيامة، فكان فيها قدّر ولايتك وولاية الأئمة عليهم السلام من
ولدك إلى يوم القيامة.
وفي تفسير القمّي قال عليه السلام :" تنزّل الملائكة والروح فيها"
هو روح القدس على إمام الزمان فيدفعون إليه ما قد كتبوه.
وعن الصّادق عليه السلام قال: إذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة
والروح والكتبة إلى السماء الدنيا، فيكتبون ما يكون من قضاء الله
في تلك السنة.
وفيه عنه عليه السلام : أن الروح أعظم من جبرئيل ،وأن جبرئيل من
الملائكة، وأن الروح هو خلق أعظم من الملائكة، أليس يقول الله
تبارك وتعالى "تنزّل الملائكة والروح فيها سلام هي حتى مطلع الفجر"
قال عليه السلام : تحية يتحيّ بها الإمام إلى أن يطلع الفجر.
وفي الكافي عن السجّاد عليه السلام يقول: يسلّم عليك يا محمد
ملائكتي وروحي سلامي من أول ما يهبطون إلى مطلع الفجر.
وإنما اقتصرنا على هذه السور في التفسير لأنه المحثوث على قراءتها
في جميع الصلوات كما استفاضت به الروايات عنهم عليهم السلام .
معنى ألفاظ ذكر الركوع والسجود
وأما تفسير ذكر الركوع والسجود وهو "سبحان ربي العظيم وبحمده" و
"سبحان ربي الأعلى وبحمده" فقد ألفنا فيه رسالة مفردة فيما سلف من
الزمان، واستقصينا البحث فيها غاية الإستقصاء، وسنتكلم هنا بما
يناسب المقام ،وقد مرّت الإشارة في معنى التسبيح وأنه التنزيه.
وجاء في خبر المعاني والتوحيد أن "سبحان" انفة الله، وهو معني
التنزيه.
و"سبحان " في الأصل ليس بمصدر كما نصّ عليه سيبويه ،بل هو واقع
موقع المصدر الذي هو التسبيح ،وقيل: هو علم للتسبيح ،والإضافة فيه
للمشهور إلى المفعول ،لأنه تعالى هو المُسَبّح بالفتح.
ونقل ثاني الشهيدين "قدس سره" في روض الجنان عن أبي البقاء أنه
جوّز أن تكون الإضافة إلى الفاعل، والمعروف هو الأول.
والمعنى الأول "نسبح تسبيح ربي تسبيحاً يليق بعظمته" وعلى الثاني
"نسبح مثلّ ما سبّح نفسه" ،وكذا الكلام في الإضافة "وبحمده" ومتعلق
الجار في وبحمده هو العامل المحذوف وجوباً ،أي من جنسه، ولذلك ذكر
في التقدير "وسبحته بحمده" ،وقد جوّزوا أن تكون الواو زائدة أي
"سبحته بحمده".
وعلى التقادير يمكن أن يكون المراد دفع توهم بتبجّح المسبِّح،
حيث أسند تسبيحاً عظيماً لنفسه فتداركه أنه متلبس بالحمد على ما
تيسّر له من هذا الأمر العظيم، وأن هذا التيسير من نعمه، ولولاه لم
يمكنه التسبيح على ما قيل في تفسير قوله تعالى "ونحن نسبح بحمدك "
.
ويمكن أن يكون المراد شكره بهذه النعمة الجليلة حيث أمكنه هذا
النوع من التسبيح، وليس الغرض دفع التوهم المذكور ،كما أكده
الزمخشري في الكشاف.
والمعنى الأجزل أن يقال: أن التسبيح هو التنزيه ورفع النقائص
،و"الحمد" هو الثناء بالجميل ،فيكون الأول للإشارة إلى الصفات
السلبية، والثاني إشارة إلى الصفات الثبوتية يعني أنزهه من النقائص
وأثبت له صفات الجمال والجلال، فيكون الجميع إشارة إلى التوحيد .
ويمكن أن يكون التسبيح إشارة إلى تنزيه الذات عن النقائص حيث يشمل
الصفات الثبوتية والسلبية، إذ سلب العجز ملزوم للقدرة، وهكذا
البواقي.
وبيّن المراد من "الحمد" الشكر، يعني به" الأعمال" فيكون الأول
إشارة إلى الإقرار بجميع العقائد كما هي، والثاني تلميحاً إلى
الإنقياد في الأوامر والنواهي.
ولا يخفى عليك وجه النكتة إلى تقديم الأول على الثاني لأنّ صحة
الأعمال مترتبة على العقائد ،أو يكون الكلام في "وبحمده" بمعنى
"الحمد له" كما قيل في تفسير قوله تعالى "ما أنت بنعمة ربك
بمجنون" أي] " ما أنت بمجنون ،والنعمة لربك" وكما قيل في قوله
"سبحانك اللهم وبحمدك" أي "والحمد لله" .
والفرق بين هذا التوجيه وبين ما سبق أن الإضافة في السابق من باب
إضافة المصدر إلى الفاعل أو إلى المفعول ،وههنا الإضافة للإختصاص،
وليس المراد بالحمد حمد المسبّح بل جنس المسبح ،ويصير مدلول
الإضافة مدلول جملة إسميّة هي: "أن الحمد لك خاصة" و"الباء"قي
"وبحمده" للملابسة، أي تسبيحي مختص بحالة كلّ حمد لك ،ويرشد إلى
هذا المعنى أنهم يضعون "والحمد لله" مقام "الحمد لله" كما يقال:
"أنت كريم بحمد الله" و"أنت كريم والحمد لله".
وهذا المعنى هو مراد النيشابوري في تفسيره ،واحتمل بعضهم أن تكون
الواو حاليّة، وتقدير الكلام" وأنا متلبس بحمده".
وفي علل علي بن إبراهيم القمّي قال: سئل أمير المؤمنين عليه
السلام عن معنى قوله "سبحان ربي العظيم وبحمده" فقال "سبحان"
الله: انفة لله عزّ وجلّ، و"ربي" خالقي ،و"العظيم" هو العظيم في
نفسه غير موصوف بالصغر ،وعظيم في ملكه وسلطانه، وأعظم من أن يوصف
تعالى الله .
معنى
ذكر القيام من الركوع
قوله "سمع الله لمن حمده" وهو أعظم الكلمات فلها وجهان: فوجه منها
أن حمد الله سمعه، والوجه الثاني أنه يدعو لمن حمده فيقول: اللهم
اسمع لمن حمدك.
وفي خبر الفضل كما في الكافي وعدّة الداعي قال: قلت لأبي عبدالله
عليه السلام : جعلت فداك علمني دعاءآً جامعاً قال: احمد الله فإنه
لا يبقى أحداً إلا دعا لك سمع الله لمن حمده.
وهو صريح في أنها جملة دعائية ، وهو أحد القولين في المسألة .
نص ذكر الركوع المستحب
"اللّهم لك ركعت
*ولك
أسلمت*
وبك آمنت
*وعليك
توكلت*
وأنت ربي*
خشع لك سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي ومخي وعصبي وعظامي وما
أقلته قدماي*
غير مستنكف ولا مستكبر ولا مستحسر".
معنى
ذكر الركوع المستحب
وأما دعاء الركوع الزائد على الذكر وهو "اللهم لك ركعت " إلى قوله
"لا مستكبراً ولا مستحسراً" فقوله "خشع لك سمعي وبصري" تعميم بعد
التخصيص.
وقوله "لله رب العالمين" يمكن أن يكون خبر مبتدأ محذوف ،أي جميع
ذلك لله ،وإن كان قد ذكر بعضه لله ،فإن قوله "وبك آمنت عليك توكلت"
لم يدل لفظه على كونه لله ،ويمكن أن يكون بدلاً من قوله "لك سمعي"
إلى آخره ابدال الظاهر من المضمر، والتفات من الخطاب إلى الغيبة،
ويحتمل أن يكون "وما أقلته قدماي" مبتدأ ،و"لله" خبره.
و"الإستنكاف" الأنفة من العبادة ،و"الإستكبار" طلب الكبرياء من غير
الإستحقاق ،و"الإستحسار" بالحاء والسين المهملتين التعب، أي لا أجد
من الركوع تعباً ولا كللاً ولا مشقةً بل أجد لذةً و راحةً.
نص ذكر
السجود المستحب
"اللّهم لك سجدت
*
وبك آمنت*
ولك أسلمت*
وعليك توكلت*
وأنت ربي
*سجد
وجهي للذي خلقه وشقّ سمعه وبصره*
الحمد للّه ربّ العالمين*
تبارك الله أحسن الخالقين".
معنى ذكر السجود المستحب
وأمّا دعاء السجود الزائد على الذكر المتقدم وهو" اللهم لك سجدت
*
وبك آمنت*
وعليك توكلت*
وأنت ربي
*
سجد لك سمعي ..." إلى قوله "تبارك الله أحسن الخالقين" فأكثره ظاهر
المعنى مع أنه مشتمل على ما ذكرناه في دعاء الركوع.
وفي العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم أن معنى قوله "سبحان ربي الأعلى
وبحمده" فـ"سبحان" أنفة الله ، و"ربي" خالقي و،"الأعلى" أي المرتفع
في سماواته حتى صار العباد كلّهم دونه وقهرهم بعزّته ،ومن عنده
التدبير ،وإليه تعرج المعارج.
معنى
الصلاة على النبي وآله
وأما معنى الصّلاة على محمد وآل محمد المتكررة في جميع مراتبها
فـ"الصلاة " لغة الدعاء ،وهي من الله الرحمة، ومن الملائكة
الاستغفار، ومن الناس الدعاء ،وجاء في صلاة الله التزكية والإعتناء
والشرف ،فملاحظة هذه المعاني في جميع المراتب لا بأس بها .
والمراد بـ"الآل" المضافين له هم الأئمة عليه السلام كما نطقت به
الأخبار من الطرفين ،وإطلاقه على مطلق أقاربه المؤمنين كما يشعر به
جملة من الأخبار المروية في معاني الأخبار محمول على التقية ،أو
أنه في الأصل كذلك ثم غلب عليهم عليهم السلام وصار كالحقيقة
الشرعية.
معنى الألفاظ
المستحبة في التشهّد الأوّل
وقد وقع في التشهد الأول ألفاظ مستحبة كما تضمنه خبر أبي بصير كما
في المعتبر والتهذيب عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إذا جلست
في الثانية فقل "بسم الله*
وبالله
*والحمد
لله*
وخير الأسماء لله
*أشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له*
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله*
أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة*
وأشهد أن ربي نعم الربّ
*
وأن محمداً نعم الرسول
*
اللهم صلّ على محمد وآل محمد
*وتقبّل
شفاعته في أمته وارفع درجته" ثم تحمد الله مرتين أو ثلاث .
إلا أنه في التهذيب "أشهد أنّك نعم الرب
*
وأنّ محمّداً نعم الرسول"
معنى الألفاظ المستحبة
في التشهّد الأخير
ووقع في التشهد الأخير بعد الشهادتين، وهذه الألفاظ المذكورة في
التشهد الأول بعد قوله "نعم الرسول
*
التحيات لله*
والصلوات الطيبات الطاهرات الزاكيات الغاديات الرائحات السابغات
الناعمات لله
*ما
طاب وطهر وزكى وما خلص وصفى فللّه
*
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له*
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله*
أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة*
وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها
*وأن
الله يبعث من في القبور*
اللهم صلّ على محمد وآل محمد
*
وبارك على محمد وآل محمد
*
وسلّم على محمد وآل محمد
*وترحّم
على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل
إبراهيم إنك حميد مجيد*
اللهم صلّ على محمد وآل محمد
*
وامنن عليّ بالجنّة
*وعافني
من النار" ثم قل " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته*
السلام على أنبياء الله ورسله*
السلام عليكم وعلى عباد الله الصالحين" .
وقد فسّر" التحيات" بالعظمة ،و"الملك" بالبقاء ،وإنما جمع "التحية"
لأن ملوك الأرض يتحيّون بتحيّات مختلفة فيقال لبعضهم:" أبيت اللعن"
ولبعضهم "أنعمت صباحاً "،ولبعضهم "عش ألف سنة" فقيل للمسلمين:"
قولوا: التحيات لله" أي الألفاظ الدالة على السلام والملك والبقاء
فهي لله عزّ وجلّ، و"التحية" تفعلة من الحياة ،وإنما أدغمت لاجتماع
الأمثال ، والهاء لازمة لها ،والتاء زائدة.
وقيل:" التحيّات" هي أسماء الله تعالى( السلام المؤمن المهيمن الحي
القيوم) يريد التحية بهذه الأسماء لله تعالى.
وأمّا" الصلوات لله" ففي معناها اختلاف فقيل: معناه الرحمة لله على
العباد كقوله تعالى :"أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة"، وقيل:"
الصلوات" الأدعية لله ،وفي النهاية الأثيرية: "الصلوات لله" أي
الأدعية التي يراد بها تعظيم الله المستحق لها لا تليق بغيره.
وقيل:" الصلوات" هي الصلوات المعروفة، وقيل: التضرع، وقيل :الرحمة
أي الله هو المتفضل بها ،وقيل: إنّ العبد لما وجه التحيات
المباركات له تعالى إتّجه لسائل أن يقول: فما للعبد حينئذ؟ فأجيب
بأن الصلوات الطيبات لله، فإنه عزّ وجلّ يوجّهها إليه جزاءاً لما
فعل.
و"الغاديات" الكائنة وقت الغدو.
و"الرائحات" الكائنة وقت الرواح ،وهي من زوال الشمس إلى الليل، وما
قبله غدو.
و"السابغات" الكاملة الوافية.
و"الناعمات" تقرب من معنى الطيبات.
ومعنى "ما طاب" هو الكسب الحلال كما تضمنه معاني الأخبار ،ومعنى "ارساله
بين يدي الساعة بشراً ونذيراً" أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما
كان آخر الأنبياء بعد بعثته وخاتم المرسلين بعد دعوته كانت رسالته
خاتمة الشرائع ونبوته خاتمة النبوات، لقوله عزّ من قائل:"وما محمّد
أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين" ،وقوله:"إنّا
نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون"، وقوله في نفي إختياريّة التعبّد
بغير شريعته الخاتمة في قوله :"ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن
يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين".
"بشيراً" مخبراً بالخير وتحصيل السعادة الدنيويّة عند التمسك
والإهتداء والإستنارة بشريعته ،وواعداً بنيل علو الدرجات وعظيم
المراتب والمثوبات والخيرات والسعادات السرمديّة الدائمة الأبديّة
في الحياة الأخرويّة.
"ونذيراً" محذراً بما يردي ويهلك عند المنابذة لشريعته والمكابرة
لما بلّغ و ما جاء به ،ومتوعداً للعصاة والجناة والمردة الخارجين
عنها وعليها وعلى معتنقيها بسوء المنقلب والخسران المبين وفداحة
العاقبة .
"بين " ظرف زمان ،يدل على مشارفة إنتهاء أجل البعثة المحمديّة
الخاتمة لإنتهاء الحياة الدنيا ، وأنّه سيحدث كلّ ما بشرّ وأنذر
به المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فور وقوع ذلك من دون فصل .
"يدي" يستخدم لفظ اليد حقيقةً للجارحة المعروفة من الإنسان
والحيوان وغيرهما من الكائنات الحيّة،وللقدرة في معناه المجازي
،والمراد منهما هنا أشراط وعلامات إنتهاء عالم الدنيا وبدء مراحل
الإنتقال إلى عالم الآخرة.
"الساعة" يوم القيامة ،وله أسماء أخرى ورد ذكرها في القرآن الكريم
هي:
الميعاد
*
الواقعة
*
الحاقّة*
القارعة*
الصاخّة*
الغاشية*
الدار الآخرة*
الآخرة*
اليوم الآخر*
يوم التغابن
*يوم
الدين
*
يوم الحسرة
*يوم
البعث
*
يوم الفصل
*
يوم التلاق
*يوم
الأزفة
*
يوم التناد
*
يوم الجمع
*
يوم الوعيد
*يوم
الخلود
*يوم
الخروج
*
الطامّة الكبرى.
معنى ذكر
التسليم
لمّا كان تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم كما سبق ذكره
والإشارة إليه عند الحديث عن تكبيرة الإحرام إقتضى المقام التعرّض
لمعنى التسليم، ولفظه الذي يترتب عليه عند النطق به خروج المصلي من
حريم الصلاة ،وبموجبه يحل له مطلق التصرفات التي حرمت عليه ومنع
منها بالإحرام لها هو:
"السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته" وقد ذكر في معنى السَّلام
أقوال:
أولها:أنّه معناه الدعاء ،أي "سلمت من المكاره" حيث يقصد منه
الدعاء للمسلَّم عليه.
ثانيها:أنّ معناه "إسم السّلام عليكم" على تقدير أن يراد بـ"السَّلام"
إسم من أسماء الله تعالى عليكم، ووجهه أنّ خاصيّة ذلك الإسم
الرحمة والسلامة، أو يراد ذات الله المتصف بالسّلامة مما لا يليق
به عليكم بأن يرحمكم ويسلّمكم منها.
ثالثها:أنّ معناه "إسم اللّه عليك " أي أنت في حفظه كما يقال:"
اللّه معك" فهو دعاء بالسّلامة لصاحبه من آفات الدنيا، ومن عذاب
الآخرة ،وضعه الشارع موضع التحيّة والبشرى بالسّلامة والأمن،وإختار
لفظه (السلام) وجعله تحيّةً لما فيه من المعاني ،أو لأنّه مطابق
لـ"السّلام" الذي هو إسم من أسماء اللّه تعالى تيمناً وتبركاً.
وكان يُحَيْيَ به قليلاً قبل الإسلام ويُحَيْيَ بغيره أكثر،
فلمّا جاء الإسلام حث على الإقتصار عليه ومنع ما سواه من تحيات أهل
الجاهليّة.
والإتيان به محلى بـ "أل" التعريف بقولك "السلام"خير من تجريده
منهابقولك "سلام" لأنّها تكون حينئذ أزين لفظاً وأبلغ معنى.
والمعني بضمير المخاطب في "عليكم"هم جميع الأنبياء لا سيما أولوا
العزم وعلى وجه الأخص سيّدهم وخاتمهم محمّد بن عبد الله صلى الله
عليه وآله وسلم ،والأئمّة عليهم السلام الإثنا عشر من أهل بيت
النبوّة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة وتراجمة الوحي والتنزيل
،وكذلك جميع ملائكة الرحمة الحفظة الكاتبين.
وذلك لأنّهم الواسطة في نيل الفيوض الرحمانيّة الظاهرة والخفيّة
والسبب في الإهتداء إلى الصراط المستقيم وتحصيل أسباب السعادة في
الدارين .
معنى ذكر
التعقيب
ومعناه هو الجلوس بعد الصّلاة للذكر والدعاء والمسألة ،وورد الحث
عليه في قوله تعالى: "فإذا فرغت فانصب وإلى ربّك فارغب" وورد في
تفسيرها: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربّك في الدعاء ،وإرغب
إليه في المسألة يعطك.
وفي بعض الروايات ورد أن المصلي إذا صلى وفرغ ولم يدع الله عزّ
وجلّ فيما يهمه من أمور دينه ودنياه قال الله تبارك وتعالى للملكين
الموكلين به : إضربوا بصلاته وجهه ،صلّى وإنفتل من صلاته ولم
يسألني كأنّه في غنى عني.
تسبيح فاطمة الزهراء
(عليها السلام)
وأفضل التعقيبات تسبيح الزهراء عليها السّلام الذي علّمها إيّاه
والدها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فعن الإمام الصّادق
عليه السلام قال: من سبّح تسبيح الزهراء "عليها السّلام" قبل أن
يثني رجليه من صلاة الفريضة غفر الله له .
وعنه عليه السلام قال: إنّا نأمر صبياننا بتسبيح فاطمة الزهراء
"عليها السّلام" كما نأمرهم بالصّلاة ، فالزمه فإنّه لم يلزمه عبد
فشقى.
وعنه عليه السلام أيضاً قال:تسبيح فاطمة الزهراء "عليها السّلام"
في كلّ يوم دبر كلّ صلاة أحب إليّ من صلاة ألف ركعة في كل يوم.
وكيفيته هو أن يكبّر الله تعالى أربعاً وثلاثين، ويحمد الله ثلاثاً
وثلاثين، ويسبّح الله ثلاثاً وثلاثين.
والحمد للّه تعالى أولاً وآخراً عليه نتوكل وإليه ننيب. |