إرشاد المؤمنين

في فضل وآداب علم الدين

يحتوي على كثير مما ورد عن الرسول الأعظم (ص)

وأهل بيته المعصومين (ع) في فضل العلم وتعلمه وتعليمه

والعلماء وصفاتهم وفضلهم وحقوقهم

تأليف

الشيخ جعفر الشارقي البحراني

 

محتويات الكتاب

فضل العلم ووجوب طلبه   أصناف الناس في العلم، وفضل حب العلماء، وسؤالهم
مجالسة العلماء، ومخالطة الجهال العمل بغير العلم
العلوم التي أمر الناس بتحصيلها آداب طلب العلم
فضل الهداية والتعليم والعلماء، وذم إضلال الناس الإخلاص في طلب العلم، والعمل به
حقوق العلماء صفات العلماء وأصنافهم
آداب التعليم كتمان العلم
من يؤخذ منه العلم، ومتابعة غير المعصوم، والتقليد علماء السوء
الفتوى بغير علم المجادلة والمخاصمة في الدين، والمراء
فضل كتابة الحديث وروايته من حفظ أربعين حديثا
آداب الرواية علم المعصومين (ع)
التدبر في أخبارهم (ع) والتسليم لهم (ع) علل اختلاف الأخبار، وكيفية الجمع بينها
الاحتياط في الدين البدع والرأي والمقاييس

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الكتاب

الحمد لله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فهو (الرَّحْمَن * الَّذِي عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ).

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل والإمتنان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي اصطفاه على بني الإنسان، وأن أهل بيته المعصومين الطاهرين خلفاؤه في أمته إلى قيام يوم الدين رغما عن كل خائن جبان، صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيرا. أما بعد ...

فيا أيها الإخوة المؤمنون اتقوا الله تعالى، وتفقهوا في دين الله لتعبدوا الله على بصيرة فإنه لا: (يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) وثبت عنهم (ع): (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين).

فالفقه في الدين نور يسير به العبد إلى الله، نور يسير به العبد إلى الله في عقيدته في عباداته في أخلاقه في معاملته، فبه يعرف العبد ما يعتقده في الله، وبه يعرف العبد كيف يعبد مولاه، يعرف كيف يتوضأ، وكيف يغتسل، وبه يعرف الإنسان كيف يصلي، وكيف يزكي، وكيف يخمس، وكيف يصوم، وكيف يحج، وكيف يعتمر، وكيف يبيع، وكيف يشتري، وكيف يتزوج، وكيف يطلق به، يعرف جميع أموره به، يميز بين الحق والباطل، بين الحلال والحرام، بين الواجب والمستحب، بين الصحيح والفاسد، به يعرف كيف يخالط الناس، وبالعلم يعرف كيف يبر والديه، كيف يصل أقاربه، كيف يعامل صديقه، كيف يجازي عدوه، وبالعلم يعرف كيف يعامل الناس في جميع المعاملات، في البيع والشراء والتأجير والإستئجار وغيرها من المعاملات، وبالعلم يعرف الحق الذي عليه فيعطيه، ويعرف الحق الذي له فيطلبه أو يتسامح فيه، وبالعلم يعرف كيف يعامل أهله، وبالعلم يسير الموفق بزوجته وأولاده في نور العلم والرشاد إذا تراكمت ظلمات الجهل والفتن والفساد، فبالعلم يهدي زوجته وأولاده إلى الصراط المستقيم، ويبين لهم المنهج القويم، فما اكتسب الإنسان مالاً ولا جاهاً ولا رئاسة أفضل من العلم وأعلى شأنا، يقول الله عز وجل : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات) وقال النبي (ص): (من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة).

وقال الصادق (ع): الناس يغدون على ثلاثة: عالم ومتعلّم وغثاء: فنحن العلماء، وشيعتنا المتعلّمون، وسائر الناس غثاء.

قال السجاد (ع): لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج، وخوض اللّجج ...

أيها الإخوة المؤمنون من استطاع منكم أن يتفرق لطلب العلم وتحصيله فذلك أفضل، وتلك نعمة فضلى، وغنيمة كبرى، ومن لم يستطع أن يتفرق لطلب العلم فليستمع إلى العلم، وليجلس إلى العلماء ليستفيد منهم، ويفيد غيره، ومن ثم ينبغي لأهل العلم أن يستغلوا فرصة جلوسهم مع الناس فيعلموهم، ويفتحوا لهم باب المسألة والمناقشة لتكون مجالسهم مجالس مفيدة، ومن لم يستطع الإستماع إلى العلم، والجلوس إلى أهله فلا أقل أن يسأل عن الأمور التي لا يسعه جهلها في دينه ودنياه فإن الله عز وجل يقول في كتابه: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ).

ولا ينبغي للإنسان، ولا يليق به وهو يرجوا لقاء ربه أن يعبد الله عبادة لا يعرف فيها كيف يعبده، ومن استفتى عالما واثقا بعلمه وأمانته فأفتاه فليأخذ بما أفتاه به، ولا يتبع هواه في هذا فيرفض ما أفتاه به، ولا يتبع هواه في هذا إذن ويذهب إلى عالم آخر وثاني وثالث حتى يفتيه بما يهوى.

وفقنا الله تعالى لأداء الأمانة، وأعاننا على القيام بمسئوليتنا في حقوقه وحقوق عباده المؤمنين، وهدانا إلى تعلم وتعليم أمور الدين، والإقتداء بالنبي (ص) وأهل بيته المعصومين(ع).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

جعفر الشارقي البحراني ـ الإثنين 8/شوال/1424هـ ـ الموافق 1/12/2003م

فضل العلم ووجوب طلبه

قال أمير المؤمنين (ع): قلت أربعا أنزل الله تعالى تصديقي بها في كتابه، قلت: المرء مخبوءٌ تحت لسانه فإذا تكلّم ظهر، فأنزل الله تعالى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) قلت: فمن جهل شيئا عاداه، فأنزل الله: (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ) وقلت: قدر أو قيمة كلّ امرئ ما يحسن، فأنزل الله في قصة طالوت: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ). وقلت: القتل يقلّ القتل، فأنزل الله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

قال أمير المؤمنين (ع): قدر كل امرئ ما يحسن.

قال رسول الله (ص): أربع يلزمن كل ذي حجى وعقل من أمتي، قيل: يا رسول الله!.. ما هن؟.. قال: استماع العلم، وحفظه، ونشره عند أهله، والعمل به.

قال الصادق (ع): منهومان لا يشبعان: منهوم علم، ومنهوم مال.

قال السجاد (ع): إنّ طالب العلم إذا خرج من منزله لم يضع رجله على رطبٍ ولا يابسٍ من الأرض، إلا سبّحت له إلى الأرضين السابعة.

قال رسول الله (ص): خلّتان لا تجتمعان في المنافق: فقهٌ في الإسلام، وحسن سمت في الوجه.

قال الصادق (ع): كان فيما وعظ لقمان ابنه أنه قال له: يا بني!.. اجعل في أيامك ولياليك وساعاتك نصيبا لك في طلب العلم، فإنك لن تجد له تضييعاً مثل تركه.

قال الصادق (ع): لست أحب أن أرى الشاب منكم إلا غادياً في حالين: إما عالماً أو متعلماً .. فإن لم يفعل فرّط، فإن فرّط ضيّع، فإن ضيّع أثم، وإن أثم سكن النار والذي بعث محمدا بالحق.

قال أمير المؤمنين (ع): سمعت رسول الله (ص) يقول: طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، فاطلبوا العلم من مظانه، واقتبسوه من أهله فإنّ تعليمه لله حسنةٌ، وطلبه عبادةٌ، والمذاكرة به تسبيحٌ، والعمل به جهادٌ، وتعليمه مَن لا يعلمه صدقةٌ، وبذله لأهله قربةٌ إلى الله تعالى لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل الجنة، والمونس في الوحشة، والصاحب في الغربة والوحدة، والمحدِّث في الخلوة، والدليل على السرّاء والضرّاء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاّء. يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادةً تُقتبس آثارهم، ويُهتدى بفعالهم، ويُنتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتها تبارك عليهم، يستغفر لهم كل رطبٍ ويابسٍ حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه .. إنّ العلم حياة القلوب من الجهل، وضياء الأبصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأخيار، ومجالس الأبرار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، الذكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يُطاع الرب ويُعبد، وبه توصل الأرحام، وبه يُعرف الحلال والحرام، العلم امام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء، فطوبى لمن لم يحرمه الله منه حظه!..

قال أمير المؤمنين (ع): طالب العلم يشيّعه سبعون ألف ملك من مفرق السماء، يقولون: صلّ على محمد وآل محمد.

قال الباقر (ع): ما من عبدٍ يغدو في طلب العلم أو يروح، إلا خاض الرحمة، وهتفت به الملائكة: مرحباً بزائر الله، وسلك من الجنة مثل ذلك المسلك.

قال رسول الله (ص): فقيهٌ واحدٌ أشدّ على إبليس من ألف عابد.

قال رسول الله (ص): مَن يُرد الله به خيراً يفقّهه في الدين.

قال رسول الله (ص): مَن خرج من بيته ليلتمس باباً من العلم لينتفع به ويعلّمه غيره، كتب الله له بكلّ خطوةٍ عبادة ألف سنة صيامها وقيامها، وحفّته الملائكة بأجنحتها، وصلّى عليه طيور السماء، وحيتان البحر، ودواب البر، وأنزله الله منزلة سبعين صدّيقا، وكان خيراً له من أن كانت الدنيا كلها له فجعلها في الآخرة.

سئل الصادق (ع) عن قوله تعالى: (فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) فقال: إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: أكنت عالما؟.. فإن قال: نعم، قال له: أفلا عملت بما علمت؟.. وإن قال: كنت جاهلا، قال له: أفلا تعلّمت حتى تعمل؟.. فيخصمه وذلك الحجة البالغة .

قال أمير المؤمنين (ع): يا جابر!.. قوام هذه الدنيا بأربعة: عالمٌ يستعمل علمه، وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلّم، وغنيٌ جوادٌ بمعروفه، وفقيرٌ لا يبيع آخرته بدنيا غيره، ثم قال أمير المؤمنين (ع): فإذا كتم العالم العلم أهله، وزهد الجاهل في تعلّم ما لابدّ منه، وبخل الغني بمعروفه، وباع الفقير دينه بدنيا غيره، حلّ البلاء وعظم العقاب.

قال أمير المؤمنين (ع): الشاخص في طلب العلم كالمجاهد في سبيل الله، إنّ طلب العلم فريضةٌ على كلّ مسلم، وكم من مؤمن يخرج من منزله في طلب العلم فلا يرجع إلا مغفورا.

قال رسول الله (ص): من تعلّم بابا من العلم - عمل به أو لم يعمل - كان أفضل من أن يصلي ألف ركعة تطوعاً.

قال رسول الله (ص): إنّ العبد إذا خرج في طلب العلم ناداه الله عزّ وجلّ من فوق العرش: مرحبا بك يا عبدي!.. أتدري أي منزلة تطلب؟.. وأي درجة تروم؟.. تضاهي ملائكتي المقرّبين لتكون لهم قرينا، لأُبلّغنّك مرادك ولأُوصلنّك بحاجتك ..

قيل لعلي بن الحسين (ع): ما معنى مضاهاة ملائكة الله عزّ وجلّ المقرّبين ليكون لهم قريناً؟.. فقال (ع): أما سمعت قول الله عزّ وجلّ: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فبدأ بنفسه، وثنّى بملائكته، وثلّث بأُولي العلم الذين هم قرناء ملائكته ....الخبر .

قال رسول الله (ص): مَن خرج يطلب باباً من علم ليردّ به باطلاً إلى حق أو ضلالةً إلى هدىً، كان عمله ذلك كعبادة متعبّد أربعين عاما.

قال الصادق (ع): كمال المؤمن في ثلاث خصال: تفقّه في دينه، والصبر على النائبة، والتقدير في المعيشة.

قال الباقر (ع): قال أبو ذر - رض - في خطبته: يا مبتغي العلم!.. لا تشغلك الدنيا ولا أهلٌ ولا مالٌ عن نفسك، أنت يوم تفارقهم كضيف بتّ فيهم ثم غدوت عنهم إلى غيرهم، الدنيا والآخرة كمنزل تحوّلت منه إلى غيره، وما بين البعث والموت إلا كنومة نمتها ثم استيقظت عنها، يا جاهل!.. تعلّم العلم، فإنّ قلبا ليس فيه شيءٌ من العلم، كالبيت الخراب الذي لا عامر له.

قال أمير المؤمنين (ع): إنّ هذه القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة.

قال أمير المؤمنين (ع): إنّ أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به، ثم تلا (ع): (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ).

سئل أمير المؤمنين (ع) عن الخير ما هو؟.. فقال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكنّ الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك.

قال أمير المؤمنين (ع): كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم، فإنه يتّسع.

قال أمير المؤمنين (ع): مَن عُرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار.

قال أمير المؤمنين (ع): المودة أشبك الأنساب، والعلم أشرف الأحساب.

قال أمير المؤمنين (ع): الكلمة من الحكمة يسمعها الرجل، فيقول أو يعمل بها خيرٌ من عبادة سنة.

قال رسول الله (ص): مَن طلب علماً فأدركه كتب الله له كفلين من الأجر، ومَن طلب علماً فلم يدركه كتب الله له كفلاً من الأجر.

قال رسول الله (ص): مَن أحبّ أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلّمين، فو الذي نفسي بيده، ما من متعلّم يختلف إلى باب العالم إلا كتب الله له بكلّ قدم عبادة سنة، وبنى الله بكل قدم مدينة في الجنة، ويمشي على الأرض وهي تستغفر له، ويمسي ويصبح مغفورا له، وشهدت الملائكة أنهم عتقاء الله من النار.

قال رسول الله (ص): مَن طلب العلم فهو كالصائم نهاره، القائم ليله، وإنّ باباً من العلم يتعلّمه الرجل خيرٌ له من أن يكون له أبو قبيس ذهباً، فأنفقه في سبيل الله.

قال رسول الله (ص): مَن جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، كان بينه وبين الأنبياء درجةٌ واحدةٌ في الجنة.

قال رسول الله (ص): لئن يهدي الله بك رجلا واحدا، خيرٌ من أن يكون لك حمر النعم.

قال رسول الله (ص): إنّ مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمَثَل غيثٍ أصاب أرضا، وكان منها طائفةٌ طيبةٌ فقبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس وشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله، وتفقّه ما بعثني الله به، فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به.

قال رسول الله (ص): من غدا في طلب العلم أظلّت عليه الملائكة، وبورك له في معيشته، ولم ينقص من رزقه.

قال رسول الله (ص): أيما ناشٍ نشأ في العلم والعبادة حتى يكبر، أعطاه الله يوم القيامة ثواب اثنين وسبعين صدّيقا.

قال رسول الله (ص): من غدا إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلّم خيرا أو ليعلّمه كان له أجر معتمر تام العمرة، ومن راح إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلّم خيرا أو ليعلّمه، فله أجر حاجٍّ تامّ الحجّة.

قال أحدهم: أتيت النبي (ص) وهو في المسجد متكّأ على برد له أحمر فقلت له: يا رسول الله!.. إني جئت أطلب العلم، فقال: مرحبا بطالب العلم، إنّ طالب العلم لتحفّه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضها بعضا حتى يبلغوا سماء الدنيا من محبّتهم لما يطلب.

قال أمير المؤمنين (ع): كفى بالعلم شرفا أن يدّعيه مَن لا يحسنه، ويفرح إذا نُسب إليه، وكفى بالجهل ذمّاً يبرأ منه من هو فيه.

قال أمير المؤمنين (ع): العلم أفضل من المال بسبعة :الأول: أنه ميراث الأنبياء والمال ميراث الفراعنة. الثاني: العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص بها. الثالث: يحتاج المال إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه. الرابع: العلم يدخل في الكفن ويبقى المال. الخامس: المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل إلا للمؤمن خاصة. السادس: جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمر دينهم، ولا يحتاجون إلى صاحب المال. السابع: العلم يقوّي الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه.

قال السجاد (ع): لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج، وخوض اللّجج، إنّ الله تعالى أوحى إلى دانيال: أنّ أمقت عبيدي إليّ الجاهل المستخفّ بحقّ أهل العلم، التارك للإقتداء بهم، وأنّ أحبّ عبادي عندي التقي الطالب للثواب الجزيل، اللازم للعلماء، التابع للحكماء، القابل عن الحكماء.

قال رسول الله (ص) :من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا الى الجنة.. وان الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم رضا به، وانه ليستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر .. وان العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم، فمن اخذ منه اخذ بحظ وافر .

أصناف الناس في العلم، وفضل حب العلماء، وسؤالهم

قال الصادق (ع): الناس يغدون على ثلاثة: عالم ومتعلّم وغثاء: فنحن العلماء، وشيعتنا المتعلّمون، وسائر الناس غثاء.

قال كميل بن زياد: خرج إليّ علي بن أبي طالب (ع) فأخذ بيدي وأخرجني إلى الجبّان (أي مقبرة) وجلس وجلست، ثم رفع رأسه إليّ فقال: يا كميل!.. احفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: عالمٌ رباني، ومتعلمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. يا كميل!.. العلم خيرٌ من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق. يا كميل!.. محبة العالم دين يدان به، يكسبه الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته فمنفعة المال تزول بزواله. ياكميل!.. مات خزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة، هاه إنّ ههنا - وأشار بيده إلى صدره - لعلماً لو أصبت له حملة، بلى أصبت له لقناً غير مأمون، يستعمل آلة الدين في طلب الدنيا، ويستظهر بحجج الله على خلقه، وبنعمه على عباده ليتخذه الضعفاء وليجةً من دون ولي الحق، أو منقاداً لحملة العلم، لا بصيرة له في أحنائه، يقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة. ألا لا ذا ولا ذاك، فمنهوم باللذات، سلس القياد للشهوات، أو مغرىً بالجمع والإدخار ليسا من رعاة الدين، أقرب شبها بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهم!.. بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجة ظاهر، أو خافٍ مغمور، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته، وكم ذا وأين أولئك الأقلّون عددا الأعظمون خطرا؟.. بهم يحفظ الله حججه حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقائق الأمور، فباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقةٌ بالمحلّ الأعلى. يا كميل!.. أولئك خلفاء الله، والدعاة إلى دينه، هاى هاى شوقا إلى رؤيتهم استغفر الله لي ولكم.

روي عن أحدهم (ع): أنّ الناس أربعة: رجلٌ يعلم ويعلم أنه يعلم فذاك مرشدٌ عالمٌ فاتّبعوه .. ورجلٌ يعلم ولا يعلم أنه يعلم، فذاك غافلٌ فأيقظوه، ورجلٌ لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم، فذاك جاهلٌ فعلّموه.. ورجلٌ لا يعلم ويعلم أنه يعلم، فذاك ضالٌّ فأرشدوه .

قال الهادي (ع): الغوغاء قتلة الأنبياء، والعامّة اسمٌ مشتقٌ من العمى، ما رضي الله لهم أن شبّههم بالأنعام حتى قال: (بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا).

قال أمير المؤمنين (ع): إذا أرذل الله عبداً حظّر عليه العلم.

قال أمير المؤمنين (ع): كانت الحكماء فيما مضى من الدهر تقول: ينبغي أن يكون الاختلاف إلى الأبواب لعشرة أوجه: أولها: بيت الله عزّ وجل لقضاء نسكه والقيام بحقه وأداء فرضه. والثاني: أبواب الملوك الذين طاعتهم متصلة بطاعة الله عز وجل، وحقهم واجب، ونفعهم عظيم، وضررهم شديد. والثالث: أبواب العلماء الذين يستفاد منهم علم الدين والدنيا. والرابع: أبواب أهل الجود والبذل الذين ينفقون أموالهم التماس الحمد، ورجاء الآخرة. والخامس: أبواب السفهاء الذين يُحتاج إليهم في الحوادث، ويُفزع إليهم في الحوائج. والسادس: أبواب من يُتقرّب إليه من الأشراف، لالتماس الهيئة والمروة والحاجة. والسابع: أبواب من يُرتجى عندهم النفع في الرأي والمشورة، وتقوية الحزم وأخذ الأهبة لما يحتاج إليه. والثامن: أبواب الإخوان لما يجب من مواصلتهم ويلزم من حقوقهم. والتاسع: أبواب الأعداء التي تسكن بالمداراة غوائلهم، ويدفع بالحيل والرفق واللطف والزيارة عداوتهم. والعاشر: أبواب من ينتفع بغشيانهم ويستفاد منهم حسن الأدب ويؤنس بمحادثتهم.

مجالسة العلماء، ومخالطة الجهال

قال رسول الله (ص): المؤمن إذا مات وترك ورقةً واحدةً عليها علمٌ، تكون تلك الورقة يوم القيامة سترا فيما بينه وبين النار، وأعطاه الله تبارك وتعالى بكل حرفٍ مكتوبٍ عليها مدينةً أوسع من الدنيا سبع مرات .. وما من مؤمنٍ يقعد ساعةً عند العالم إلا ناداه ربه عزّ وجلّ :جلست إلى حبيبي، وعزتي وجلالي لأسكننّك الجنة معه ولا أُبالي!.

قال الرضا (ع): مَن تذكّر مصابنا فبكى وأبكى، لم تبكِ عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلسا يحيى فيه أمرنا، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب.

قال الصادق (ع): يا خيثمة!.. أقرئ موالينا السلام، وأوصهم بتقوى الله العظيم عزّ وجلّ، وأن يشهد أحياؤهم جنائز موتاهم، وأن يتلاقوا في بيوتهم فإنّ لقياهم حياة أمرنا، ثم رفع يده (ع) فقال: رحم الله امرأ أحيا أمرنا.

قال الصادق (ع): يا داود!.. أبلغ مواليَّ عني السلام وأني أقول: رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكر أمرنا، فإنّ ثالثهما ملكٌ يستغفر لهما، وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلا باهى الله تعالى بهما الملائكة، فإذ اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر، فإنّ في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياؤنا، وخير الناس من بعدنا من ذاكر بأمرنا ودعا إلى ذكرنا.

قال رسول الله (ص): الأنبياءُ قادةٌ، والفقهاءُ سادةٌ، ومجالستهم زيادةٌ، وأنتم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتيكم بغتةً فمن يزرع خيراً يحصد غبطةً، ومن يزرع شراً يحصد ندامةً .

قال رسول الله (ص) :بادروا الى رياض الجنة،فقالوا:وما رياض الجنة؟قال:حلق الذكر.

قال الصادق (ع): إنّ الله عزّ وجلّ يقول لملائكته - عند انصراف أهل مجالس الذكر والعلم إلى منازلهم -: اكتبوا ثواب ما شاهدتموه من أعمالهم فيكتبون لكل واحدٍ ثواب عمله، ويتركون بعض مَن حضر معهم فلا يكتبونه فيقول الله عزّ وجلّ: ما لكم لم تكتبوا فلانا أليس كان معهم، وقد شهدهم؟.. فيقولون: يا ربّ!.. إنه لم يشرك معهم بحرف، ولا تكلّم معهم بكلمة، فيقول الجليل جلّ جلاله: أليس كان جليسهم؟.. فيقولون: بلى يا ربّ!.. فيقول: اكتبوه معهم!.. إنهم قومٌ لا يشقى بهم جليسهم، فيكتبونه معهم، فيقول تعالى: اكتبوا له ثوابا مثل ثواب أحدهم.

قال رسول الله (ص): تذاكروا وتلاقوا وتحدّثوا!.. فإنّ الحديث جلاءٌ، إنّ القلوب لترين (أي لتخبث) كما يرين السيف وجلاؤها الحديث.

روي عنهم (ع): قال الحواريون لعيسى (ع): يا روح الله!.. مَن نجالس؟.. قال: مَن يذكّركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغّبكم في الآخرة عمله.

روي عن بعض الصادقين (ع): الجلساء ثلاثة: جليسٌ تستفيد منه فألزمه، وجليسٌ تفيده فأكرمه، وجليسٌ لا تفيد ولا تستفيد منه فاهرب عنه!..

قال رسول الله (ص): أربعةٌ مفسدةٌ للقلوب: الخلوة بالنساء، والاستماع منهنّ، والأخذ برأيهنّ، ومجالسة الموتى، فقيل له: يا رسول الله!.. وما مجالسة الموتى؟.. قال: مجالسة كل ضالّ عن الإيمان، وحائر في الأحكام.

قال رسول الله (ص): مجالسة العلماء عبادةٌ، والنظر إلى علي (ع) عبادةٌ، والنظر إلى البيت عبادةٌ، والنظر إلى المصحف عبادةٌ، والنظر إلى الوالدين عبادةٌ.

قال الكاظم (ع): محادثة العالم على المزبلة، خيرٌ من محادثة الجاهل على الزرابي.

قال الكاظم (ع): لا تجلسوا عند كل عالم إلا عالمٌ يدعوكم من الخمس إلى الخمس: من الشك إلى اليقين، ومن الكبر إلى التواضع، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن العداوة إلى النصيحة، ومن الرغبة إلى الزهد.

قال رسول الله (ص): إذا مررتم في رياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله!.. وما رياض الجنة؟.. قال :حلق الذكر، فإنّ لله سيّارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم حفّوا بهم.

خرج النبي (ص) فإذا في المسجد مجلسان: مجلس يتفقهون، ومجلس يدعون الله ويسألونه، فقال: كلا المجلسين إلى خير، أما هؤلاء فيدعون الله، وأما هؤلاء فيتعلّمون ويفقّهون الجاهل، هؤلاء أفضل، بالتعليم أُرسلت، ثم قعد معهم.

العمل بغير العلم

قال الصادق (ع): العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، ولا يزيده سرعة السير من الطريق إلا بعدا.

قال الصادق (ع): قطع ظهري اثنان: عالمٌ متهتكٌ، وجاهلٌ متنسّكٌ، هذا يصدّ الناس عن علمه بتهتّكه، وهذا يصدّ الناس عن نسكه بجهله.

قال أمير المؤمنين (ع): المتعبّد على غير فقه كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح، وركعتان من عالم خير من سبعين ركعة من جاهل، لأنّ العالم تأتيه الفتنة فيخرج منها بعلمه، وتأتي الجاهل فتنسفه نسفا، وقليل العمل مع كثير العلم خير من كثير العمل مع قليل العلم والشك والشبهة.

قال الصادق (ع): أحسنوا النظر فيما لا يسعكم جهله، وانصحوا لأنفسكم، وجاهدوها في طلب معرفة ما لا عذر لكم في جهله، فإنّ لدين الله أركانا لا ينفع من جهلها شدة اجتهاده في طلب ظاهر عبادته، ولا يضرّ من عرفها، فدان بها حسن اقتصاده، ولا سبيل لأحد إلى ذلك إلا بعون من الله عزّ وجلّ.

العلوم التي أمر الناس بتحصيلها

قال الكاظم (ع): دخل رسول الله (ص) المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل، فقال: ما هذا؟.. فقيل: علاّمة، قال: ما العلاّمة؟.. قالوا: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها، وأيام الجاهلية، وبالأشعار والعربية، فقال النبي (ص): ذلك علمٌ لا يضرّ مَن جهله، ولا ينفع مَن علمه.

قال الكاظم (ع): إنما العلم ثلاثة: آيةٌ محكمةٌ، أو فريضةٌ عادلةٌ، أو سنةٌ قائمةٌ، وما خلاهن هو فضل.

قال الصادق (ع): وجدت علم الناس كلهم في أربع: أولها: أن تعرف ربك، والثانية: أن تعرف ما صنع بك، والثالثة: أن تعرف ما أراد منك، والرابعة: أن تعرف ما يخرجك من دينك.

قيل للصادق (ع): إنّ لي ابنا قد أُحب أن يسألك عن حلال وحرام لا يسألك عمّا لايعنيه، فقال: وهل يسأل الناس عن شيء أفضل من الحلال والحرام؟..

قال الصادق (ع): ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الحلال والحرام.

قال الصادق (ع): تفقّهوا في دين الله ولا تكونوا أعرابا، فإنه مَن لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة، ولم يزك له عملا.

قال الصادق (ع): ثلاث هن من علامات المؤمن: علمه بالله، ومن يحب، ومن يبغض.

قال الحسن (ع): عجبٌ لمن يتفكّر في مأكوله، كيف لا يتفكّر في معقوله؟!.. فيجنّب بطنه ما يؤذيه، ويودع صدره ما يرديه!.

قال أمير المؤمنين (ع) - وقد سئل عن القدر -: طريقٌ مظلمٌ فلا تسلكوه، وبحرٌ عميقٌ فلا تلجوه، وسرّ الله فلا تتكلّفوه.

قال رسول الله (ص): خمس لا يجتمعن إلا في مؤمن حقا، يوجب الله له بهن الجنة: النور في القلب، والفقه في الإسلام، والورع في الدين، والمودة في الناس، وحسن السمت في الوجه.

قال رسول لله (ص): العلم أكثر من أن يحصى، فخذ من كل شيء أحسنه.

قال رسول الله (ص): العلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان.

قال رسول الله (ص): من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدين.

قال الصادق (ع): ما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من موت فقيه.

قال الصادق (ع): إذا مات المؤمن الفقيه، ثلم في الإسلام ثلمةٌ لا يسدها شيء.

روي عنهم (ع): في التوراة: عظّم الحكمة!.. فإني لا أجعل الحكمة في قلب أحد إلا وأردت أن أغفر له، فتعلّمْها ثم اعملْ بها، ثم ابذلها كي تنال بذلك كرامتي في الدنيا والآخرة.

قال الصادق (ع): لا خير فيمن لا يتفقّه من أصحابنا، يا بشير!.. إنّ الرجل منكم إذا لم يستغن بفقهه احتاج إليهم، فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم.

قيل للصادق (ع): جُعلت فداك!.. رجلٌ عرف هذا الأمر، لزم بيته ولم يتعرّف إلى أحد من إخوانه، فقال: كيف يتفقّه هذا في دينه؟..

آداب طلب العلم

قال الصادق (ع): أربعة لا يشبعن من أربعة: الأرض من المطر، والعين من النظر، والأنثى من الذكر، والعالم من العلم.

قال رسول الله (ص): لا سهر إلا في ثلاث: متهجّد بالقرآن، أو في طلب العلم، أو عروس تهدى إلى زوجها.

قال أمير المؤمنين (ع) في وصيته للحسن (ع): إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما أُلقي فيها من شيء قبلته، فبادرتُك بالأدب قبل أن يقسو قلبك، ويشتغل لبّك .... إلى قوله (ع): واعلم يا بنيّ!.. أنّ أحبّ ما أنت آخذٌ به من وصيتي تقوى الله، والاقتصار على ما افترضه الله عليك، والأخذ بما مضى عليه الأولون من آبائك، والصالحون من أهل بيتك، فإنهم لم يَدَعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظرٌ، وفكّروا كما أنت مفكّرٌ، ثم ردّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا، والإمساك عمّا لم يكلّفوا. فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك بتفهّم وتعلّم، لا بتورّط الشبهات وعلوّ الخصومات، وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة عليه بإلهك، والرغبة إليه في توفيقك، وترك كل شائبة أولجتك في شبهة، أو أسلمتك إلى ضلالة، فإذا أيقنت أن صفا قلبك فخشع، وتمّ رأيك واجتمع، وكان همك في ذلك هما واحدا فانظر فيما فسّرت لك، وإن أنت لم يجتمع لك ما تحب من نفسك، وفراغ نظرك وفكرك، فاعلم أنك إنما تخبط العشواء أو تتورط الظلماء، وليس طالب الدين من خبط ولا خلط، والإمساك عن ذلك أمثل. إلى قوله (ع): فإن أشكل عليك شيءٌ من ذلك، فاحمله على جهالتك به فإنك أول ما خُلقت خُلقت جاهلا ثم عُلّمت، وما أكثر ما تجهل من الأمر ويتحيّر فيه رأيك، ويضلّ فيه بصرك ثم تبصره بعد ذلك، فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسوّاك، وليكن له تعبّدك، وإليه رغبتك، ومنه شفقتك .. إلى قوله (ع): فإذا أنت هُديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك.

قال أحدهم: كنت أختلف إلى مالك بن أنس سنين، فلما قدم جعفر الصادق (ع) المدينة اختلفت إليه، وأحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك، فقال لي يوما: إني رجلٌ مطلوبٌ ومع ذلك لي أورادٌ في كلّ ساعةٍ من آناء الليل والنهار، فلا تشغلني عن وردي، وخذ عن مالك واختلفْ إليه كما كنت تختلف إليه!.. فاغتممت من ذلك، وخرجت من عنده وقلت في نفسي: لو تفرّس فيّ خيراً ما زجرني عن الاختلاف إليه والأخذ عنه. فدخلت مسجد الرسول (ص) وسلّمت عليه، ثم رجعت من الغد إلى الروضة وصلّيت فيها ركعتين، وقلت: أسألك يا الله يا الله، أن تعطف عليّ قلب جعفر، وترزقني من علمه ما أهتدي به إلى صراطك المستقيم .. ورجعت إلى داري مغتمّاً ولم أختلف إلى مالك بن أنس، لما أُشرب قلبي من حبّ جعفر، فما خرجت من داري إلا إلى الصلاة المكتوبة حتى عيل صبري، فلمّا ضاق صدري تنعّلت وتردّيت وقصدت جعفرا، وكان بعد ما صلّيت العصر. فلما حضرت باب داره استأذنت عليه، فخرج خادمٌ له فقال: ما حاجتك؟.. فقلت: السلام على الشريف، فقال: هو قائمٌ في مصلاّه، فجلست بحذاء بابه ما لبثت إلا يسيرا إذ خرج خادمٌ فقال: ادخل على بركة الله!.. فدخلت وسلّمت عليه، فردّ السلام وقال: اجلس غفر الله لك، فجلست فأطرق ملياً ثم رفع رأسه وقال: أبو مَن؟.. قلت: أبو عبد الله، قال: ثبّت الله كنيتك ووفّقك، يا أبا عبد الله ما مسألتك؟!.. فقلت في نفسي: لو لم يكن لي من زيارته والتسليم غير هذا الدعاء لكان كثيراً، ثم رفع رأسه ثم قال: ما مسألتك؟.. فقلت: سألت الله أن يعطف قلبك عليّ ويرزقني من علمك، وأرجو أنّ الله تعالى أجابني في الشريف ما سألته، فقال: يا أبا عبد الله!.. ليس العلم بالتعلّم، إنما هو نورٌ يقع في قلب مَن يريد الله تبارك وتعالى أن يهديه، فإن أردت العلم فاطلب أولا في نفسك حقيقة العبودية، واطلب العلم باستعماله واستفهم الله يفهمك.
قلت: يا شريف!.. فقال: قل: يا أبا عبد الله، قلت: يا أبا عبد الله!.. ما حقيقة العبودية؟.. قال: ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله الله مِلكاً، لأنّ العبيد لا يكون لهم مِلكٌ، يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله به .. ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيرا .. وجملة اشتغاله فيما أمره تعالى به ونهاه عنه. فإذا لم يرَ العبد لنفسه فيما خوّله الله تعالى مُلكاً، هان عليه الإنفاق فيما أمره الله تعالى أن ينفق فيه، وإذا فوّض العبد تدبير نفسه على مدبّره، هان عليه مصائب الدنيا، وإذا اشتغل العبد بما أمره الله تعالى ونهاه، لا يتفرّغ منهما إلى المراء والمباهاة مع الناس .. فإذا أكرم الله العبد بهذه الثلاثة هانت عليه الدنيا، وإبليس والخلق، ولا يطلب الدنيا تكاثراً وتفاخراً، ولا يطلب ما عند الناس عزّاً وعلوّاً، ولا يدع أيامه باطلاً .. فهذا أول درجة التقى، قال الله تبارك وتعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) قلت: يا أبا عبد الله!.. أوصني، قال: أوصيك بتسعة أشياء، فإنها وصيتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى، والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله، ثلاثةٌ منها في رياضة النفس، وثلاثةٌ منها في الحلم، وثلاثةٌ منها في العلم، فاحفظها وإياك والتهاون بها، ففرّغت قلبي له، فقال: أما اللواتي في الرياضة: فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه!.. فإنه يورث الحماقة والبله، ولا تأكل إلا عند الجوع، وإذا أكلت فكل حلالا وسمّ الله، واذكر حديث الرسول (ص): ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرّاً من بطنه، فإن كان ولا بدّ فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنَفَسه. وأما اللواتي في الحلم: فمَن قال لك: إن قلت واحدةً سمعت عشراً فقل: إن قلت عشراً لم تسمع واحدة، ومَن شتمك فقل له: إن كنت صادقا فيما تقول فأسأل الله أن يغفر لي، وإن كنت كاذبا فيما تقول، فالله أسأل أن يغفر لك، ومَن وعدك بالخنى فعده بالنصيحة والرعاء. وأما اللواتي في العلم: فاسأل العلماء ما جهلت، وإياك أن تسألهم تعنّتاً وتجربةً، وإياك أن تعمل برأيك شيئا، وخذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلا!.. واهرب من الفتيا هربك من الأسد، ولا تجعل رقبتك للناس جسرا، قم عني يا أبا عبد الله!.. فقد نصحت لك، ولا تفسد عليّ وردي، فإني امرؤٌ ضنينٌ بنفسي، والسلام على مَن اتبع الهدى.

قال رسول الله (ص): إنّ موسى (ع) لقي الخضر (ع) فقال: أوصني، فقال: يا طالب العلم!.. إنّ القائل أقلُّ ملالةً من المستمع، فلا تملّ جلساءك إذا حدثتهم، واعلم أنّ قلبك وعاءٌ فانظر ماذا تحشو به وعاءك؟.. واعرف الدنيا وانبذها وراءك، فإنها ليست لك بدار، ولا لك فيها محل قرار، وإنها جُعلت بُلغةً للعباد ليتزوّدوا منها للمعاد. يا موسى!.. وطّن نفسك على الصبر تلقى الحلم، واشعر قلبك بالتقوى تنل العلم، ورضّ نفسك على الصبر تخلص من الإثم. يا موسى!.. تفرّغ للعلم إن كنت تريده، فإنما العلم لمن تفرّغ له، ولا تكوننّ مكثاراً بالمنطق مهذاراً، إنّ كثرة المنطق تشين العلماء، وتبدي مساوي السخفاء ولكن عليك بذي اقتصاد، فإنّ ذلك من التوفيق والسداد. وأعرض عن الجهّال واحلم عن السفهاء، فإنّ ذلك فضل الحلماء وزين العلماء. وإذا شتمك الجاهل فاسكت عنه سلما، وجانبه حزما، فإنّ ما بقي من جهله عليك وشتمه إياك أكثر. يا بن عمران!.. لا تفتحنّ بابا لا تدري ما غلقه، ولا تغلقنّ بابا لا تدري ما فتحه. يا بن عمران!.. من لا ينتهي من الدنيا نُهمته، ولا تنقضي فيها رغبته، كيف يكون عابدا؟.. ومن يحقر حاله ويتّهم الله بما قضى له، كيف يكون زاهدا؟.. يا موسى!.. تعلّم ما تعلّم لتعمل به، ولا تعلّم لتحدّث به فيكون عليك بوره، ويكون على غيرك نوره.

فضل الهداية والتعليم والعلماء، وذم إضلال الناس

قال رسول الله (ص): أشدّ من يتم اليتيم الذي انقطع عن أبيه، يتم يتيم انقطع عن إمامه ولا يقدر على الوصول إليه، ولا يدري كيف حكمه فيما يُبتلى به من شرائع دينه .. ألا فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا، وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيمٌ في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلّمه شريعتنا، كان معنا في الرفيق الأعلى.

قال أمير المؤمنين (ع): من كان من شيعتنا عالماً بشريعتنا، فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به، جاء يوم القيامة وعلى رأسه تاجٌ من نور يضيء لأهل جميع العرصات، وعليه حلّةٌ لا يقوم لأقل سلك منها الدنيا بحذافيرها، ثم ينادي مناد: يا عباد الله!.. هذا عالم من تلامذة بعض علماء آل محمد، ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله فليتشبّث بنوره، ليخرجه من حيرة ظلمة هذه العرصات إلى نزه الجنان، فيخرج كل من كان علّمه في الدنيا خيرا، أو فتح عن قلبه من الجهل قفلاً، أو أوضح له عن شبهة.

قال العسكري (ع): حضرت امرأةٌ عند الصدّيقة فاطمة الزهراء (ع) فقالت: إنّ لي والدة ضعيفة، وقد لبس عليها في أمر صلاتها شيءٌ، وقد بعثتني إليك أسألك، فأجابتها فاطمة (ع) عن ذلك، فثنّت فأجابت، ثم ثلّثت إلى أن عشّرت، فأجابت ثم خجلت من الكثرة فقالت: لا أشقّ عليك يا بنة رسول الله .قالت فاطمة (ع): هاتي وسلي عمّا بدا لك!.. أرأيت من أكترى يوما يصعد إلى سطح بحملٍ ثقيلٍ وكراه مائة ألف دينار يثقل عليه؟.. فقالت: لا، فقالت: اكتريتُ أنا لكل مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤا، فأحرى أن لا يثقل عليّ .. سمعت أبي (ص) يقول: إنّ علماء شيعتنا يحشرون، فيُخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدّهم في إرشاد عباد الله، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف حلّة من نور، ثم ينادي منادي ربنا عزّ وجلّ :أيها الكافلون لأيتام محمد (ص)!.. الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمتهم، هؤلاء تلامذتكم والأيتام الذين كفلتموهم ونعشتموهم، فاخلعوا عليهم خلع العلوم في الدنيا .يخلعون على كل واحد من أولئك الأيتام على قدر ما أخذوا عنهم من العلوم، حتى أنّ فيهم - يعني في الأيتام - لمن يخلع عليه مائة ألف خلعة وكذلك يخلع هؤلاء الأيتام على من تعلّم منهم .. ثم إنّ الله تعالى يقول: أعيدوا على هؤلاء العلماء الكافلين للأيتام حتى تتمّوا لهم خلعهم، وتضعّفوها لهم، فيتمّ لهم ما كان لهم قبل أن يخلعوا عليهم، ويضاعف لهم، وكذلك من يليهم ممن خلع على من يليهم .. وقالت فاطمة (ع): يا أمة الله!.. إنّ سلكةً من تلك الخلع لأفضل مما طلعت عليه الشمس ألف ألف مرة، وما فضل فإنه مشوب بالتنغيص والكدر.

قال السجاد (ع): أوحى الله تعالى إلى موسى: حبّبني إلى خلقي، وحبّب خلقي إليّ، قال: يا رب!.. كيف أفعل؟.. قال: ذكّرهم آلائي ونعمائي ليحبّوني، فلئن تردّ آبقاً عن بابي، أو ضالاً عن فنائي أفضل لك من عبادة مائة سنة بصيام نهارها وقيام ليلها .. قال موسى: ومَن هذا العبد الآبق منك؟.. قال: العاصي المتمرد، قال: فمَن الضالّ عن فنائك؟.. قال: الجاهل بإمام زمانه تعرّفه، والغائب عنه بعد ما عرفه، الجاهل بشريعة دينه تعرّفه شريعته وما يعبد به ربه، ويتوصل به إلى مرضاته .. قال السجاد (ع): فأبشروا علماء شيعتنا بالثواب الأعظم والجزاء الأوفر.

قال الباقر (ع): العالم كمن معه شمعةٌ تضيء للناس، فكلّ من أبصر شمعته دعا له بخير، كذلك العالم مع شمعة تزيل ظلمة الجهل والحيرة، فكلّ مَن أضاءت له فخرج بها من حيرة، أو نجا بها من جهل، فهو من عتقائه من النار، والله يعوّضه عن ذلك بكلّ شعرة لمن أعتقه ما هو أفضل له من الصدقة بمائة ألف قنطار، على غير الوجه الذي أمر الله عزّ وجلّ به، بل تلك الصدقة وبال على صاحبها، لكن يعطيه الله ما هو أفضل من مائة ألف ركعة بين يدي الكعبة.

قال الصادق (ع): علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلّط عليهم إبليس وشيعته النواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة، لأنه يدفع عن أديان محبّينا، وذلك يدفع عن أبدانهم.

قال الكاظم (ع): فقيهٌ واحدٌ ينقذ يتيماً من أيتامنا المنقطعين عنا وعن مشاهدتنا بتعليم ما هو محتاج إليه، أشدّ على إبليس من ألف عابد، لأنّ العابد همّه ذات نفسه فقط، وهذا همّه مع ذات نفسه ذات عباد الله وإمائه لينقذهم من يد إبليس ومردته، فذلك هو أفضل عند الله من ألف ألف عابد، وألف ألف عابدة.

قال الرضا (ع): يقال للعابد يوم القيامة: نِعْمَ الرجل كنت!.. همتك ذات نفسك، وكفيت الناس مؤونتك فادخل الجنة .. ألا إنّ الفقيه من أفاض على الناس خيره، وأنقذهم من أعدائهم، ووفّر عليهم نعم جنان الله، وحصل لهم رضوان الله تعالى. ويقال للفقيه: يا أيها الكافل لأيتام آل محمد!.. الهادي لضعفاء محبيهم ومواليهم، قف حتى تشفع لمن أخذ عنك، أو تعلّم منك، فيقف فيدخل الجنة معه فئاما وفئاما وفئاما حتى قال عشرا، وهم الذين أخذوا عنه علومه، وأخذوا عمّن أخذ عنه، وعمّن أخذ عمّن أخذ عنه إلى يوم القيامة، فانظروا كم فرق بين المنزلتين؟!..

قال الجواد (ع): مَن تكفّل بأيتام آل محمد المنقطعين عن إمامهم، المتحيّرين في جهلهم، الأُسراء في أيدي شياطينهم، وفي أيدي النواصب من أعدائنا فاستنقذهم منهم، وأخرجهم من حيرتهم، وقهر الشياطين بردّ وساوسهم، وقهر الناصبين بحجج ربهم ودليل أئمتهم، ليفضلون عند الله تعالى على العباد بأفضل المواقع بأكثر من فضل السماء على الأرض والعرش والكرسي والحجب على السماء .. و فضلهم على هذا العابد كفضل القمر ليلة البدر على أخفى كوكب في السماء.

قال الهادي (ع): لولا من يبقى بعد غيبة قائمنا (ع) من العلماء الداعين إليه، والدالّين عليه، والذابّين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاح النواصب، لما بقي أحدٌ إلا ارتدّ عن دين الله، ولكنهم الذين يُمسكون أزمّة قلوب ضعفاء الشيعة، كما يمسك صاحب السفينة سكّانها، أولئك هم الأفضلون عند الله عزّ وجلّ.

قال العسكري (ع): إنّ من محبّي محمد وآل محمد - صلوات الله عليهم - مساكين، مواساتهم أفضل من مواساة مساكين الفقراء، وهم الذين سكنت جوارحهم، وضعفت قواهم عن مقابلة أعداء الله الذين يعيرونهم بدينهم، ويسفّهون أحلامهم، ألا فمن قوّاهم بفقهه وعلمه حتى أزال مسكنتهم، ثم سلّطهم على الأعداء الظاهرين النواصب، وعلى الأعداء الباطنين إبليس ومردته، حتى يهزموهم عن دين الله، ويذودوهم عن أولياء آل رسول الله (ص) حوّل الله تعالى تلك المسكنة إلى شياطينهم فأعجزهم عن إضلالهم، قضى الله تعالى بذلك قضاء حقّ على لسان رسول الله (ص).

اختصم إلى فاطمة (ع) امرأتان، فتنازعتا في شيء من أمر الدين، إحداهما معاندة والأخرى مؤمنة، ففتحت على المؤمنة حجّتها فاستظهرت على المعاندة ففرحت فرحا شديدا .. فقالت فاطمة (ع): إنّ فرح الملائكة باستظهارك عليها أشدّ من فرحك، وإنّ حزن الشيطان ومردته بحزنها أشدّ من حزنها، وإنّ الله تعالى قال لملائكته: أوجبوا لفاطمة بما فتحت على هذه المسكينة الأسيرة من الجنان ألف ألف ضعف مما كنت أعددت لها، واجعلوا هذه سنّةً في كل من يفتح على أسير مسكين، فيغلب معاندا مثل ألف ألف ما كان معدّاً له من الجنان.

قال الحسين (ع) لرجل: أيهما أحبّ إليك: رجلٌ يروم قتل مسكين قد ضَعُف، أتنقذه من يده؟.. أو ناصبٌ يريد إضلال مسكين من ضعفاء شيعتنا تفتح عليه ما يمتنع به ويفحمه ويكسره بحجج الله تعالى؟.. قال: بل إنقاذ هذا المسكين المؤمن من يد هذا الناصب، إنّ الله تعالى يقول: (مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) أي ومن أحياها وأرشدها من كفر إلى إيمان، فكأنما أحيا الناس جميعا من قبل أن يقتلهم بسيوف الحديد.

قال السجاد (ع) لرجل: أيهما أحب إليك: صديقٌ كلما رآك أعطاك بدرة دنانير، أو صديقٌ كلما رآك نصرك لمصيدة من مصائد الشيطان، وعرّفك ما تبطل به كيدهم، وتخرق شبكتهم، وتقطع حبائلهم؟.. قال: بل صديقٌ كلما رآني علّمني كيف أخزي الشيطان عن نفسي فأدفع عني بلاءه .. قال: فأيهما أحب إليك: استنقاذك أسيراً مسكينا من أيدي الكافرين، أو استنقاذك أسيرا مسكينا من أيدي الناصبين؟.. قال: يا بن رسول الله!.. سل الله أن يوفقني للصواب في الجواب، قال: اللهم وفقه!.. قال: بل استنقاذي المسكين الأسير من يدي الناصب، فإنه توفير الجنة عليه وإنقاذه من النار، وذلك توفير الروح عليه في الدنيا، ودفع الظلم عنه فيها، والله يعوّض هذا المظلوم بأضعاف ما لحقه من الظلم، وينتقم من الظالم بما هو عادل بحكمه، قال (ع): وُفّقت، لله أبوك!.. أخذتهَ من جوف صدري، لم تخرم مما قاله رسول الله (ص) حرفا واحدا.

سئل الباقر (ع): إنقاذ الأسير المؤمن من محبينا من يد الناصب، يريد أن يضلّه بفضل لسانه وبيانه أفضل، أم إنقاذ الأسير من أيدي أهل الروم؟.. قال الباقر (ع): أخبرني أنت عمّن رأى رجلاً من خيار المؤمنين يغرق وعصفورة تغرق لا يقدر على تخليصهما، بأيهما اشتغل فاته الآخر، أيهما أفضل أن يخلّصه؟.. قال: الرجل من خيار المؤمنين، قال (ع): فبُعد ما سألت في الفضل أكثر من بُعد ما بين هذين، إنّ ذاك يوفّر عليه دينه وجنان ربه، وينقذه من نيرانه، وهذا المظلوم إلى الجنان يصير.

قال الرضا (ع): أفضل ما يقدّمه العالم من محبينا وموالينا أمامه ليوم فقره وفاقته وذلّه ومسكنته، أن يغيث في الدنيا مسكينا من محبينا من يد ناصب عدو لله ولرسوله، يقوم من قبره والملائكة صفوف من شفير قبره إلى موضع محلّه من جنان الله، فيحملونه على أجنحتهم ويقولون: طوباك طوباك، يا دافع الكلاب عن الأبرار!.. ويا أيها المتعصّب للأئمة الأخيار!...

قال الصادق (ع): إذا كان يوم القيامة، جمع الله عزّ وجلّ الناس في صعيد واحد، ووُضعت الموازين فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء.

قال أمير المؤمنين (ع): لما كلّم الله موسى بن عمران (ع) قال موسى: إلهي!.. ما جزاء من دعا نفسا كافرة إلى الإسلام؟.. قال: يا موسى!.. آذن له في الشفاعة يوم القيامة لمن يريد.

قال الصادق (ع): كان فيما أوصى به رسول الله (ص) علياّ: يا عليّ!.. ثلاث من حقائق الإيمان: الإنفاق من الإقتار، وإنصاف الناس من نفسك، وبذل العلم للمتعلّم.

قال الصادق (ع): إذا كان يوم القيامة بعث الله عزّ وجلّ العالم والعابد، فإذا وقفا بين يدي الله عزّ وجلّ قيل للعابد: انطلق إلى الجنة، وقيل للعالم: قف!.. تشفّع للناس بحسن تأديبك لهم.

قال رسول الله (ص): إنّ الله عزّ وجلّ يجمع العلماء يوم القيامة ويقول لهم: لم أضع نوري وحكمتي في صدروكم، إلا وأنا أريد بكم خير الدنيا والآخرة، اذهبوا فقد غفرت لكم ما كان منكم.

قال الصادق (ع): معلّم الخير تستغفر له دواب الأرض وحيتان البحر، وكل صغيرة وكبيرة في أرض الله وسمائه.

قال رسول الله (ص): يجيء الرجل يوم القيامة وله من الحسنات كالسحاب الركام أو كالجبال الرواسي، فيقول: يا رب!.. أنّى لي هذا ولم أعملها؟.. فيقول: هذا علمك الذي علّمته الناس، يُعمل به من بعدك.

قال الباقر (ع): لا تخاصموا الناس، فإنّ الناس لو استطاعوا أن يحبّونا لأحبّونا.

قلت للصادق (ع): أسألك أصلحك الله؟.. قال: نعم، قلت: كنت على حال وأنا اليوم على حالٍ أخرى .. كنت أدخل الأرض، فأدعو الرجل والإثنين والمرأة فينقذ الله من يشاء، وأنا اليوم لا أدعو أحدا، فقال: وما عليك أن تخلّي بين الناس وبين ربهم؟.. فمن أراد الله أن يخرجه من ظلمة إلى نور أخرجه، ثم قال: لاعليك إن آنست من أحد خيرا أن تنبذ إليه الشيء نبذا، فقلت: أخبرني عن قول الله: (ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) قال: من حرق أو غرق أو غدر، ثم سكت فقال: تأويلها الأعظم أن دعاها فاستجابت له.

قال الكاظم (ع): أبلغ خيرا وقل خيرا، ولا تكوننّ إمَّعة، قال: وما الإمعة؟.. قال: لا تقولنّ: أنا مع الناس، وأنا كواحد من الناس، إنّ رسول الله (ص) قال: أيها الناس!.. إنما هما نجدان: نجد خير ونجد شر، فما بال نجد الشر أحبّ إليكم من نجد الخير؟..

قال أحدهم: لقيني الصادق (ع) في بعض طرق المدينة، فقال لي: يا حارث!.. فقلت: نعم، فقال: أما لتحملّنّ ذنوب سفهائكم على علمائكم ثم مضى .. ثم أتيته فاستأذنت عليه فقلت: جعلت فداك!.. لِمَ قلت: لتحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم؟.. فقد دخلني من ذلك أمر عظيم فقال: نعم، ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهونه، مما يدخل به علينا الأذى والعيب عند الناس، أن تأتوه فتؤنّبوه وتعظوه وتقولوا له قولا بليغا فقلت له: إذا لا يقبل منا ولا يطيعنا، فقال: فإذاً فاهجروه عند ذلك، واجتنبوا مجالسته.

قال رسول الله (ص): إذا مات المؤمن انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.

قال أمير المؤمنين (ع): ما أخذ الله ميثاقا من أهل الجهل بطلب تبيان العلم حتى أخذ ميثاقا من أهل العلم ببيان العلم للجهّال، لأن العلم قبل الجهل.

قال السجاد (ع) في قوله تعالى (ولكم في القصاص حيوة يا أولي الألباب لعلكم تتقون): عباد الله!.. هذا قصاص قتلكم لمن تقتلونه في الدنيا وتفنون روحه، أوَلا أنبؤكم بأعظم من هذا القتل، وما يوجب الله على قاتله ما هو أعظم من هذا القصاص؟.. قالوا: بلى يا بن رسول الله!.. قال: أعظم من هذا القتل أن تقتله قتلا لا ينجبر ولا يحيا بعده أبدا، قالوا: ما هو؟.. قال :أن يضله عن نبوة محمد (ص) وعن ولاية علي بن أبي طالب (ع) ويسلك به غير سبيل الله، ويغويه باتباع طريق أعداء علي (ع) والقول بإمامتهم، ودفع علي (ع) عن حقه وجحد فضله، فهذا هو القتل الذي هو تخليد هذا المقتول في نار جهنم، فجزاء هذا القتل مثل ذلك الخلود في نار جهنم.

قال رسول الله (ص): ساعةٌ من عالم يتكئ على فراشه ينظر في عمله، خيرٌ من عبادة العابد سبعين عاما.

قال رسول الله (ص): فضل العالم على العابد سبعين درجة، بين كل درجتين حضر الفرس سبعين عاما، وذلك أنّ الشيطان يدع البدعة للناس، فيبصرها العالم فينهى عنها، والعابد مقبل على عبادته لا يتوجه لها ولا يعرفها.

قال رسول الله (ص): ألا أُحدّثكم عن أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم يوم القيامة الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله على منابر من نور، فقيل: من هم يا رسول الله؟!.. قال: هم الذين يحبّبون عباد الله إلى الله، ويحبّبون عباد الله إليّ، قال: يأمرونهم بما يحب الله، وينهونهم عمّا يكره الله، فإذا أطاعوهم أحبهم الله.

قال رسول الله (ص): إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا، ولكن ينتزعه بموت العلماء حتى إذا لم يبق منهم أحدٌ، اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فافتوا الناس بغير علم فضلّوا وأضلّوا.

قال رسول الله (ص): من يشفع شفاعة حسنة، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، أو دلّ على خير، أو أشار به فهو شريكٌ .. ومَن أمر بسوء أو دلّ عليه، أو أشار به فهو شريكٌ.

قال أمير المؤمنين (ع): لم يمت مَن ترك أفعالا تقتدي بها من الخير، ومَن نشر حكمةً ذُكر بها.

قال رسول الله (ص): رحم الله خلفائي، فقيل: يا رسول الله، ومَن خلفاؤك؟.. قال: الذين يحيون سنّتي ويعلّمونها عباد الله.

قال رسول الله (ص): إنّ مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء، يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا طُمست أوشك أن تضلّ الهداة.

قال رسول الله (ص): يقول الله عزّ وجلّ للعلماء يوم القيامة: إني لم أجعل علمي وحكمي فيكم، إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم، ولا أبالي.

قال رسول الله (ص): ما تصدّق الناس بصدقة مثل علم يُنشر.

قال رسول الله (ص): ما أهدى المرء المسلم على أخيه هدية، أفضل من حكمة يزيده الله بها هدىً، ويردّه عن ردى.

الإخلاص في طلب العلم، والعمل به

قال الصادق (ع): يا حفص!.. ما أنزلت الدنيا من نفسي إلا بمنزلة الميتة إذا اضطررتُ إليها أكلت منها .يا حفص!.. إنّ الله تبارك وتعالى علم ما العباد عليه عاملون وإلى ما هم صائرون، فحلم عنهم عند أعمالهم السيئة لعلمه السابق فيهم، فلا يغرّنك حسن الطلب ممن لا يخاف الفوت، ثم تلا قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ) وجعل يبكي ويقول: ذهبت والله الأماني عند هذه الآية .. ثم قال: فاز والله الأبرار، تدري مَن هم؟.. هم الذين لا يؤذون الذرّ، كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا .يا حفص!.. إنه يُغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يُغفر للعالم ذنبٌ واحدٌ، ومَن تعلّم وعمل وعلّم لله، دُعي في ملكوت السموات عظيما، فقيل: تعلّم لله، وعمل لله، وعلّم لله، قلت: جُعلت فداك!.. فما حدّ الزهد في الدنيا؟.. فقال: فقد حدّ الله في كتابه فقال عزّ وجلّ: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) إنّ أعلم الناس بالله أخوفهم لله، وأخوفهم له أعلمهم به، وأعلمهم به أزهدهم فيها، فقال له رجل: يا بن رسول الله!.. أوصني، فقال: اتق الله حيث كنت، فإنك لا تستوحش.

قال السجاد (ع): مكتوبٌ في الإنجيل: لا تطلبوا علم ما لا تعملون ولمّا عملتم بما علمتم، فإنّ العلم إذا لم يُعمل به لم يزدد من الله إلا بُعدا.

قال الصادق (ع): أبلغ موالينا عنا السلام وأخبرهم أنا لا نغني عنهم من الله شيئا إلا بعمل، وأنهم لن ينالوا ولايتنا إلا بعمل أو ورع، وأنّ أشدّ الناس حسرة يوم القيامة مَن وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره.

قال أمير المؤمنين (ع): الدنيا كلها جهلٌ إلا مواضع العلم .. والعلم كله حجةٌ إلا ما عمل به .. والعمل كله رياءٌ إلا ما كان مخلصاً .. والإخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يُختم له.

قال الرضا (ع): رحم الله عبدا أحيا أمرنا، فقلت له: وكيف يُحيي أمركم؟.. قال: يتعلّم علومنا ويعلّمها الناس، فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا، قلت: يا بن رسول الله!.. فقد روي لنا عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: مَن تعلّم علما ليماري به السفهاء، أو يباهي به العلماء، أو ليقبل بوجوه الناس إليه فهو في النار .فقال (ع): صدق جدي (ع) أفتدري من السفهاء؟.. فقلت: لا يا بن رسول الله، قال: هم قصّاص مخالفينا، وتدري مَن العلماء؟.. فقلت :لا يا بن رسول الله، فقال: هم علماء آل محمد (ع) الذين فرض الله طاعتهم وأوجب مودتهم، ثم قال: وتدري ما معنى قوله: أو ليقبل بوجوه الناس إليه؟.. قلت: لا، قال: يعني والله بذلك ادّعاء الإمامة بغير حقها، ومن فعل ذلك فهو في النار.

قال رسول الله (ص): طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة .. أي علم التقوى واليقين.

قال أمير المؤمنين (ع): اطلبوا العلم ولو بالصين، وهو علم معرفة النفس، وفيه معرفة الرب عزّ وجلّ.

قال الصادق (ع): من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصّره عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه الله من الدنيا سالما إلى دار السلام.

قال رسول الله (ص): من طلب العلم لله لم يصب منه بابا إلا ازداد في نفسه ذلا، وفي الناس تواضعا، ولله خوفا، وفي الدين اجتهادا، وذلك الذي ينتفع بالعلم فليتعلّمه. ومن طلب العلم للدنيا والمنزلة عند الناس والحظوة عند السلطان، لم يصب منه بابا إلا ازداد في نفسه عظمةً، وعلى الناس استطالةً، وبالله اغترارا، ومن الدين جفاءً، فذلك الذي لا ينتفع بالعلم، فليكفّ وليمسك عن الحجّة على نفسه، والندامة والخزي يوم القيامة.

قال رسول الله (ص): منهومان لا يشبعان: منهومٌ في الدنيا لا يشبع منها، ومنهومٌ في العلم لا يشبع منه .. فمن اقتصر من الدنيا على ما أحلّ الله له سلم ومَن تناولها من غير حلّها هلك، إلا أن يتوب ويراجع.. ومَن أخذ العلم من أهله وعمل به نجا، ومَن أراد به الدنيا هلك وهو حظه .العلماء عالمان: عالمٌ عمل بعلمه فهو ناجٍ، وعالمٌ تاركٌ لعلمه فقد هلك، وإنّ أهل النار ليتأذّون من نتن ريح العالم التارك لعلمه، وإنّ أشدّ أهل النار ندامةً وحسرةً رجلٌ دعا عبدا إلى الله فاستجاب له فأطاع الله فدخل الجنة، وأدخل الداعي إلى النار بتركه علمه، واتباعه هواه، وعصيانه لله .. إنما هما اثنان: اتباع الهوى، وطول الأمل .. فأما اتباع الهوى فيصدّ عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة.

قال رسول الله (ص): من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه .. وما آتى الله عبدا علما فازداد للدنيا حبّا، إلا ازداد من الله تعالى بعدا، وازداد الله تعالى عليه غضبا .

قال أمير المؤمنين (ع) في بعض الخطب: واقتدوا بهدى نبيكم فإنه أفضل الهدى، واستنّوا بسنّته فإنها أهدى السنن، وتعلّموا القرآن فإنه أحسن الحديث، وتفقّهوا فيه فإنه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره فإنه شفاء الصدور، وأحسنوا تلاوته فإنه أنفع القصص، فإنّ العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله، بل الحجة عليه أعظم، والحسرة له ألزم، وهو عند الله ألوم.

قال رسول الله (ص): العلم علمان: علمٌ في القلب فذلك العلم النافع .. وعلمٌ في اللسان فذلك حجةٌ على العباد.

قال أمير المؤمنين (ع): لو أنّ حملة العلم حملوه بحقه، لأحبهم الله وملائكته وأهل طاعته من خلقه، ولكنهم حملوه لطلب الدنيا، فمقتهم الله وهانوا على الناس.

قال أمير المؤمنين (ع) لكميل بن زياد: ولا عليك إذا عرّفك الله دينه، أن لا تعرف الناس ولا يعرفوك.

قال رسول الله (ص): العلم الذي لا يُعمل به كالكنز الذي لا يُنفق منه، أتعب صاحبه نفسه في جمعه، ولم يصل إلى نفعه.

روي عنهم (ع): قال المسيح (ع): مَن علم وعمل، فذاك يُدعى عظيما في ملكوت السماء.

قال رسول الله (ص): لا تعلّموا العلم لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، ولتصرفوا وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله، فإنه يدوم ويبقى وينفد ما سواه .. كونوا ينابيع الحكمة، مصابيح الهدى، أحلاس (أي ما يبسط في البيت على الأرض) البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تُعرفون في أهل السماء، وتخفون في أهل الأرض.

روي عنهم (ع): قال عيسى (ع): ويلٌ لعلماء السوء تصلى عليهم النار!.. ثم قال: اشتدت مؤونة الدنيا ومؤونة الآخرة: أما مؤونة الدنيا فإنك لا تمد يدك إلى شيء منها إلا فاجرٌ قد سبقك إليه .. وأما مؤونة الأخرة فإنك لا تجد أعوانا يعينونك عليها.

قال الصادق (ع): إنّ العالم إذا لم يعمل بعلمه، زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ المطر عن الصفا.

قال الصادق (ع): كان لموسى بن عمران (ع) جليسٌ من أصحابه قد وعى علما كثيرا، فاستأذن موسى في زيارة أقارب له، فقال له موسى: إنّ لصلة القرابة لحقّاً، ولكن إياك أن تركن إلى الدنيا!.. فإنّ الله قد حمّلك علما فلا تضيّعه وتركن إلى غيره، فقال الرجل: لا يكون إلا خيرا، ومضى نحو أقاربه فطالت غيبته، فسأل موسى (ع) عنه فلم يخبره أحدٌ بحاله.. فسأل جبرائيل (ع) عنه فقال له: أخبرني عن جليسي فلان، أَلَكَ به علمٌ؟.. قال: نعم، هو ذا على الباب قد مُسخ قردا في عنقه سلسلة، ففزع موسى (ع) إلى ربه وقام إلى مصلاّه يدعو الله، ويقول: يا رب!.. صاحبي وجليسي فأوحى الله إليه يا موسى!.. لو دعوتني حتى ينقطع ترقوتاك ما استجبت لك فيه، إني كنت حمّلته علما فضيّعه وركن إلى غيره.

حقوق العلماء

قال الصادق (ع): إني لأرحم ثلاثةً وحقٌّ لهم أن يُرحموا: عزيزٌ أصابته مذلةٌ بعد العزّ، وغنيٌّ أصابته حاجةٌ بعد الغنى، وعالمٌ يستخفّ به أهله والجهلة.

قال الصادق (ع): ثلاثة يشكون إلى الله عزّ وجل: مسجدٌ خرابٌ لا يصلي فيه أهله .. وعالمٌ بين جهّال .. ومصحفٌ معلّقٌ قد وقع عليه غبارٌ لا يُقرأ فيه.

قال الرضا (ع): ثلاثةٌ موكّل بها ثلاثةٌ: تحامل الأيام على ذوي الأدوات الكاملة، واستيلاء الحرمان على المتقدّم في صنعته، ومعاداة العوام على أهل المعرفة.

قال السجاد (ع): وحقّ سائسك بالعلم: التعظيم له، والتوقير لمجلسه، وحسن الاستماع إليه، والإقبال عليه، وأن لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيب أحدا يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدّث في مجلسه أحدا، ولا تغتاب عنده أحدا، وأن تدفع عنه إذا ذُكر عندك بسوء، وأن تستر عيوبه، وتظهر مناقبه، ولا تجالس له عدوا، ولا تعادي له وليا، فإذا فعلت ذلك شهد لك ملائكة الله بأنك قصدته، وتعلّمت علمه لله جلّ اسمه لا للناس.

قال رسول الله (ص): غريبتان فاحتملوهما: كلمة حكمة من سفيه فاقبلوها، وكلمة سفه من حكيم فاغفروها.

قال أمير المؤمنين (ع): إنّ من حق العالم أن لا تكثر عليه السؤال، ولا تجرّ بثوبه، وإذا دخلت عليه وعنده قوم فسلّم عليهم جميعا، وخصّه بالتحية دونهم، واجلس بين يديه، ولا تجلس خلفه، ولا تغمز بعينيك، ولا تشر بيدك، ولا تكثر من قول قال فلان وقال فلان خلافا لقوله، ولا تضجر بطول صحبته، فإنما مثل العالم مثل النخلة، ينتظر بها متى يسقط عليك منها شيءٌ، والعالم أعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمةٌ، لا يسدها شيءٌ إلى يوم القيامة.

قال أمير المؤمنين (ع): إذا جلست إلى العالم، فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلّم حسن الاستماع كما تعلّم حسن القول، ولا تقطع حديثه.

قال الصادق (ع): من أكرم فقيها مسلما لقي الله يوم القيامة وهو عنه راض، ومن أهان فقيها مسلما لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان.

قال رسول الله (ص): من علّم شخصا مسألةً فقد ملك رقبته، فقيل له: يا رسول الله!.. أيبيعه؟.. فقال: لا، ولكن يأمره وينهاه.

قال أمير المؤمنين (ع): لا تجعلنّ ذرب (أي حدّة) لسانك على من أنطقك، وبلاغة قولك على من سدّدك.

قال رسول الله (ص): ليس من أخلاق المؤمن الملق، إلا في طلب العلم.

صفات العلماء وأصنافهم

قال أمير المؤمنين (ع): طلبة هذا العلم على ثلاثة أصناف، ألا فاعرفوهم بصفاتهم وأعيانهم: صنفٌ منهم يتعلّمون للمراء والجهل، وصنفٌ منهم يتعلّمون للاستطالة والختل، وصنفٌ منهم يتعلّمون للفقه والعقل .فأما صاحب المراء والجهل تراه مؤذيا مماريا للرجال في أندية المقال، قد تسربل بالتخشع، وتخلّى من الورع، فدقّ الله من هذا حيزومه، وقطع منه خيشومه (كناية عن الإذلال). وأما صاحب الاستطالة والختل فإنه يستطيل على أشباهه من أشكاله، ويتواضع للأغنياء من دونهم، فهو لحلوائهم هاضمٌ، ولدينه حاطمٌ، فأعمى الله من هذا بصره، وقطع من آثار العلماء أثره. وأما صاحب الفقه والعقل تراه ذا كأبة وحزن، قد قام الليل في حندسه (ظلمته) وقد انحنى في برنسه، يعمل ويخشى خائفا وجلا من كل أحد إلا من كل ثقة من إخوانه، فشدّ الله من هذا أركانه، وأعطاه يوم القيامة أمانه.

قال أمير المؤمنين (ع): الملوك حكامٌ على الناس، والعلم حاكمٌ عليهم، وحسبك من العلم أن تخشى الله، وحسبك من الجهل أن تعجب بعلمك.

قال أمير المؤمنين (ع): ألا أخبركم بالفقيه حقا؟.. قالوا: بلى يا أمير المؤمنين!.. قال: من لم يُقنّط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخّص لهم في معاصي الله، ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره.ألا لا خير في علم ليس فيه تفهّم .. ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر .. ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقّه.

قال الصادق (ع): لا يكون الرجل فقيها حتى لا يبالي أي ثوبيه ابتذل (أي لا يبالي أي ثوب لبس)؟.. وبما سدّ فورة الجوع؟..

قال الصادق (ع): الناس على أربعة أصناف: جاهل متردٍّ معانق لهواه .. وعابد متقوٍّ، كلما ازداد عبادة ازداد كبرا .. وعالم يريد أن يوطأ عقباه، ويحب محمدة الناس .. وعارف على طريق الحق يحب القيام به، فهو عاجز أو مغلوب، فهذا أمثل أهل زمانك وأرجحهم عقلاًً .

قال الصادق (ع): سبعةٌ يفسدون أعمالهم: الرجل الحليم ذو العلم الكثير لا يُعرف بذلك ولا يُذكر به .. والحكيم الذي يدبّر ماله كل كاذبٍ منكر لما يؤتى إليه .. والرجل الذي يأمن ذا المكر والخيانة .. والسيد الفظّ الذي لا رحمة له .. والأم التي لا تكتم عن الولد السر وتفشي عليه .. والسريع إلى لائمة إخوانه .. والذي يجادل أخاه مخاصما له.

قال أمير المؤمنين (ع): عشرة يعنّتون أنفسهم وغيرهم: ذو العلم القليل يتكلّف أن يعلّم الناس كثيرا .. والرجل الحليم ذو العلم الكثير ليس بذي فطنة .. والذي يطلب ما لا يدرك ولا ينبغي له.. والكادّ غير المتّئد: الذي ليس له مع تؤدته علمٌ .. وعالمٌ غير مريد للصلاح .. ومريدٌ للصلاح وليس بعالم .. والعالم يحب الدنيا .. والرحيم بالناس يبخل بما عنده .. وطالب العلم يجادل فيه من هو أعلم، فإذا علّمه لم يقبل منه.

قال الصادق (ع): إنّ أبا جعفر (ع) سُئل عن مسألة فأجاب فيها، فقال الرجل: إنّ الفقهاء لا يقولون هذا، فقال له أبي: ويحك!.. إنّ الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، المتمسك بسنّة النبي (ص).

قال الصادق (ع): الخشية ميراث العلم، والعلم شعاع المعرفة وقلب الإيمان، ومن حُرم الخشية لا يكون عالما، وإن شقّ الشعر في متشابهات العلم، قال الله عزّ وجلّ: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء)، وآفة العلماء ثمانية أشياء: الطمع، والبخل، والرياء، والعصبية، وحب المدح، والخوض فيما لم يصلوا إلى حقيقته، والتكلّف في تزيين الكلام بزوائد الألفاظ، وقلّة الحياء من الله، والافتخار، وترك العمل بما علموا.

روي عنهم (ع): قال عيسى بن مريم (ع): أشقى الناس من هو معروفٌ عند الناس بعلمه مجهولٌ بعمله.

قال أمير المؤمنين (ع): من نصب نفسه للناس إماما فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلّم نفسه ومؤدبها أحقّ بالإجلال من معلّم الناس ومؤدّبهم.

قال أمير المؤمنين (ع): الفقيه كل الفقيه من لم يقنّط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله.

قال أمير المؤمنين (ع): إنّ أوضع العلم ما وقف على اللسان، وأرفعه ما ظهر في الجوارح والأركان.

قال أمير المؤمنين (ع): إنّ من أحب عباد الله إليه عبدا أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن، وتجلبب الخوف، فزهر مصباح الهدى في قلبه، وأعدّ القرى (أي الضيافة) ليومه النازل به، فقرّب على نفسه البعيد، وهوّن الشديد .نظر فأبصر، وذكر فاستكثر، وارتوى من عذب فرات سهلت له موارده، فشرب نهلا، وسلك سبيلا جددا (أي الأرض المستوية) .. قد خلع سرابيل الشهوات، وتخلّى من الهموم إلا همّا واحدا انفرد به، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى، وصار من مفاتيح أبواب الهدى، ومغاليق أبواب الردى، قد أبصر طريقه، وسلك سبيله، وعرف مناره، وقطع غماره، واستمسك من العرى بأوثقها، ومن الحبال بأمتنها، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس. قد نصب نفسه لله سبحانه في أرفع الأمور من إصدار كل وارد عليه، وتصيير كل فرع إلى أصله، مصباح ظلمات، كشّاف عشوات، مفتاح مبهمات، دفّاع معضلات، دليل فلوات .يقول فيُفهم، ويسكت فيسلم، قد أخلص لله فاستخلصه، فهو من معادن دينه، وأوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل، فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحق ويعمل به، لا يدع للخير غاية إلا أمّها، ولا مظنة إلا قصدها .. قد أمكن الكتاب من زمامه، فهو قائده وإمامه، يحلّ حيث حلّ ثقله، وينزل حيث كان منزله .وآخر قد تسمّى عالما وليس به، فاقتبس جهائل من جهّال، وأضاليل من ضُلاّل ونصب للناس أشراكا من حبال غرور وقول زور، قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحق على أهوائه، يؤمن من العظائم، ويهوّن كبير الجرائم، يقول: أقف عند الشبهات وفيها وقع، ويقول: أعتزل البدع وبينها اضطجع، فالصورة صورة إنسان، والقلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه، ولا باب العمى فيصدّ عنه، فذلك ميّت الأحياء، فأين تذهبون؟.. وأنى تؤفكون؟.. والأعلام قائمة، والآيات واضحة، والمنار منصوبة .. إلى آخر الخطبة.

قال أمير المؤمنين (ع): العالم من عرف قدره، وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره .. وإنّ أبغض الرجال إلى الله العبد وكّله الله إلى نفسه جائرا عن قصد السبيل سائرا، إن دُعي إلى حرث الدنيا عمل، وإلى حرث الآخرة كسل، كأنّ ما عمل له واجبٌ عليه، وكأنّ ما ونى (أي فتر) فيه ساقطٌ عنه.

قال أمير المؤمنين (ع): زلّة العالم كانكسار السفينة، تَغرق وتُغرق.

آداب التعليم

قال الصادق (ع): من أخلاق الجاهل الإجابة قبل أن يسمع، والمعارضة قبل أن يفهم، والحكم بما لا يعلم.

روي عنهم (ع): قال عيسى بن مريم (ع): يا معشر الحواريين!.. لي إليكم حاجة فاقضوها لي، قالوا: قُضيتْ حاجتك يا روح الله، فقام فغسل أقدامهم، فقالوا: كنا نحن أحق بهذا يا روح الله، فقال: إن أحق الناس بالخدمة العالم، إنما تواضعت هكذا لكيما تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي لكم، ثم قال عيسى (ع): التواضع تعمر الحكمة لا بالتكبر، كذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل.

قال رسول الله (ص) أنه كان يدعو عند خروجه مريدا للدرس بالدعاء المروي: اللهم!.. إني أعوذ بك أن أَضلّ أو أُضَلّ، وأَزلّ أو أُزلّ، وأَظلم أو أُظلم، وأَجهل أو يُجهل عليّ .. عزّ جارك، وتقدست أسماؤك، وجلّ ثناؤك ولا إله غيرك .ثم يقول: بسم الله، حسبي الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. اللهم ثبّت جناني، وأدر الحق على لساني.

روي أن رسول الله (ص) كان إذا فرغ من حديثه، وأراد أن يقوم من مجلسه يقول: اللهم اغفر لنا ما أخطأنا وما تعمّدنا، وما أسررنا وما أعلنّا، وما أنت أعلم به منّا .. أنت المقدم وأنت المؤخّر لا إاله إالا أنت .ويقول إذا قام من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لاإله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين .

كتمان العلم

قال الصادق (ع): نَفَس المهموم لظلمنا تسبيحٌ، وهمّه لنا عبادةٌ، وكتمان سرّنا جهادٌ في سبيل الله، ثم قال الصادق (ع): يجب أن يُكتب هذا الحديث بماء الذهب.

قال الباقر (ع): محنة الناس علينا عظيمةٌ، إن دعوناهم لم يجيبونا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا.

قال الصادق (ع): يا مدرك!.. رحم الله عبدا اجترّ مودة الناس إلينا فحدّثهم بما يعرفون، وترك ما ينكرون.

قال أحدهم: كنا عند أبي الحسن الرضا (ع) وعنده يونس بن عبد الرحمن، إذ استأذن عليه قومٌ من أهل البصرة، فأومأ أبو الحسن (ع) إلى يونس: ادخل البيت، فإذا بيت مسبل عليه سترٌ، وإياك أن تتحرك حتى يؤذن لك!.. فدخل البصريون فأكثروا من الوقيعة والقول في يونس، وأبو الحسن (ع) مطرقٌ حتى لما أكثروا، فقاموا وودّعوا وخرجوا، فأذن يونس بالخروج فخرج باكيا، فقال: جعلني الله فداك!.. إني أحامي عن هذه المقالة، وهذه حالي عند أصحابي، فقال له أبو الحسن (ع): يا يونس!.. فما عليك مما يقولون إذا كان إمامك عنك راضيا .. يا يونس!.. حدّث الناس بما يعرفون، واتركهم مما لا يعرفون كأنك تريد أن تكذب على الله في عرشه. يا يونس!.. وما عليك أن لو كان في يدك اليمنى درةٌ ثم قال الناس: بعرة، أو بعرةٌ وقال الناس: درة، هل ينفعك شيئا؟.. فقلت: لا، فقال: هكذا أنت يا يونس إذا كنت على الصواب، وكان إمامك عنك راضيا، لم يضرّك ما قال الناس.

قال أمير المؤمنين (ع): قوام الدين بأربعة: بعالم ناطق مستعمل له .. وبغني لايبخل بفضله على أهل دين الله .. وبفقير لا يبيع آخرته بدنياه .. وبجاهل لا يتكبر عن طلب العلم. فإذا كتم العالم علمه، وبخل الغني بماله، وباع الفقير آخرته بدنياه، واستكبر الجاهل عن طلب العلم، رجعت الدنيا إلى ورائها القهقرى .. فلا تغرنّكم كثرة المساجد وأجساد قوم مختلفة، قيل: يا أمير المؤمنين!.. كيف العيش في ذلك الزمان؟.. فقال: خالطوهم بالبرانية - يعني في الظاهر - وخالفوهم في الباطن، للمرء ما اكتسب وهو مع مَن أحب، وانتظروا مع ذلك الفرج من الله عزّ وجلّ.

قال الصادق (ع): أربعة يذهبن ضياعا: مودةٌ تمنحها مَن لا وفاء له .. ومعروفٌ عند مَن لا يشكر له .. وعلمٌ عند مَن لا استماع له .. وسرٌّ تودعه عند مَن لاحصافة له (أي من لم يستحكم عقله).

قال الصادق (ع): إنّ أمرنا صعبٌ مستصعبٌ لا يحتمله إلا ملكٌ مقرّبٌ .. أو نبيٌّ مرسلٌ .. أو عبدٌ مؤمنٌ امتحن الله قلبه للإيمان.

قال أحدهم: دخلت على أبي عبد الله (ع)، أيام صلب المعلّى بن خنيس: فقال لي: يا حفص!.. إني أمرت المعلّى بن خنيس بأمر فخالفني فابتلى بالحديد، إني نظرت إليه يوما وهو كئيب حزين، فقلت له: ما لك يا معلّى؟!.. كأنك ذكرت أهلك ومالك وولدك وعيالك .. قال: أجل، قلت: ادن مني!.. فدنا مني، فمسحت وجهه، فقلت: أين تراك؟.. قال: أراني في بيتي، هذه زوجتي وهذا ولدي، فتركته حتى تملأ منهم، واستترت منهم حتى نال منها ما ينال الرجل من أهله، ثم قلت له: ادن مني فدنا مني، فمسحت وجهه فقلت: أين تراك؟.. فقال: أراني معك في المدينة هذا بيتك، قلت له: يا معلّى!.. إنّ لنا حديثا من حفظ علينا حفظ الله عليه دينه ودنياه، يا معلّى!.. لا تكونوا أسرى في أيدي الناس بحديثنا، إن شاؤوا منّوا عليكم وإن شاؤوا قتلوكم .. يامعلّى!.. إنه من كتم الصعب من حديثنا، جعله الله نورا بين عينيه، ورزقه الله العزة في الناس، ومن أذاع الصعب من حديثنا لم يمت حتى يعضّه السلاح أو يموت كبلا .. يا معلّى بن خنيس!.. وأنت مقتولٌ فاستعدّ.

قال رسول الله (ص): إذا ظهرت البدعة في أمتي فليُظهر العالم علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله.

قال الصادق (ع): إن العالم الكاتم علمه يُبعث أنتن أهل القيامة ريحا، تلعنه كل دابة حتى دواب الأرض الصغار.

قال الصادق (ع): إنّ الرجل ليتكلم بالكلمة، فيكتب الله بها إيمانا في قلب آخر، فيغفر لهما جميعا.

قال الصادق (ع): يا معلى!..إن التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له .. يا معلى!.. إن الله يحب أن يعبد في السر، كما يحب أن يعبد في العلانية .. يا معلى!.. إن المذيع لأمرنا كالجاحد به.

قال أحدهم: قلت لأبي عبد الله (ع): ما لنا لن تخبرنا بما يكون، كما كان علي (ع) يخبر أصحابه؟.. فقال: بلى والله، ولكن هات حديثا واحدا حدّثتكه فكتمته!.. فقال أبو بصير: فو الله ما وجدت حديثا واحدا كتمته.

قال أحدهم: قال لي أبو عبد الله (ع): يا داود!.. إذا حدّثت عنا بالحديث فاشتهرت به فأنكره.

من يؤخذ منه العلم، ومتابعة غير المعصوم، والتقليد

قال الصادق (ع): إياك والرئاسة، وإياك أن تطأ أعقاب الرجال!.. فقلت: جعلت فداك!.. أما الرئاسة فقد عرفتها، وأما أن أطأ أعقاب الرجال فما ثلثا ما في يدي إلا مما وطئت أعقاب الرجال، فقال :ليس حيث تذهب، إياك أن تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال.

قال السجاد (ع): إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديُه، وتماوت في منطقه، وتخاضع في حركاته، فرويدا لا يغرّنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها، لضعف نيته ومهانته وجبن قلبه، فنصب الدين فخاً لها، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره، فإن تمكن من حرام اقتحمه .وإذا وجدتموه يعفّ عن المال الحرام، فرويدا لا يغرّنكم، فإنّ شهوات الخلق مختلفة، فما أكثر من ينبو (أي يرجع) عن المال الحرام وإن كثر، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة، فيأتي منها محرّما .. فإذا وجدتموه يعفّ عن ذلك فرويدا لا يغرّكم حتى تنظروا ما عقده عقله، فما أكثر من ترك ذلك أجمع ثم لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه بعقله .فإذا وجدتم عقله متينا، فرويدا لا يغرّكم حتى تنظروا أمع هواه يكون على عقله، أو يكون مع عقله على هواه؟.. وكيف محبته للرئاسات الباطلة وزهده فيها؟.. فإن في الناس من خسر الدنيا والآخرة .. يترك الدنيا للدنيا، ويرى أن لذة الرئاسة الباطلة أفضل من لذة الأموال والنعم المباحة المحلّلة، فيترك ذلك أجمع طلبا للرئاسة حتى إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد .فهو يخبط خبط عشواء يقوده أول باطل إلى أبعد غايات الخسارة، ويمده ربه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه، فهو يحل ما حرّم الله ويحرّم ما أحلّ الله، لا يبالي بما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد يتّقي من أجلها، فأولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم عذابا مهينا .. ولكن الرجل كل الرجل نِعْمَ الرجل، هو الذي جعل هواه تبعا لأمر الله، وقواه مبذولة في رضى الله، يرى الذلّ مع الحق أقرب إلى عزّ الأبد من العزّ في الباطل، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرّائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفد، وإنّ كثير ما يلحقه من سرّائها إن اتبع هواه، يرديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا يزول، فذلكم الرجل نِعْمَ الرجل، فبه فتمسّكوا، وبسنّته فاقتدوا، وإلى ربكم به فتوسّلوا، فإنه لا تُردّ له دعوة، ولا تخيب له طلبة.

قال العسكري (ع): فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم، فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا لهواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم .. فأما من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة، فلا تقبلوا منهم عنا شيئا ولا كرامة، وإنما كثر التخليط فيما يتحمّل عنا أهل البيت لذلك لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرّفونه بأسره لجهلهم، ويضعون الأشياء على غير وجوهها لقلة معرفتهم، وآخرين يتعمّدون الكذب علينا، ليجرّوا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم. ومنهم قوم نصّاب لا يقدرون على القدح فينا، فيتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجّهون به عند شيعتنا، وينتقصون بنا عند نصّابنا، ثم يضيفون إليه أضعافه وأضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براءٌ منها، فيقبله المستسلمون من شيعتنا على أنه من علومنا، فضلّوا وأضلّوا، وهم أضرّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد - عليه اللعنة - على الحسين بن علي (ع) وأصحابه، فإنهم يسلبونهم الأرواح والأموال .وهؤلاء علماء السوء الناصبون المتشبّهون بأنهم لنا موالون ولأعدائنا معادون، يدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شيعتنا، فيضلّونهم ويمنعونهم عن قصد الحق المصيب، لا جرم أنّ من علم الله من قلبه من هؤلاء العوام، أنه لا يريد إلا صيانة دينه وتعظيم وليّه، لم يتركه في يد هذا المتلبّس الكافر، ولكنه يقيّض له مؤمنا يقف به على الصواب ثم يوفّقه الله للقبول منه، فيجمع الله له بذلك خير الدنيا والآخرة، ويجمع على من أضله لعن الدنيا وعذاب الآخرة .ثم قال: قال رسول الله (ص): شرار علماء أمتنا المضلّون عنا، القاطعون للطرق إلينا، المسمّون أضدادنا بأسمائنا، الملقّبون أندادنا بألقالبنا، يصلّون عليهم وهم للّعن مستحقّون، ويلعنونا ونحن بكرامات الله مغمورون، وبصلوات الله وصلوات ملائكته المقرّبين علينا عن صلواتهم علينا مستغنون .. ثم قال: قيل لأمير المؤمنين (ع): مَن خير خلق الله بعد أئمة الهدى ومصابيح الدجى؟.. قال: العلماء إذا صلحوا، قيل: ومَن شرّ خلق الله بعد إبليس وفرعون ونمرود وبعد المتسمّين بأسمائكم، وبعد المتلقبين بألقابكم، والآخذين لأمكنتكم، والمتأمرين في ممالككم؟.. قال: العلماء إذا فسدوا، هم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقائق، وفيهم قال الله عزّ وجلّ: (أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ).

روي بخط صاحب الزمان (عج): وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله.

قال الصادق (ع): أبى الله أن يجري الأشياء إلا بالأسباب، فجعل لكل سبب شرحا، وجعل لكل شرح علماً، وجعل لكل علم باباً ناطقا، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، ذلك رسول الله (ص) ونحن.

قال الباقر (ع) لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: شرّقا وغرّبا، لن تجدا صحيحا إلا شيئا يخرج من عندنا أهل البيت.

قال الصادق (ع): إنّ العلماء ورثة الأنبياء، وذلك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهما ولا دينارا، وإنما ورّثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ شيئا منها فقد أخذ حظا وافرا، فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه، فإنّ فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين، وانتهال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

قال الباقر (ع): إن لنا أوعية نملؤها علما وحكما، وليست لها بأهل فما نملؤها إ لا لتُنقل إلى شيعتنا، فانظروا إلى ما في الأوعية فخذوها، ثم صفوها من الكدورة، تأخذونها بيضاء نقية صافية، وإياكم والأوعية!.. فإنها وعاء سوء فتنكبوها.

قال الجواد (ع): من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس فقد عبد إبليس.

عن الباقر (ع) في قول الله: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) قلت: ما طعامه؟.. قال: علمه الذي يأخذه ممن يأخذه.

قال الصادق (ع): كذب من زعم أنه من شيعتنا وهو متمسك بعروة غيرنا.

سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) فقال: أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراما، وحرّموا عليهم حلالا، فعبدوهم من حيث لا يشعرون.

روي في حديث أن النبي (ص) حين أتاه عمر فقال: إنا نسمع أحاديث من اليهود تعجبنا، فترى أن نكتب بعضها؟.. فقال رسول الله (ص): أفتهوكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى؟!.. لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي. قال أبو عبيد: أمتحيّرون أنتم في الإسلام، ولا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنصارى؟.. كأنه كره ذلك منه.

سئل الباقر (ع) عن هذه الآية: (َلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)، فقال :آل محمد (ص) أبواب الله وسبيله، والدعاة إلى الجنة والقادة إليها، والأدلاء عليها إلى يوم القيامة.

قال الصادق (ع): من دخل في هذا الدين بالرجال، أخرجه منه الرجال كما أدخلوه فيه، ومن دخل فيه بالكتاب والسنّة، زالت الجبال قبل أن يزول.

قال الصادق (ع): أُمر إبليس بالسجود لآدم فقال: يا رب!.. وعزتك إن أعفيتني من السجود لآدم، لأعبدنّك عبادةً ما عبدك أحدٌ قط مثلها، قال الله جلّ جلاله: إني أحب أن أُطاع من حيث أريد.

قال السجاد (ع): مرّ موسى بن عمران - على نبينا وآله وعليه السلام - برجل وهو رافعٌ يده إلى السماء يدعو الله، فانطلق موسى في حاجته فغاب سبعة أيام، ثم رجع إليه وهو رافعٌ يده إلى السماء .فقال: يا ربّ!.. هذا عبدك رافعٌ يديه إليك، يسألك حاجته ويسألك المغفرة منذ سبعة أيام، لا تستجيب له، فأوحى الله إليه يا موسى!.. لو دعاني حتى تسقط يداه أو تنقطع يداه أو ينقطع لسانه، ما استجبت له حتى يأتيني من الباب الذي أمرته.

قال أمير المؤمنين (ع): لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: رجلٌ يزداد كل يوم إحسانا، ورجلٌ يتدارك منيته بالتوبة، وأنّى له بالتوبة، والله أن لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بمعرفة الحق.

علماء السوء

قال أمير المؤمنين (ع): الفتن ثلاث: حب النساء وهو سيف الشيطان .. وشرب الخمر وهو فخ الشيطان .. وحب الدينار والدرهم وهو سهم الشيطان، فمن أحب النساء لم ينتفع بعيشه، ومن أحب الأشربة حُرمت عليه الجنة، ومن أحب الدينار والدرهم فهو عبد الدنيا.

روي عنهم (ع): قال عيسى بن مريم (ع): الدينار داء الدين، والعالم طبيب الدين، فإذا رأيتم الطبيب يجرّ الداء إلى نفسه فاتّهموه، واعلموا أنه غير ناصح لغيره.

قال الصادق (ع): إذا رأيتم العالم محبا للدنيا فاتّهموه على دينكم، فإنّ كل محبّ يحوط ما أحبّ.

عن الباقر (ع) في قول الله عزّ وجلّ: (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) قال: هل رأيت شاعرا يتبعه أحدٌ؟.. إنما هم قومٌ تفقّهوا لغير الدين فضلّوا وأضلّوا .

قال رسول الله (ص): سيأتي على أمتي زمانٌ لا يبقى من القرآن إلا رسمه، ولا من الإسلام إلا اسمه، يسمّون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرةٌ وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شرّ فقهاء تحت ظلّ السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود.

قال رسول الله (ص): من تعلّم علما ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو يصرف به الناس إلى نفسه يقول: أنا رئيسكم، فليتبوّأ مقعده من النار، إنّ الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها، فمن دعى إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه لم ينظر الله إليه يوم القيامة.

الفتوى بغير علم

قال أمير المؤمنين (ع) لرجل وهو يوصيه: خذ مني خمسا: لا يرجونّ أحدكم إلا بربه .. ولا يخاف إلا ذنبه .. ولا يستحيي أن يتعلم ما لم يعلم .. ولا يستحيي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم .. واعلموا أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.

قال الرضا (ع) في خبر طويل: يا بن أبي محمود!.. إذا أخذ الناس يمينا وشمالا فألزم طريقتنا، فإنه من لزمنا لزمناه، ومن فارقنا فارقناه، إنّ أدنى ما يُخرج الرجل من الإيمان أن يقول للحصاة: هذه نواة، ثم يدين بذلك ويبرأ ممن خالفه .يا بن أبي محمود!.. احفظ ما حدّثتك به فقد جمعت لك فيه خير الدنيا والآخرة.

قال الصادق (ع): إن من أجاب في كل ما يُسأل عنه لمجنون .

قال الصادق (ع): لا تحلّ الفتيا لمن لا يستفتي من الله عزّ وجلّ بصفاء سرّه وإخلاص عمله وعلانيته، وبرهان من ربه في كل حال، لأنّ مَن أفتى فقد حكم، والحكم لا يصحّ إلا بإذن من الله وبرهانه، ومَن حكم بالخبر بلا معاينة فهو جاهلٌ مأخوذٌ بجهله مأثومٌ بحكمه، قال النبي (ص): أجرؤكم بالفتيا أجرؤكم على الله عزّ وجلّ، أَوَ لا يعلم المفتي أنه هو الذي يدخل بين الله تعالى وبين عباده، وهو الحاجز بين الجنة والنار؟..

قال رسول الله (ص): إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه بين الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، وإذا لم يبق عالمٌ اتخذ الناس رؤساء جهّالا فسألوهم فقالوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا.

قال الصادق (ع): بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس، قلت: نعم، وقد أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج. إني أقعد في الجامع فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يقولون، ويجيء الرجل أعرفه بحبكم أو بمودتكم، فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو فأقول: جاء عن فلان كذا، وجاء عن فلان كذا، فأُدخل قولكم فيما بين ذلك، فقال لي: اصنع كذا، فإني أصنع كذا.

المجادلة والمخاصمة في الدين، والمراء

قال الباقر (ع): يا زياد!.. إياك والخصومات فإنها تورث الشك، وتحبط العمل، وتردي صاحبها، وعسى أن يتكلم الرجل بالشيء لا يُغفر له.

قال الصادق (ع): إياكم والخصومة في الدين!.. فإنها تشغل القلب عن ذكر الله عزّ وجلّ، وتورث النفاق، وتكسب الضغائن، وتستجيز الكذب.

قال رسول الله (ص): أنا زعيمٌ ببيت في ربض (أي أسفل) الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى الجنة: لمن ترك المراء وإن كان محقا، ولمن ترك الكذب وإن كان هازلا، ولمن حسن خُلقه.

قال رسول الله (ص): أربع يمتن القلوب: الذنب على الذنب، وكثرة مناقشة النساء - يعني محادثتهن - ومماراة الأحمق، تقول ويقول ولا يرجع إلى خير، ومجالسة الموتى، قيل له: يا رسول الله!.. وما الموتى؟.. قال: كل غني مترف.

قال رسول الله (ص): إياكم وجدال كل مفتون!.. فإنّ كل مفتون ملقّن حجته إلى انقضاء مدته، فإذا انقضت مدته أحرقته فتنته بالنار.

قال الصادق (ع): إن من التواضع أن يرضى الرجل بالمجلس دون المجلس، وأن يسلّم على من يلقى، وأن يترك المراء وإن كان محقا، ولا يحب أن يُحمد على التقوى.

قال الباقر (ع): إن الله إذا كتب على عبد أن يدخل في هذا الأمر، كان أسرع إليه من الطير إلى وكره.

قال الصادق (ع): لا تخاصموا الناس!.. فإنّ الناس لو استطاعوا أن يحبونا لأحبونا، إنّ الله أخذ ميثاق شيعتنا يوم أخذ ميثاق النبيين، فلا يزيد فيهم أحدٌ أبدا، ولا ينقص منهم أحدٌ أبدا.

قال الباقر (ع): من أعاننا بلسانه على عدونا، أنطقه الله بحجته يوم موقفه بين يديه عزّ وجلّ.

قلت للصادق (ع): بلغني أنك كرهت مناظرة الناس، فقال: أماكلام مثلك فلا يُكره: مَن إذا طار يحسن أن يقع، وإن وقع يحسن أن يطير .. فمن كان هكذا لا نكرهه.

قال أحدهم: قال لي الصادق (ع): ما فعل ابن الطيار؟.. قلت: مات، قال: رحمه الله ولقّاه نضرةً وسرورا، فقد كان شديد الخصومة عنا أهل البيت.

كان أبو عبد الله (ع) يقول لعبد الرحمن بن الحجاج :يا عبد الرحمن!.. كلّم أهل المدينة، فإني أحب أن يُرى في رجال الشيعة مثلك.

قال أحدهم: أردت الدخول على أبي عبد الله (ع) فقال لي مؤمن الطاق: استأذن لي على أبي عبد الله (ع) فقلت له: نعم، فدخلت عليه فأعلمته مكانه، فقال: لا تأذن له عليّ، فقلت له: جعلت فداك!.. انقطاعه إليكم، وولاؤه لكم، وجداله فيكم، ولا يقدر أحدٌ من خلق الله أن يخصمه، فقال: بل يخصمه صبيٌّ من صبيان الكتّاب، فقلت: جعلت فداك!.. هو أجدل من ذلك وقد خاصم جميع أهل الأديان فخصمهم، فكيف يخصمه غلامٌ من الغلمان وصبيٌّ من الصبيان؟!.. فقال: يقول له الصبي: أخبرني عن إمامك أمرك أن تخاصم الناس؟.. فلا يقدر أن يكذب عليّ فيقول: لا، فيقول له: فأنت تخاصم الناس من غير أن يأمرك إمامك، فأنت عاصٍ له فيخصمه، يا بن سنان!.. لا تأذن له عليّ، فإنّ الكلام والخصومات تفسد النية وتمحق الدين.

قال الباقر (ع): إياكم وأصحاب الخصومات والكذّابين!.. فإنهم تركوا ما أُمروا بعلمه، وتكلّفوا ما لم يؤمروا بعلمه حتى تكلّفوا علم السماء، يا أبا عبيدة!.. خالق الناس بأخلاقهم .. يا أبا عبيدة!.. إنا لا نعدّ الرجل فينا عاقلا حتى يعرف لحن القول، ثم قرأ (ع): (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ).

قال رسول الله (ص): لن يدخل الجنة عبدٌ في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، ولا يدخل النار عبدٌ في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، قلت: جعلت فداك!.. إنّ الرجل ليلبس الثوب أو يركب الدابة، فيكاد يُعرف منه الكبر، قال: ليس بذلك .. إنما الكبر إنكار الحق، والإيمان الإقرار بالحق.

فضل كتابة الحديث وروايته

قال رسول الله (ص): اللهم ارحم خلفائي - ثلاث مرات - قيل له: يا رسول الله!.. ومن خلفاؤك؟.. قال: الذين يأتون من بعدي ويروون أحاديثي وسنّتي، فيسلّمونها الناس من بعدي.

قال الباقر (ع): تزاوروا في بيوتكم فإنّ ذلك حياة لأمرنا، رحم الله عبدا أحيا أمرنا.

قال أمير المؤمنين (ع): ذكرنا أهل البيت شفاءٌ من الوعك والأسقام ووسواس الريب، وحبّنا رضى الرب تبارك وتعالى.

قال أحدهم: كنت عند الصادق (ع) - وقد ذكر أمير المؤمنين (ع) - فقال: يا بن مارد!.. مَن زار جدي عارفا بحقه، كتب الله له بكل خطوة حجّةً مقبولةً، وعمرةً مبرورةً، يا بن مارد!.. والله ما يطعم الله النار قدما تغبّرت في زيارة أمير المؤمنين (ع) ماشيا كان أو راكبا، يا بن مارد!.. اكتب هذا الحديث بماء الذهب.

قال أحدهم: كنت عند الصادق (ع) - وقد ذكر أمير المؤمنين (ع) - فقال: يا بن مارد!.. مَن زار جدي عارفا بحقه، كتب الله له بكل خطوة حجّةً مقبولةً، وعمرةً مبرورةً، يا بن مارد!.. والله ما يطعم الله النار قدما تغبّرت في زيارة أمير المؤمنين (ع) ماشيا كان أو راكبا، يا بن مارد!.. اكتب هذا الحديث بماء الذهب.

قال أحدهم: قلت لأبي جعفر (ع): إذا حدثتني بحديث فأسنده لي، فقال: حدّثني أبي، عن جده، عن رسول الله (ص)، عن جبرائيل (ع)، عن الله عزّ وجلّ، وكل ما أحدّثك بهذا الإسناد، وقال: يا جابر!.. لحديثٌ واحدٌ تأخذه عن صادق، خيرٌ لك من الدنيا وما فيها.

قال الصادق (ع): خطب رسول الله (ص) يوم منى فقال: نضّر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، وبلّغها مَن لم يسمعها، فكم من حامل فقه غير فقيه، وكم من حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه، ثلاثٌّ لا يغلُّ عليهنّ قلب عبدٍ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإنّ دعوتهم محيطةٌ من ورائهم، المؤمنون إخوةٌ تتكافئ دماؤهم، وهم يدٌ على من سواهم، يسعى بذّمتهم أدناهم.

قال أحدهم: عرضت على أبي محمد صاحب العسكر (ع) كتاب يوم وليلة ليونس، فقال لي: تصنيف مَن هذا؟.. فقلت: تصنيف يونس مولى آل يقطين، فقال: أعطاه الله بكل حرف نورا يوم القيامة.

قال الصادق (ع): اكتب وبثّ علمك في إخوانك، فإن متّ فورّث كتبك بنيك، فإنه يأتي على الناس زمان هرج، ما يأنسون فيه إلا بكتبهم.

قال الصادق (ع): أعربوا كلامنا فإنا قومٌ فصحاء .

قال الباقر (ع): إنّ حديثنا يحيي القلوب، وقال: منفعته في الدين أشدّ على الشيطان من عبادة سبعين ألف عابد.

روي أنّ رجلاً من الأنصار كان يجلس إلى النبي (ص)، فيسمع منه (ص) الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكى ذلك إلى النبي (ص) فقال له رسول الله (ص): استعن بيمينك، وأومأ بيده، أي خطّ.

قال الصادق (ع): القلب يتّكل على الكتابة.

قال رسول الله (ص): مَن أدّى إلى أمتي حديثاً يُقام به سنّة، أو يثلم (أي يصدع) به بدعة، فله الجنة.

قال أحدهم: دخلت على الصادق (ع) فقال: دخل عليّ أناسٌ من أهل البصرة فسألوني عن أحاديث وكتبوها، فما يمنعكم من الكتاب؟.. أما إنكم لن تحفظوا حتى تكتبوا .

من حفظ أربعين حديثا

قال الصادق (ع): مَن حفظ عني أربعين حديثا من أحاديثنا في الحلال والحرام، بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما ولم يعذّبه.

قال الحسين (ع): إنّ رسول الله (ص) أوصى إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وكان فيما أوصى به أن قال له: يا علي!.. مَن حفظ من أمتي أربعين حديثا، يطلب بذلك وجه الله عزّ وجلّ والدار الآخرة، حشره الله يوم القيامة مع النبيين والصدّيقين والشهداء الصالحين وحسن أولئك رفيقا .. فقال علي (ع): يا رسول الله!.. أخبرني ما هذه الأحاديث؟.. فقال: أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، وتعبده ولا تعبد غيره ...... فهذه أربعون حديثا من استقام عليها، وحفظها عني من أمتي دخل الجنة برحمة الله، وكان من أفضل الناس وأحبهم إلى الله عزّ وجلّ بعد النبيين والصدّيقين، وحشره الله يوم القيامة مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

آداب الرواية

قال أمير المؤمنين (ع) - فيما كتب إلى الحارث الهمداني -: ولا تحدّث الناس بكلّ ما سمعت فكفى بذلك كذبا، ولاتردّ على الناس كلّما حدّثوك به، فكفى بذلك جهلا.

قال أمير المؤمنين (ع): همّة السفهاء الرواية، وهمّة العلماء الدراية.

قال أمير المؤمنين (ع): إذا حدّثتم بحديث فأسندوه إلى الذي حدّثكم، فإن كان حقاً فلكم، وإن كان كذبا فعليه.

قال أحدهم: قلت لأبي عبد الله (ع): أسمع الحديث فلا أدري منك سماعه أو من أبيك؟.. قال: ما سمعته مني فاروه عن رسول الله (ص).

قال أحدهم: قلت لأبي عبد الله (ع): أسمع الحديث منك فلعلّي لا أرويه كما سمعته، فقال: إن أصبت فيه فلا بأس، إنما هو بمنزلة: تعال، وهلمّ، واقعد، واجلس.

قال رسول الله (ص): رحم الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها، فربّ حامل فقه ليس بفقيه .. وفي رواية: فربّ حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه.

قال أحدهم: كنت أتردّد بين علي بن الحسين وبين محمد بن الحنفية، كنت آتي هذا مرة وهذا مرة، ولقيت علي بن الحسين (ع) فقال لي: يا هذا!.. إياك أن تأتي أهل العراق فتخبرهم أنّا استودعناك علماً، فإنّا والله ما فعلنا ذلك!.. وإياك أن تترأس بنا فيضعك الله!.. وإياك أن تستأكل بنا فيزيدك الله فقرا!.. واعلم أنك إن تكن ذنَبا في الخير خيرٌ لك من أن تكون رأسا في الشرّ .واعلم أنه من يحدّث عنا بحديث سألناه يوما، فإن حدّث صدقاً كتبه الله صدّيقا، وإن حدّث كذباً كتبه الله كذّابا، وإياك أن تشدّ راحلةً ترحلها تأتي ههنا تطلب العلم حتى يمضي لكم بعد موتي سبع حجج، ثم يبعث الله لكم غلاما من ولد فاطمة (ع) تنبت الحكمة في صدره كما ينُبت الطلّ الزرع، فلما مضى علي بن الحسين (ع) حسبنا الأيام والجمع والشهور والسنين، فما زادت يوما ولا نقصت حتى تكلّم محمد بن علي بن الحسين - صلوات الله عليهم - باقر العلم.

قال أحدهم: قلت لأبي عبد الله (ع): إني أسمع الكلام منك فأُريد أن أرويه كما سمعته منك فلا يجيئ ذلك، قال: فتتعمّد ذلك؟.. قلت: لا، قال: تريد المعاني؟.. قلت: نعم، قال: فلا بأس.

قال أمير المؤمنين (ع): الوقوف عند الشبهة خيرٌ من الاقتحام في الهلكة، وتركك حديثا لم تروه خيرٌ من روايتك حديثا لم تحصه، إنّ على كل حقّ حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوا به، وما خالف كتاب الله فدعوه.

قيل للباقر (ع): يا محمد بن علي!.. أنت الذي تزعم أنه ليس شيءٌ ِإلا وله حدٌّ؟.. فقال أبو جعفر (ع): نعم أنا أقول: إنه ليس شيءٌ مما خلق الله صغيراً وكبيرا إلا وقد جعل الله له حدّا، إذا جوز به ذلك الحدّ فقد تعدّى حدّ الله فيه، فقال: فما حدّ مائدتك هذه؟.. قال: تذكر اسم الله حين تُوضع، وتحمد الله حين تُرفع، وتقمّ ما تحتها .. قال: فما حدّ كوزك هذا؟.. قال: لا تشرب من موضع أذنه، ولا من موضع كسره فإنه مقعد الشيطان، وإذا وضعته على فيك فاذكر اسم الله، وإذا رفعته عن فيك فاحمد الله، وتنفّس فيه ثلاثة أنفاس، فإنّ النفس الواحد يكره .

علم المعصومين (ع)

قال الباقر (ع): يا جابر!.. لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا، لكنّا من الهالكين، ولكنا نفتيهم بآثار من رسول الله (ص) وأصول علم عندنا، نتوارثها كابراً عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم.

قال الصادق (ع): والله لولا أنّ الله فرض ولايتنا ومودتنا وقرابتنا، ما أدخلناكم بيوتنا، ولا أوقفناكم على أبوابنا، والله ما نقول بأهوائنا، ولا نقول برأينا، ولا نقول إلا ما قال ربنا.

قال الباقر (ع): إنّا على بيّنة من ربنا، بيّنها لنبيّه (ص) فبيّنها نبيه لنا، فلولا ذلك كنا كهؤلاء الناس.

قال الباقر (ع): إنّ رسول الله (ص) دعا عليا (ع) في المرض الذي توفي فيه فقال: يا علي!.. ادن مني حتى أسرّ إليك ما أسرّ الله إليّ، وأئتمنك على ما ائتمنني الله عليه، ففعل ذلك رسول الله (ص) بعلي (ع) وفعله علي (ع) بالحسن (ع)، وفعله الحسن (ع) بالحسين (ع) وفعله الحسين (ع) بأبي (ع)، وفعله أبي (ع) بي - صلوات الله عليهم أجمعين -.

قال أحدهم: قلت لأبي عبدالله (ع): بأي شيء يفتي الإمام؟.. قال: بالكتاب، قلت: فما لم يكن في الكتاب؟.. قال: بالسنّة، قلت: فما لم يكن في الكتاب والسنّة؟.. قال: ليس شيءٌ إلا في الكتاب والسنّة، قال: فكرّرت مرة أو اثنتين قال: يسدّد ويوفّق، فأما ما تظنّ فلا.

قال الباقر (ع): إنّ عليا (ع) إذا ورد عليه أمرٌ لم يجئ به كتاب ولا سنّة رجم به - يعني ساهم - فأصاب، ثم قال :يا عبد الرحيم!.. وتلك المعضلات.

قال الصادق (ع): عجبا للناس يقولون: أخذوا علمهم كله عن رسول الله (ص) فعملوا به واهتدوا، ويرون أنّا أهل البيت لم نأخذ علمه ولم نهتد به، ونحن أهله وذريّته، في منازلنا أُنزل الوحي، ومن عندنا خرج إلى الناس العلم أفتراهم علموا واهتدوا وجهلنا وضللنا؟!.. إنّ هذا محال .

التدبر في أخبارهم (ع) والتسليم لهم (ع)

قال الصادق (ع): إنّ حديثنا صعبٌ مستصعبٌ، لا يحتمله إلا ملكٌ مقرّبٌ، أو نبيٌّ مرسلٌ، أو عبدٌ امتحن الله قلبه للإيمان، أو مدينةٌ حصينةٌ، قال عمرو: فقلت لشعيب: يا أبا الحسن!.. وأي شيء المدينة الحصينة؟.. فقال: سألت الصادق (ع) عنها، فقال لي: القلب المجتمع.

قال الباقر (ع): أما والله إنّ أحبّ أصحابي إليّ أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا، وإنّ أسوأهم عندي حالا، وأمقتهم إليّ الذي إذا سمع الحديث يُنسب إلينا ويُروى عنا فلم يعقله، ولم يقبله قلبه اشمأزّ منه وجحده، وكفر بمن دان به، وهو لا يدري لعلّ الحديث من عندنا خرج وإلينا أُسند فيكون بذلك خارجا من ولايتنا.

قال الباقر (ع): ذُكر التقية يوما عند علي بن الحسين (ع) فقال: والله لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله، ولقد آخا رسول الله (ص) بينهما، فما ظنّكم بسائر الخلق؟!..

قال الصادق (ع): إنا أهلُ بيتٍ صادقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس .. كان رسول الله (ص) أصدق البرية لهجةً، وكان مسيلمة يكذب عليه .. وكان أمير المؤمنين (ع) أصدق مَن برأ الله من بعد رسول الله (ص) وكان الذي يكذب عليه، ويعمل في تكذيب صدقه بما يفتري عليه من الكذب عبد الله بن سبأ لعنه الله .. وكان أبو عبد الله الحسين بن علي (ع) قد ابتلى بالمختار .. ثم ذكر أبو عبد الله (ع) الحارث الشامي وبنان فقال: كانا يكذبان على علي بن الحسين (ع) .. ثم ذكر المغيرة بن سعيد وبزيعا والسريّ وأبا الخطّاب ومعمّرا وبشار الأشعري وحمزة البربري وصائد النهدي، فقال: لعنهم الله إنّا لا نخلو من كذّاب يكذب علينا أو عاجز الرأي، كفانا الله مؤونة كل كذّاب، وأذاقهم حرّ الحديد .

علل اختلاف الأخبار، وكيفية الجمع بينها

قال أمير المؤمنين (ع): وليس كل أصحاب رسول الله (ص) يسأله عن الشيء فيفهم، كان منهم من يسأله ولا يستفهمه، حتى أن كانوا ليحبّون أن يجيئ الأعرابي والطاري فيسأل رسول الله (ص) حتى يسمعوا .وكنت أدخل على رسول الله (ص) كلّ يوم دخلةً وكلّ ليلة دخلةً فيخلّيني فيها، أدور معه حيثما دار، وقد علم أصحاب رسول الله (ص) أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، وربما كان ذلك في بيتي، يأتيني رسول الله (ص) أكثر ذلك في بيتي، وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني وأقام عني نساءه فلا يبقى عنده غيري، وإذا أتاني للخلوة معي في بيتي، لم تقم عنه فاطمة ولا أحدٌ من بنيَّ .وكنت إذا سألته أجابني، وإذا سكتّ عنه وفنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت على رسول الله (ص) آيةٌ من القرآن إلا أقرأنيها، وأملاها عليّ فكتبتها بخطي، وعلّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصها وعامها، ودعا الله لي أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آيةً من كتاب الله ولا علماً أملاه عليَّ وكتبته منذ دعا الله لي بما دعاه .وما ترك شيئا علّمه الله من حلال ولا حرام، أمر ولا نهي، كان أو يكون، ولا كتاب منزل على أحد قبله في أمر بطاعة أو نهي عن معصية، إلا علّمنيه وحفّظنيه فلم أنس حرفا واحدا، ثم وضع (ص) يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكما ونورا، فقلت: يا نبي الله!.. بأبي أنت وأمي، إني منذ دعوت الله عزّ وجلّ لي بما دعوت لم أنس شيئا، ولم يفتني شيءٌ لم أكتبه، أفتتخوف عليّ النسيان فيما بعد؟.. فقال: لا لست أخاف عليك النسيان ولا الجهل.

قال أحدهم: سألت الباقر (ع) عن مسألة فأجابني، ثم جاء رجلٌ فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجلٌ آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا بن رسول الله!.. رجلان من أهل العراق من شيعتك قَدِما يسألان، فأجبت كلّ واحد منهما بغير ما أجبت به الآخر، فقال: يا زرارة!.. إنّ هذا خيرٌ لنا وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لقصدكم الناس، ولكان أقلّ لبقائنا وبقائكم، فقلت لأبي عبد الله (ع): شيعتكم لو حملتموهم على الأسنّة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين، فسكت فأعدت عليه ثلاث مرات، فأجابني بمثل جواب أبيه.

قال أحدهم: سألت الباقر (ع) فقلت: جعلت فداك!.. يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ؟.. فقال (ع): يا زرارة!.. خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذّ النادر، فقلت: يا سيدي!.. إنهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم، فقال (ع) :خذ بقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك، فقلت: إنهما معا عدلان مرضيّان موثّقان، فقال: انظر ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه وخذ بما خالفهم، قلت: ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع؟.. فقال: إذاً فخذ بما فيه الحائطة لدينك، واترك ما خالف الاحتياط، فقلت: إنهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع؟.. فقال (ع): إذاً فتخيّر أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر .. وفي رواية أنه (ع) قال: إذاً فأرجه حتى تلقى إمامك فتسأله.

قال أحدهم: سمعت أبا عبد الله (ع) يوما - ودخل عليه الفيض بن المختار، فذكر له آية من كتاب الله عزّ وجلّ يؤولّها أبو عبد الله (ع) - فقال له الفيض: جعلني الله فداك!.. ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم؟.. قال :وأي الاختلاف يا فيض؟!.. فقال له الفيض :إني لأجلس في حلقهم بالكوفة، فأكاد أن أشكّ في اختلافهم في حديثهم حتى أرجع إلى المفضّل بن عمر، فيوقفني من ذلك على ما تستريح إليه نفسي وتطمئن إليه قلبي .فقال أبو عبد الله (ع): أجل هو كما ذكرت يا فيض، إنّ الناس أُولعوا بالكذب علينا، إنّ الله افترض عليهم لايريد منهم غيره، وإني أحدّث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوّله على غير تأويله، وذلك أنهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند الله، وإنما يطلبون الدنيا وكلٌّ يحب أن يُدعى رأسا، إنه ليس من عبد يرفع نفسه إلا وضعه الله، وما من عبد وضع نفسه إلا رفعه الله وشرّفه، فإذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس - وأومأ بيده إلى رجل من أصحابه - فسألت أصحابنا عنه، فقالوا: زرارة بن أعين.

قال الرضا (ع): إنّا عن الله وعن رسوله نحدّث، ولا نقول: قال فلان وفلان فيتناقض كلامنا، إنّ كلام آخرنا مثل كلام أولنا، وكلام أولنا مصداقٌ لكلام آخرنا، وإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه وقولوا: أنت أعلم وما جئت به، فإنّ مع كلّ قولٍ منّا حقيقةً وعليه نورٌ، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك قول الشيطان.

قال الصادق (ع): كان المغيرة بن سعيد يتعمّد الكذب على أبي (ع) ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسّ فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي (ع)، ثم يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثّوها في الشيعة، فكلّ ما كان في كتب أصحاب أبي (ع) من الغلوّ فذاك مما دسّه المغيرة بن سعيد في كتبهم.

قال الصادق (ع): مَن بلغه شيءٌ من الثواب على شيء من الخير فعمله، كان له أجر ذلك، وإن كان رسول الله (ص) لم يقله .

الإحتياط في الدين

قال رسول الله (ص): الأمور ثلاثة: أمرٌ تبيّن لك رشده فاتبعه، وأمرٌ تبيّن لك غيّه فاجتنبه، وأمرٌ اختلف فيه فردّه إلى الله عزّ وجلّ.

قال أمير المؤمنين (ع) لكميل بن زياد فيما قال: يا كميل!.. أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت.

قال رسول الله (ص): إنّ لكل ملك حمىً، وإنّ حمى الله حلاله وحرامه، والمشتبهات بين ذلك، كما لو أنّ راعيا رعى إلى جانب الحمى لم تلبث غنمه أن تقع في وسطه، فدعوا المشتبهات.

قال الصادق (ع): فاسأل العلماء ما جهلت!.. وإياك أن تسألهم تعنّتاً وتجربةً!.. وإياك أن تعمل برأيك شيئا!.. وخذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلا!.. واهرب من الفتيا هربك من الأسد!.. ولا تجعل رقبتك للناس جسرا.

قال أمير المؤمنين (ع): إنّ الله افترض عليكم فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ لكم حدودا فلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعْها نسيانا فلا تتكلّفوها.

قال رسول الله (ص): دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنك لن تجد فقد شيء تركته لله عزّ وجلّ .

البدع والرأي والمقاييس

قال أمير المؤمنين (ع): إنّ أبغض الخلائق إلى الله تعالى رجلان: رجلٌ وكله الله إلى نفسه، فهو جائرٌ عن قصد السبيل، مشعوفٌ بكلام بدعة ودعاء ضلالة، فهو فتنةٌ لمن افتتن به، ضالٌّ عن هدى من كان قبله، مضلٌّ لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته، حمّال خطايا غيره، رهنٌ بخطيئته .ورجلٌ قمش جهلا فوضعه في جهّال الأمة، غارّاً في أغباش الفتنة، عمّ بما في عقد الهدنة، قد سمّاه أشباه الرجال عالما وليس به، بكّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خيرٌ مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن وأكثر من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، إن خالف مَن سبقه لم يأمن من نقض حكمه من يأتي من بعده، كفعله بمن كان قبله، وإن نزل به إحدى المبهمات هيّأ لها حشوا رثّاً من رأيه ثم قطع به .فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ، إن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، جاهلٌ خبّاط جهلات، غاشٌ ركّاب عشوات، لم يعضَّ على العلم بضرس قاطع، يذري الروايات إذراء الريح الهشيم، لا مليءٌ والله بإصدار ما ورد عليه، لا يحسب العلم في شيء مما أنكره، ولا يرى أنّ من وراء ما بلغ منه مذهبا لغيره، وإن قاس شيئا بشيء لم يكذب رأيه، وإن أظلم عليه أمرٌ اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه، يصرخ من جور قضائه الدماء، وتعجّ منه المواريث، إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهّالا ويموتون ضلاّلا....الخبر.

قال الصادق (ع): يا نعمان!.. إياك والقياس، فإنّ أبي حدّثني عن آبائه أنّ رسول الله (ص) قال: مَن قاس شيئا من الدين برأيه، قرنه الله تبارك وتعالى مع إبليس في النار، فإنه أول من قاس حيث قال: (خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) فدعوا الرأي والقياس!.. فإنّ دين الله لم يوضع على القياس.

قال أمير المؤمنين (ع): إنما بدْءُ وقوع الفتن أهواءٌ تُتبع، وأحكامٌ تُبتدع، يُخالَف فيها كتاب الله، ويتولى عليها رجالٌ رجالا على غير دين الله، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق لم يخفَ على المرتادين، ولو أنّ الحقّ خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغثٌ ومن هذا ضغثٌ فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى.

قال الصادق (ع): كان رجلٌ في الزمن الأول طلب الدنيا من حلال فلم يقدر عليها، وطلبها من حرام فلم يقدر عليها، فأتاه الشيطان فقال له: يا هذا!.. إنك قد طلبت الدنيا من حلال فلم تقدر عليها، وطلبتها من حرام فلم تقدر عليها، أفلا أدلّك على شيء تكثر به دنياك ويكثر به تبعك؟.. قال: بلى .. قال: تبتدع دينا وتدعو إليه الناس، ففعل فاستجاب له الناس وأطاعوه وأصاب من الدنيا ،ثم إنه فكر فقال :ما صنعتُ؟.. ابتدعتُ دينا ودعوت الناس، ما أرى لي توبةً إلا أن آتي مَن دعوته إليه فأردّه عنه، فجعل يأتي أصحابه الذين أجابوه فيقول لهم: إنّ الذي دعوتكم إليه باطلٌ وإنما ابتدعته، فجعلوا يقولون له: كذبت وهو الحقّ ولكنك شككت في دينك فرجعت عنه .فلما رأى ذلك عمد إلى سلسلة فوتّد لها وتدا ثم جعلها في عنقه وقال: لا أحلّها حتى يتوب الله عزّ وجلّ عليّ، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى نبي من الأنبياء: قل لفلان: وعزتي لو دعوتني حتى تنقطع أوصالك، ما استجبت لك حتى تردّ مَن مات على ما دعوته إليه فيرجع عنه.

قال رسول الله (ص): قال الله جلّ جلاله: ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي، وما عرفني مَن شبّهني بخلقي، وما على ديني مَن استعمل القياس في ديني.

قال رسول الله (ص) في خطبته: إنّ أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكان إذا خطب قال في خطبته: أما بعد، فإذا ذكر الساعة اشتدّ صوته واحمرّت وجنتاه، ثم يقول: صبحتكم الساعة أو مستكم، ثم يقول: بُعثت أنا والساعة كهذه من هذه - ويشير بأصبعيه-.

قال السجاد (ع): إنّ دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة، والآراء الباطلة، والمقاييس الفاسدة، ولا يصاب إلا بالتسليم، فمَن سلّم لنا سلم، ومَن اهتدى بنا هُدي، ومَن دان بالقياس والرأي هلك، ومَن وجد في نفسه شيئا مما نقوله أو نقضي به حرجا، كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم، وهو لا يعلم.

قال الباقر (ع): أدنى الشرك أن يبتدع الرجل رأيا، فيحبّ عليه ويبغض عليه.

قال الرضا (ع): مَن دعا الناس إلى نفسه وفيهم مَن هو أعلم منه، فهو مبتدعٌ ضالٌّ .

قال أحدهم: قلت لأبي عبد الله (ع): إنّ عندنا بالجزيرة رجلا، ربما أخبر من يأتيه يسأله عن الشيء يسرق أو شبه ذلك أفنسأله؟.. فقال: قال رسول الله (ص): مَن مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذّاب يصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل الله من كتاب.

قال رسول الله (ص): إن لله عند كل بدعة تكون بعدي - يُكاد بها الإيمان - ولياً من أهل بيتي موكلاً به يذبُّ عنه، ينطق بإلهام من الله تعالى ويعلن الحقَّ وينوره، ويردُّ كيدا الكائدين، ويُعبرّ عن الضعفاء، فاعتبروا يا اُولي الأبصار، وتوكّلوا على الله .

 

(وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ)

الأعراف/42ـ43

والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله

الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا

وقد تم الإنتهاء من كتابته في يوم الجمعة

على يد الفقير الجاني/ جعفر الشارقي البحراني

25/شوال/1424هـ ـ الموافق 19/12/2003م

أعلى الصفحة

 

<>